المغرب؛ قَلْعَةُ اللُّغةِ العَربيَّةِ المَنِيعَة

 

يُعتبرُ المغرب؛ قلعةً منيعةً مِن قِلاعِ اللُّغة العربية في العالَم؛ بشهادة الدُّولِ العربيّة والإسلامية، ولا أدلَّ على ذلك؛ الهيْمَنَةُ الواسعة للمغاربة على مُختَلَفِ القطاعات والمؤسساتِ والمراكز ذات الصيتْ العالمي؛ التي تقومُ أساساً على اللغة العربية الفصيحة في مَهامِها وأنشطَتِها؛ كالصحافة والإعلام والمعاهد البحثية ومراكز الترجمة والتعريب عبر العالَم، بالإضافة إلى قِطاع التعليم بشقَّيْه؛ الأساسي والعالي؛ الذي يُعتبَر فيه أستاذُ اللغة العربية المغربي؛ الأفضلُ والأكثرُ كفاءةً وتَمَكُنًّا.

يَدعَمُ هذا المُعطى، سعيُ كثيرٍ من الدول العربية والغربية لاستجلاب أستاذةِ اللُّغة العربية المغاربة للاستفادة من كفاءاتِهم وتوطينِ خبراتِهم ومؤهلاتِهم. كما يُعتبر المغرب وِجهةً أساسيةً لتعلُّم اللغة العربية بالنسبة للناطقين بغيرِها.

  • فما هو سر نجاح وتفوق المغاربة في اللغة العربية؟
  • وهل يُمكن تعميمُ هذا النَّحاح المغربي على بقية الدول العربية؟

تسعى كثيرٌ من الدول العربية، خاصة دول الخليج العربي؛ للنهوض بقطاع التعليم، موازاةً مع الحفاظ على اللغة العربية وحمايتِها من خطر الاندثار؛ بعد الانحصار الشامل الذي أصابَها في شبه الجزيرة العربية موطِنِها الأم، بسبب تراجع استعمالِها وتعويضِها باللّهجة العامية، التي بِدورِها بدأتْ تفقد الكثير من مُعجمِها العربي؛ وتُعوّضُه بمعجمٍ جديدٍ من لهجاتِ العَمالة الوافدة من جنوب شرقي آسيا.

كما أن انبهار الشخصية الخليجية بالغرب وثقافتِه ونمطِ عيشِه، جعل تعلُّم اللغة الإنجليزية أولويةً على حساب اللغة العربية الفصيحة. مما خَلق وضعاً لغويا مُشكلا؛ مُرْبِكا؛ ومُرتبِكا. ففي الإمارات العربية المتحدة _مثلا_؛ حيث يفوق عدد المقيمين والذي يُقدَّر عددُهم بحسب إحصائيات 2018م بـ 8ملايين نسمة، وينحدرون من حوال 200 جنسية، تم حجب اللغة العربية بشكل شبه كاملٍ في بعض النطاقات التي تهيمن فيها الجاليات غير العربية، ففي أبو ظبي مثلا؛ لا تكادُ تسمع للغة العربية حَسِيساً ولا هَمْسا، فقد أزاحتْها اللغة الإنجليزية في التداول الرسمي؛ ولهجات العَمالة الوافدة في الاستعمال العادي.

كما أن الحياة العصرية على الطراز الغربي، جعلتْ العائلات والأسر الخليجية تُركز على تعليمِ أبنائهم اللغات الأجنبية بدل اللغة العربية، ضمانا لمستقبلِهم (بِـحَسَب ظنِّهم). فتفاقمَ وضع اللغة العربية في هذه المجتمعات التي كانت مجتمعات عربيةً فصيحة؛ وأصبحت اليومَ تتحول شيئا فشيئا إلى مجتمعات غربية الثقافة واللغة.

أما مِصرُ التي كان لها في وقت من الأوقات وزنٌ أدبيٌّ وثقافيٌّ وفنيٌّ وعلميٌّ مُعتبر، والتي كانت رافِداً من روافِد اللغة العربية في دول الخليج، (إلى جانب لبنان وسوريا والعراق وفلسطين)، فقد خفتَ إشعاعُها وانحصرَ دورُها وتراجع تأثيرُها على جميع المستويات؛ العلمية والأدبية والفكرية والثقافية والفنية والاقتصادية، وتلقَّت رصاصةَ الرحمة مِن تقرير اليونسكو (ماي 2017م) الذي وضعَ مصرَ خارج التصنيف العالمي للتعليم. مما اضطر دول الخليج إلى استقطاب أساتذة اللغة العربية في كل من تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.

إلا أن المملكة المغربية تُشكّل الاستثناء، ففي مجال اللغة العربية لا تكاد تجد مؤسسةً أو جامعة أو معهداً أو قناةً أو صحيفة دولية أو عالمية؛ إلا وتجدُ فيها أساتذةً وخبراءَ وفنيُّونَ وأكاديميونَ مغاربةً؛ مبرّزين في اللغة العربية، كما لا يُماري أحد في قوة ورجاحة الترجمات المغربية للأبحاث والكتب والمقالات العلمية والدراسات الأدبية والنقدية الغربية.

للذين يتساءلون عن سر هذه الهيمنة وهذا التفوق المغربي نقول؛ إن ما يتم رصدُه للتعليم النظامي في المملكة المغربية مُتدنٍ جداً، بل لا يُساوي شيئاً إذا ما قورِنَ بما تخصصهُ دول الخليج للتعليم، كما أن التجهيزات والإمكانات التي تخصِّصُها الوزارة؛ محدودةٌ جدا وتكاد تكون مُنعدمةً في بعض المناطق النائية. إلا أن سرَّ قوة اللغة العربية في المغرب، مرتبطةٌ أساساً بعامليْن أساسييْنِ حاسميْن هُما؛ القرآن و السِّن.

إذا كان القرآنُ الكريم قد نزلَ في المَشرق؛ فإنَّ أهلَهُ في المغرب

بخلاف كل النظريات والمزاعم التي تقول؛ إنه يجبُ عدم تحميل الأطفال حدِيثِي السِّن فوق طاقتِهم في الدراسة والتحصيل، والاكتفاء بإشغالِهم ببعض كرَّاسات التلوين أو القَصِّ واللَّصق أو بعض القِصص البسيطة الهادفة التي لا تتعدى 4 صفحات. فإن العادة في المغرب دأبَتْ ومنذ قرون عديدة؛ على تحفيظِ الأطفالِ القرآنَ الكريمَ منذ سن الرابعة. إذ تنتشر الكتاتيب عبر ربوع المملكة المغربية من شمالِها إلى جنوبِها ومن شرقِها إلى غربِها، وحتى في المدن العصرية الكبرى كالرباط، الدار البيضاء، مراكش، سوس، وُجدة، والريف؛ هناك عددٌ هائلٌ من هذه الكتاتيب مُوَّزعةً بين الأحياء وفي المساجد.

التَّعليمُ في الصِّغَرِ كالنَّقشِ على الحَجَر.

هذه الكتاتيبُ؛ عبارةٌ عن حوانيتَ أو غُرفٍ صغيرةٍ تكون عادة مُلحقةً بالمسجد، حيث يتولى الإمام أو المؤذن تعليم أطفال وشباب الحي، ونُسمِّيهِ في المغرب بـ “الطَّالْبْ” أو “الفقيه” ونقصد به الـمـُعلِّم.  وكلُّ مسجدٍ يستقطب أطفالَ حيِّه، وبالتالي؛ لا يُطرح أبداً مُشكل البُعد أو التنقل أو الاكتظاظ.

 

حصة لتحفيظ القرآن الكريم وتعلُّم قواعِد التجويد للأطفال
حصة لتحفيظ القرآن الكريم وتعلُّم قواعِد التجويد للأطفال

 

وكما جرتْ العادة في المغرب؛ فإن أولياءَ الأمور يُجبرونَ أولادَهم على الذهاب إلى الجامع أو الـمَسِيد (الـمْسِيــد)، وكلُّها أسماءٌ تُطلق على الكُتَّاب. وذلك لأن “المسيد” يُشكِّل النواة الأولى للتعليم الأولى والأساسي في المغرب.

يَعرف “المَسِيد” أو “الكُتَّاب” إقبالاً  كبيراً من طرف الأطفال والشباب؛ بتوجيهٍ من أولياءِ الأمور في العُطلِ وفي رمضان على وجه الخصوص. 

  • تجهيزات الجامع أو المسيد

لا تُوجد تجهيزات تُذكر في هذه الأقسام أو الغُرَف أو الرَّدَهاتِ المفتوحة، فهي مفروشة بالحصير الخشن وبعض الزرابي، وتضُمُّ مرتبةً أو كرسياً مرفوعاً بعض الشيء خاصٍ “للطَّالْبْ” أو “الفقيه” (الـمُعلِّم)؛ حيت يتسنى له مراقبة المتعلمين. ويمتلكُ عصاً طويلةً من القصب؛ يستعملُها في تَنبيه المتعلمين دون أن يضطر للنهوض من كرسيه في كلٍّ مرة.

المسيد“؛ مجهَّزٌ كذلك بسبورة خشبية متواضعة وأحيانا متهالِكة وطباشير، يستعمل “الطَّالْب” أو “الفقيه”  هذه السبورة لتعليم الأطفال حروف الهجاء العربية، ثم التركيب (تركيب الجُمل)؛ ثم الإملاء. وعندما يتمكن الطفل من ضبط اللغة العربية قراءة وكتابة، ويُحسن الخط العربي الجميل، ينتقل إلى جناح الحُفَّاظ، وهو جزء ضمن “المسيد / الكُتَّاب” مخصص للمتعلمين الذين باشرواْ حفظ القرآن. وتتم عملية الحفظ بواسطة ألواح خشبية متوسطة ومصقولة، يُكتب عليها القرآن الكريم بمادة “الصَّمْخ” وهو نوع من المداد الأسود كان ولا يزالُ يُستعمل للكتابة.

 

مُتعلم يكتب آياتٍ من القرآن الكريم على اللوح باستعمال مداد “الصَّمخ” وقلمٍ مصنوعٍ من القصب

يمضي غالبيةُ أطفال المغرب حوالي السنتيْن في “المسيد” (من سن الـ4 إلى الـ6 سنوات). أما الأطفال الذين التحقوا بالتعليم النظامي؛ فإنهم يَعودون إلى “المسيد” في العُطل لإتمام حفظ القران أو مراجعتِه بعد الحفظ.

يقوم برنامج التدريس في “المسيد” على ما يُسمى بــ “الختمة”، حيث  يبدأ المتعلم بجزء “عمَّ” بمعدل ثُمُنٍ أو ثُمُنَيْن يَكتبُه على لوحتِه ويحفظه ويَسْتَظْهِرُه على الفقيه أو “الطالْبْ” فإذا أجازَ حِفظَه، غسَل المتعلِّمُ لوحتَهُ وكتبَ عليها ثُمُنا آخر، وهكذا دواليك إلى أن يُتم ختم القرآن الكريم حِفظاً عن ظهر قلب. ويتوجب على المتعلم إتمام ثلاثِ أو أربع ختماتٍ حتى يضبط المصحف الكريم حِفظاً وخطًّا وشكلاً.

تحتفل الأسَرُ المغربية بأبنائِهم عندما يُتِمُّونَ حفظ كتاب الله تعالى. وتُقام الولائم ويبتهج الجميع بهذا الإنجاز الكبير.

في بعض الجوامِع العتيقة؛ يَحفظ الأطفال واليافعين إلى جانب القرآن الكريم، بعضَ الأحاديث من الصحيحيْن (البخاري ومسلم)، كما يحفظون بعضاً من شِعر المعلَّقات والشعر العربي الفصيح. ويتعلمون عِلم النحو والبلاغة، ويحفظون المنظومات التعليمية كاملة كالدرة اليتيمة أو ألفية ابن مالك في النحو، أو نظم الأجرومية للشنقيطي، بالإضافة إلى منظومات المديح النبوي من قبيل البردة والهمزية، وكتاب الشفا للقاضي عياض؛ والاكتفا للكلاعي و… . فتتقوى لغتُهم العربية ويتشرَّبُ لِسانُهم الفصاحة، وتتفتَّح عقولُهم ببركة القرآن الكريم. فلا يصلون إلى المدرسة النظامية إلا وقد أتقنوا اللغة العربية قراءةً وكتابةً وشكلاً وخطَّاً.

لوحة “المسيد” كُتِبَتْ عليها آيات من القرآن بخط اليد وبـ”الصمخ” الأسود.

الإمكانيات المادية وحدَها؛ لا يُمكنها أن تُحقق الفَرْق؛ إذا لم تكن هناك إرادةٌ جادةٌ للتَّغيير والإصلاح.

  • التكاليف المادية لمؤسسة المسيد

يقوم المسيد بسواعِد أهلِه، ولا يحتاج إلى ميزانية ولا إلى تمويل، ولا يعتمدُ إطلاقاً لا على وزارة الأوقاف ولا على وزارة التربية والتعليم، (باستثناء المدارس العتيقة التي تتبع لوزارة الأوقاف ووزارة التربية) إذ يتكفَّل أهالي الحيّ أو جمعية المسجد بتوفير المسكن للمعلم (الفقيه/ الطالْب). من خلال تبرعات أهل الحي. ويتقاضى “الفقيه” عن كل مُتَعلِّمٍ ما بين نصف دولارٍ إلى دولارين كلّ أسبوع.

يتكفَّل أولياء الأمور بدفعِها. أما أوقات التحفيظ؛ ففي بعض الجوامِع يبدأ التحفيظ مباشرةً بعد صلاة الصبح إلى حدود الثامنة أو التاسعة صباحا. أما الأطفال الصغار فيدرسون مرتيْن في اليوم عدا يوميْ الخميس والجمعة. وبالتالي؛ فإن الجانب المادي على أهميتِه وضرورتِه؛ ليس هو الأساس في العملية التعليمية بـ”المسيد”؛ بل الإرادة والمثابرة والانضباط والصبر.

  • ثَمَرَةُ الكتاتيب في المغرب

على تواضُعِها وقلة إمكانياتِها؛ إلا أن الكتاتيب في المغرب تُمثِّلُ عاملَ قوةٍ في حفظِ وحماية اللغة العربية؛ عن طريق حفظ وحَمْلِ كتاب الله تعالى.


يُختم القرآن في المساجد المغربية مرةً كلَّ شهرٍ؛ من خلال القراءة الجماعية التي تتم في المسجد بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب، هذه العادة الحميدة يحضُرُها كثيرٌ من الناس؛ إما بنية استظهار القرآن خوفاً من نسيانِه، أو بنية حفظه، أو بنية نيل الأجر والمثوبة الإنصات والاستماع.

ولمن لم يسمع بالحزب الراتب عقب صلاتيْ الصبح والمغرب؛ نحيلُه على هذا الرابط


ولا أدل على هذا الاهتمام الكبير بكتاب الله تعالى حفظا ودراسة وتعاهُداً، هيمنةُ المغاربة على مسابقات التجويد وحفظ القرآن عبر العالَم، إذ لا تكاد دولة عربية كانتْ أو إسلامية تُضاهي المغرب في مسابقات حفظ وتجويد القرآن الكريم.

من ثمرات هذه الكتاتيب أيضا، أنها تُعطي دفعة قويةً للتلاميذ في المستويات الأساسية في التعليم النظامي، حيث يجدون الـمُقرَّر المدرسي سهلاً وبسيطاً؛ بخلاف ما اعتادوا عليه من الجد والحزم والانضباط في المسيد، فيحصلون على أعلى الدرجات؛ مما يُعطيهم دفعة معنوية لحصد النقاط والتقدم في الدرجات.

تلِجُ عينة (نموذج) الطفل المغربي الكُتَّاب في سِنِّ الرابعة؛ ويُغادرُه في سنِّ الخامسة وقد حفظ القرآن كمالا أو أجزاءً منه، وتعلَّم المبادئ الأولى للقراءة والكتابة والنحو، ثم يلِج المدرسة النظامية في سنِّ السادسة؛ وهو ممتلِكٌ للمبادئ الأولية للقراءة والكتابة، وزاداً مُهِمّاً من المعجم والسور القرآنية، ونُتَفاً من الشعر والنتر العربي الفصيح. ولا يبلغ المستوى الجامعي؛ إلا وقد ضبط اللغة العربية ضبطاً وافياً وحازَ معها بجدارة واقتدارٍ اللغتيْن الفرنسية والإنجليزية وربما الإسبانية أيضا.

أطفال مغاربة لحظة ولوجِهم الكُتــاب لتحفيظ القرآن

في المقابل يتجه غالبية أولياء الأمور في المشرق العربي كما في المغرب العربي؛ إلى تعليمِ أولادِهم اللغات الأجنبية منذ نعومة أظافرهم ويُهملون اللغة العربية والقرآن الكريم؛ فتنشأ هذه العينة من الأطفال؛ وقد ضيّعوا مرحلة حفظ القرآن؛ ثم يلِجون التعليم الأساسي وهم لا يعرف أبسط أبجديات اللغة العربية؛ وليس معهم أيُّ زادٍ مُعجميّ يَبنون عليه تعلُّمَهم. وعندما يبلغون المستويات المتقدمة من التعليم النظامي؛ يجدون أنفسَهم لا هم يُتقنون اللغة العربية ولا هم ماهرون باللغات الأجنبية.

يستحيلُ أن تكونَ مُلِمًّا باللغة الغربية نحواً وصرفاً وبلاغةً. وأنتَ جاهلٌ للقرآن الكريم.

إلحاقُ الأطفال بالكتاتيبِ؛ تقليدٌ مغربيٌّ قديمٌ جداً، دأبَ عليه المغاربة منذ القِدَم، بل إن المؤسسة الملكية في المغرب أيضا تتبعُ هذا التقليد العريق، فالأمراء يلجون الكُتاب لحفظ القرآن الكريم قبل بلوغ سن السابعة، وهو سن الالتحاق بالمدرسة النظامية في المغرب. بل إن الملك الراحل الحسن الثاني في إحدى خُطبِه؛ صرَّحَ بأن ولوجَ المسيد (الكُتَّابَ) إلزامي للمغاربة وللأمراءَ على حدٍّ سواء، وشرطٌ أساسيٌّ لِولوج المدرسة النظامية.

رابط نص خطاب الملك الراحل الحسن الثاني حولَ أهمية “المسيد”.


  • خلاصة

تجدر الإشارة إلى أن ثقافة الكُتَّاب أو “المسيد” منتشرةٌ كذلك في كلٍّ من تونس والجزائر وموريتانيا، أما قراءة الحزب الراتب فهو تقليد مغربيٌّ جزائري فقط.

يَحتاج المغرب ومعه بقية الدول العربية في المشرق إلى خَلق نواةٍ تعليمية حقيقية؛ تقوم على الإرادة الحقيقية والرغبة الصادقة في تحقيق إقلاع علميّ ومعرفي؛ تكون فيه اللغة العربية المحور والأساس الذي يقوم عليه هذا المشروع. ويكون رأس المال البشري هو الركيزة والأساس وليس الرأسمال المادي. ولقد أثبت الخيارُ الثاني فشلَه، إذ تتوفر دول الخليج على أفضل المؤسسات وأحسن المراكز وأجود المعاهد من حيث البناء والتجهيز والإمكانيات؛ ولكنها تفتقرُ أشدَّ الافتقار إلى من يَشغَلُ فضاءاتِ هذه المؤسسات، مما يضطرُّها إلى استقدامِ الكفاءاتٍ من مُـختلف أصقاع العالَم. لذلك صار من الـمُلِحّ على دول الخليج إعادة النظر في برامِجها التعليمية والإنمائية، والتركيز على بناءِ أساسٍ علميٍّ ومعرفيٍّ يقوم على استثمار القدرات الجبارة للناشئة، من خلال برامِج تُقدِّم المضمون على الكيف، والكفاءات على الإنشاءات. وأن تتحلى بقدرٍ كافٍ من الصبر والمثابرة، وألا تتعجَّلَ النتائج. والأهم من كلٍّ هذا؛ أن تتوفر الإرادة الصادقة والحقيقية لتحقيقِ هذا المشروع القومي المصيري.

بقي أن نشير إلى أن محاولات فرنسة التعليم في المغرب، محاولة قديمة ومتكررة، لكنها تبقى دائما محاولاتٍ فوقية، تهتم بالشكل والقشور وتستهدف النخبة تحديداً، ظاهرُها تعليمي، لكنه غايتَها الحقيقية اقتصادية بحتة. تهدف إلى خلق طبقتيْن مُتمايزتيْن في المغرب، طبقة مُهيمنة، حاكمة ومسيطرة، تابعة للوبي الفرنسي في البلاد، تخدمُ مصالِحها ومصالِحَه وتضمن استمرارَهما.

وطبقةٍ مُتعلمة إلى الحدودٍ التي تنفي عنها الجهل ولا تُبلِّغُها طموحاتِها العلمية والاقتصادية، طبقة تصلُح لأن تكون قوة عاملة متعلِّمة للدرجة التي يمكنها أن تُدير دواليب اقتصاد الطبقة الأولى وتنميَّتِه وفقط.

أما اللغة العربية، فإنها تستمد قوتها مما يراه البعض ضعفا، وهو الفقر والقُرى والنطاقات الهامشية، النائية والمعزولة، هناك؛ تُفرِّخ العربية وتشِبُّ وتتقوى وتبرُز للعالم، صافية نقية مُبينة؛ مُهيمنة.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!