واقع البحث العلمي في العالَم العربي

 

يعرف خبير اليونسكو في مجال البحث العلمي (جون ديكنسون) البحث العلمي بأنه: (استقصاء منهجي في سبيل زيادة مجموع المعرفة)، ويعرفه آخرون بأنه: (استقصاء دقيق نافذ وشامل يهدف إلى تحصيل حقائق جديدة تساعد على وضع فرض جديد موضع الاختبار أو مراجعة نتائج مسلم بها) وهنالك صعوبة في تعريف شامل للبحث العلمي، لكن ذلك لا يعني تعريفه بأنه: (الوسيلة للوصول إلى الحقيقة النسبية واكتشاف الظواهر ودرجة الارتباط فيما بينها، وذلك في مختلف مجالات المعرفة، والبحث العلمي لا يقتصر على أسرار المادة والكون المحيط بنا بل يشمل الأحداث اليومية لحياة الإنسان).

يمكن الاشارة إلى أن 90 في المائة من المنشورات البحثية في العالم العربي لها صلة مباشرة بالمشاكل المحلية، وتفيد دراسة لليونسكو بأن الانتاجية العلمية في العالم العربي متدنية جداً، فقد كان هنالك على سبيل المثال سبعة آلاف باحث وكان من المتوقع أن ينتج هؤلاء ما بين (8000 و 14000) بحث سنوياً، إلا أن المنشور فعلاً بلغ (847) بحثاً أي بحدود (10 في المائة) من المتوقع، وجاء في دراسة حول هذا الموضوع – نشرت في مجلة المستقبل العربي، أن أعمال البحث العلمي في البلدان العربية ذات طبيعة تطبيقية صرف، إذ إن (38 في المائة) من منشورات هذه الأعمال في الطب، (20 في المائة) منها في الزراعة، (17 في المائة) منها في الهندسة، ومثلها في العلوم الأساسية و(8 في المائة) منها في الاقتصاد والإدارة، وارتفع الإنتاج الكلي من تلك المنشورات في العالم العربي من (465) منشوراً في عام 1967 إلى نحو (6000) في العام 1995، وبلغ معدل النمو السنوي منذ عام 1967 في مجل منشورات العالم العربي (10 في المائة) وان كانت النسب مختلفة من قطر لآخر، وقد سجلت أعلى نسبة في المملكة العربية السعودية بواقع (25 في المائة) تلتها حتى العام 1990 الكويت بنسبة (20 في المائة)، وأن معدل إنتاج البحوث بالنسبة للبلدين إلى الفرد الواحد من السكان في كلا القطرين يضاهي المعدل السائد في أقطار النمور الآسيوية، وتجدر الاشارة إلى أنه في عام 1990 كانت البلدان الرئيسية الثلاثة في ترتيب الإنتاج البحثي هي مصر37 في المائة والعربية السعودية 20 في المائة والكويت 12 في المائة، وفي العام نفسه بدأ نصيب الفرد في الكويت من هذا الإنتاج يصل إلى معدل الدول الأوروبية.

يمكن الاشارة إلى أن 90 في المائة من المنشورات البحثية في العالم العربي لها صلة مباشرة بالمشكلات المحلية

  • ضآلة حجم الإنفاق المالي على الأبحاث العلمية في العالم العربي:

يعود قصور الجامعات في البحث العلمي إلى عدم تخصيص ميزانية مستقلة ومشجعة للبحوث العلمية، إضافة إلى أن الحصول على منحة بحثية يستغرق إجراءات طويلة ومعقدة مع قلة في الجهات المانحة. كما أن معظم الجامعات في الدول النامية تركز على عملية التدريس أكثر من تركيزها على البحوث العلمية لأسباب عدة.

كما أن الدول المتقدمة ترصد الميزانيات الضخمة للبحوث العلمية لمعرفتها بالعوائد الضخمة التي تغطي أضعاف ما أنفقته، في حين يتراجع الإنفاق على البحوث العلمية في الدول العربية بسبب النقص في التمويل الذي تنفق نسبة كبيرة منه على الأجور والمرتبات.

هذا، ولقد أنفق العالم منذ عام 1990م حوالي ألف مليار دولار على البحث العلمي والتطوير، وكان إسهام الدول النامية أقل من 4 في المائة من هذا المبلغ.

ومن جانب آخر فإن مخصصات البحث العلمي في الدول المتقدمة تزداد عاماً بعد آخر، إذ تتضاعف كل ثلاث سنوات تقريباً، وتتجاوز نسبة مخصصات البحث العلمي في بعض الدول المتقدمة 4 في المائة من إجمالي الناتج القومي.

يعد القطاع الحكومي الممول الرئيس لنظم البحث العلمي في الدول العربية، حيث يبلغ حوالي 80 في المائة من مجموع التمويل المخصص للبحوث والتطوير مقارنة بـ3 في المائة للقطاع الخاص، و7 في المائة من مصادر مختلفة. وذلك على عكس الدول المتقدمة وإسرائيل حيث تتراوح حصة القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي ما بين 70 في المائة في اليابان و52 في المائة في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

وهذا الإسهام الضعيف من قبل القطاع الخاص للمؤسسات البحثية يرجع إلى عدم تقدير القطاع الخاص لقيمة البحث العلمي وجدواه. إضافة إلى عدم كفاية الميزانيات التي ترصدها المراكز والجامعات ومؤسسات المجتمع للبحث العلمي، وإلى الفساد المالي والإداري الملحوظ في الجامعات ومراكز البحوث العربية.

ومن النماذج العربية الجيدة في دعم البحث العلمي، نموذج دولة الكويت، التي فرضت نسبة معينة من أرباح الشركات لدعم (مؤسسة الكويت للأبحاث العلمية) تقدم كمعونة من القطاع الخاص، كمورد إضافي لحركة البحث العلمي في جامعاتها ومراكزها البحثية.

وينبغي هنا أن نؤكد أن القطاع الخاص عند دعمه للبحث العلمي سيكون هو أول المستفيدين من نتائجه على المدى الطويل. وأمثلة ذلك كثيرة في العالم فكم من الشركات الكبرى التي تبنت ودعمت بحثاً ما في إحدى الجامعات وعند الوصول إلى النتائج كانت هي أول المستفيدين من هذا البحث.

ومن ثم يعود عليها عائد مادي كبير لامتلاكها حق الاكتشاف والتبني. ونجد في أغلب جامعات العالم أن هنالك مراكز بحثية تقوم على تمويلها ودعمها الشركات الكبرى أو القطاع الخاص عامة.

وقد توصلت هذه المراكز (نتيجة لهذا الدعم) إلى حلول لمشكلات أو طورت اختراعاً عاد بالمردود الجيد على الشركات الداعمة. كما أن هذه الشركات قد تبيع نتائج البحوث التي دعمتها لقطاعات أخرى. بل (وليس بالضرورة) امتلاك هذه الشركات لنتائج البحث، ففي كثير من الحالات يشارك عدد من الشركات لدعم بحث ما، ولا تستفيد من ذلك سوى أن يذكر اسمها من ضمن الداعمين. وهذا له مردود دعائي كبير على مستهلكي منتج الشركة، وذلك على المدى الطويل، فهو يدلل على مركز الشركة الرفيع وتقديرها للبحث العلمي ويعطيها السمعة الحسنة والمتميزة أمام عملائها.

  • مشكلات ومعوقات البحث العلمي في العالم العربي:

إن معوقات البحث العلمي تنحصر في الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية التي يواجهها المجتمع بشكل عام، وبالتحديد فإن مثبطات البحث العلمي تنحصر في المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يواجهها، وهي لا تنفصل عن إشكاليات المجتمع بشكل عام، حيث يعتبر العلم وتطبيقاته في مجال الإنتاج من أهم المظاهر المميزة لنهاية القرن العشرين. ومن أهم مشكلات البحث العلمي:

  • 1- تدني مستوى الإنفاق على البحث العلمي:

إن البحث العلمي يتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً على المنشآت البحثية كالمباني والمختبرات وتجهيزاتها وكذلك المكتبات ودور النشر والمجلات العلمية والدوريات التي تنشر فيها نتائج البحوث، إضافة إلى تعويضات العاملين في هذا المجال، ولذلك فإن الباحثين يعانون من قلة الإنفاق على البحث العلمي، وهذا يحول دون قدرتهم على متابعة دراساتهم وأعمالهم بعد رفض طلباتهم في المساعدة والتمويل بحجة عدم وجود رصيد لهذه الغاية، مما يضطرهم للتخلي عن بعض البحوث وعدم استكمالها وهذا ما يضيع الكثير من الوقت والجهد من دون فائدة.

  • 2- نقص التجهيزات العلمية والتقنية:

إن الكثير من البحوث الهادفة تتطلب تقنية حديثة عالية تضمن الوصول للنتائج المرجوة، ويشكل غيابها حلقة مفرغة تحول دون تحقيق النتائج المرجوة وتعاني الدول العربية من نقص الموارد المخصصة لهذه الغاية مما يضعف القدرة البحثية بشكل عام.

  • 3- نقص الفنيين والمتخصصين في التقنيات الحديثة:

وهذا يظهر في حال توفر الأجهزة الحديثة الضرورية للبحث العلمي، حيث يلاحظ غياب التقنيين المؤهلين للإشراف على حسن سير العمل على هذه الأجهزة وإصلاحها في حالة التعطل، وينتج عن ذلك تعطل هذه الآلات لفترات طويلة والاستعانة بالخبرات الأجنبية الباهظة التكاليف وبالتالي يتم هدر الوقت والجهد والمال.

  • 4- غياب المؤلفات والمراجع الضرورية لعمل الباحث:

تحتاج المكتبات العربية للعديد من المؤلفات والمراجع الضرورية والمهمة وخاصة الجديدة منها، لمواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل، وهذا ما يعيق عمل الباحث ويفصله عن مجريات الثورة العلمية والتقنية المعاصرة. خاصة إذا علمنا أن مجتمعنا لا ينتج المعرفة ولا يُحسن استهلاكها.

  • 5- انعدام أجواء البحث العلمي:

يقصد بأجواء البحث العلمي ظهور الأفكار الجديدة والأفكار المقابلة لها وكذلك وجود ما تسمى (المجتمعات العلمية) أي تجمعات العلماء والباحثين، والتي تتجسد في الجمعيات العلمية العامة والمتخصصة والنوادي العلمية والفكرية التي يتم فيها تبادل الأفكار والآراء والإسداء المتبادل للنصائح في مجال البحث العلمي، ولمثل هذه الأجواء دور مهم في تحريض العملية البحثية والإبداعية، فالباحث يستثيره للعمل الخلاق تحدي الأفكار الأخرى أو بمعنى آخر، أن الخلق يولد الخلق، وللأسف الشديد فإن العديد من أقطار العالم العربي يفتقر إلى مثل هذه الأجواء للبحث العلمي، ولا ننسى أيضا مشكلة الهدوء الذي لا بد منه للتركيز والخلق والإبداع الذي لا يتوفر بنسبة كافية في العالم العربي.

  • 6- ظروف عمل ومكانة العلماء والباحثين في المجتمع العربي:

بالنسبة لظروف عمل الباحثين العرب يمكننا الاستشهاد بقول للدكتور محمد عبد الحليم مرسي الذي يقول: (إن الذي يعيش في الخارج المتقدم لبعض الوقت، ويرى الظروف الطيبة الميسرة والمريحة التي يعمل فيها العلماء والباحثون، قد يجد بعض العذر لعلمائنا عندما تقل إنتاجيتهم العلمية والأسباب كثيرة ومتنوعة، فابتداء بالراتب المغري الذي يسد حاجة العالم وأسرته إلى السكن الممتاز المؤمن بجانب عمله، إلى توفير كل مستلزمات عمله، إلى هيئة من المساعدين الذين يفهمون عمله، ويجهزون له مختبره ويحافظون على نتائج تجاربه، إلى المساعدة على نشر أبحاثه، إلى تأمين الدعوة لحضور المؤتمرات العلمية، إلى احترام رأيه وآدميته … إلخ.

كل هذه الظروف وغيرها تجعل الفرد يتفرغ تماماً للبحث العلمي والدراسة والاطلاع، وبالتالي الإنتاج والإبداع). ولسنا بحاجة للقول إن الكثير من الأقطار العربية لا تتوفر فيها هذه الظروف للباحثين، حتى في حدودها الدنيا ولذلك يهاجر العديد من العلماء والباحثين والخبراء إلى الدول الأجنبية وتتشكل من جراء ذلك ظاهرة ما تسمى (هجرة الأدمغة أو نزيف الأدمغة).

أما بالنسبة لمكانة العلماء والباحثين في المجتمع العربي فإن التقدير الاجتماعي يلعب دوراً هاماً في تشجيع العلماء والباحثين على المزيد من العمل والتضحية والعطاء العلمي، ولا يمكن أن يوجد هذا التقدير إلا في مجتمع يدرك أهمية الدور الذي يقوم به العلماء والباحثون داخل المجتمع.

ينظر المجتمع العربي الحالي نظرة لا تليق بالبحث العلمي من حيث أولويته على كثير من الأنشطة والمجالات، وربما يتعلق ذلك بالتنشئة الاجتماعية التي أكسبت الجماهير العربية الحالية هذه النظرة السالبة نحو البحث العلمي، وأصبح الناس غير مدركين لخطورة تدهور البحث العلمي العربي، وتأخره عن ركب الحضارة.

وتلعب القيم السائدة في زمان ما دوراً أساسياً في توجيه المجتمع في هذا الاتجاه، فهكذا كانت قيمنا الأصيلة المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف في المجتمعات العربية تحض على تقدير واحترام العلم والعلماء (العلماء ورثة الأنبياء) وكان لنتيجة التقدير أن سطعت شمس حضارة العرب والإسلام على بقاع شاسعة من المعمورة، أما في وقتنا الراهن فالتراجع ملحوظ، للأسف، ولهذا التراجع أثره السلبي الخطير في تقدم مسيرة التنمية والحضارة في العالم العربي

  • 7- غياب سياسات واضحة للبحث العلمي:

تفتقر معظم الدول العربية إلى سياسات واضحة للبحث العلمي والتي تتضمن تحديد الأهداف والأولويات والمؤسسات والمراكز البحثية اللازمة وتوفير الإمكانات المادية والضرورية لتفعيل وتطوير البحث العلمي وهذا ما يؤدي إلى تناثر الجهود وغياب التنسيق وعدم تحقيق الغايات.


– حواس محمود: كاتب وباحث من سوريا

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!