
صدر حديثا لثُلّة من الأساتذة والباحثين مؤلَّفٌ، علميٌّ جماعيٌّ مُحكَّم، يضم باقة منتقاة من الأبحاث التي قُدِّمت في إطار الندوة الدولية الأولى حول الترجمة واللسانيات، التي احتضنها معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بـ جامعة محمد الخامس بالرباط، يومي 8 و9 أكتوبر 2025.
ويأتي هذا الإصدار العلمي تتويجا لمسار بحثي منتظم ينهض به مختبر اللسانيات والتهيئة اللغوية والاصطلاح، في سياق سعيه إلى ترسيخ البحث اللساني في امتداداته النظرية والتطبيقية، وتعميق التفكير العلمي في قضايا الترجمة بوصفها ممارسة معرفية وثقافية مركَّبة.
يندرج هذا المؤلَّف ضمن سياق علمي يتسم بتكثيف مساءلة الترجمة من زوايا متعددة، حيث سعت الندوة، ومن خلال هذا العمل الجماعي، إلى تفكيك سؤال إشكالي ظل يؤرِّق دراسات الترجمة الحديثة ويُعاد طرحه بإلحاح متزايد خلال العقود الأخيرة، وهو: هل الترجمة بين اللغات ممكنة؟
وهو سؤال لا يُفهم هنا باعتباره استفهاما إجرائيا بسيطا، بل بوصفه إشكالا إبستمولوجيا يمسّ طبيعة اللغة ذاتها، وحدود المعنى، وإمكانات الانتقال الدلالي والثقافي بين أنساق لغوية متباينة.
يفتح هذا السؤال المجال أمام إشكالات مركَّبة تتصل بقدرة اللغات على استيعاب بعضها البعض عبر الترجمة، وبحدود مسؤولية المترجم في مختلف مراحل الفعل الترجمي، بدءا من الفهم والتأويل، مرورا بالاختيار المعجمي والدلالي، وانتهاء بصياغة نص قابل للتداول داخل أفق ثقافي جديد. وفي هذا السياق، تغدو الترجمة فعلا معرفيا محفوفا بتوترات لغوية وسياقية، تتقاطع فيه رهانات الدقة الدلالية مع إكراهات السياق والتاريخ والثقافة.
ويبرز هذا التعقيد بجلاء في ما أشار إليه Jean Delisle (2021)، نقلا عن George Steiner، حين أكَّد أن «كل كلمة ما هي إلا توقّف مؤقّت لأصداء تاريخها السابق كله». فالكلمة، بهذا المعنى، ليست وحدة لغوية معزولة، بل هي كثافة تاريخية وثقافية، تجعل من فعل الترجمة انتقالا بين طبقات زمنية ودلالية، لا مجرد إحلال لفظي بين لغتين.
وفي سياق مقاربة الممارسة الترجمية، يستحضر المؤلَّف التقسيم النظري الكلاسيكي بين الترجمة الهدفية (Target / Cibliste) والترجمة المصدرية (Source / Sourcier). فبينما تُعلي المقاربة الهدفية من شأن اللغة الهدف وتسعى إلى استيعاب النص المنقول داخل بنياتها التداولية والثقافية، تلتزم المقاربة المصدرية بالحرفية والوفاء لبنية اللغة المصدر. غير أن هذا التقابل، كما تُبيِّن الدراسات الواردة في هذا العمل، لا ينفصل عن رهانات أعمق تتعلق بعلاقات القوة والهيمنة الثقافية والسياسية التي طبعت تاريخ الترجمة عبر العصور.
وفي هذا الإطار، تستعيد بعض الأبحاث أطروحات نقدية حديثة تربط بين الترجمة ومفاهيم العنف الرمزي، كما عند Tiphaine Samoyault، مقابل تصورات أخرى ترى في الترجمة فعل تفاوض ثقافي تحكمه معايير التواصل والتكافؤ الدلالي، كما نجد لدى Eugene Nida، وUmberto Eco، وMona Baker. ويُظهر هذا التعدد النظري أن الترجمة لا تختزل في خيار منهجي واحد، بل تتأرجح بين الوفاء للمعنى والانفتاح على شروط التلقي، في توازن دقيق بين اللغة والثقافة.
وعليه، فإن هذا المؤلَّف لا يقدّم إجابات نهائية بقدر ما يفتح أفقا علميا رحبا لمساءلة الترجمة في تقاطعها مع اللسانيات، ويؤكد أن الترجمة، في جوهرها، ممارسة معرفية مركَّبة، تتجاوز التقابل الثنائي بين المصدر والهدف، لتغدو فعلا تأويليا مشروطا بالتاريخ والثقافة واللغة معا.
- قراءة واصفة لبعض الدراسات المُضمَّنة في الكتاب
الترجمة من برج بابل إلى كونية الإبداع
للدكتورة: حكيمة خمار
جامعة محمد الخامس – كلية الآداب والعلوم الإنسانية
تندرج دراسة «الترجمة من برج بابل إلى كونية الإبداع» ضمن المقاربات الفكرية التي تسعى إلى إعادة مساءلة الترجمة خارج أفقها الأداتي الضيق، والانتقال بها من كونها مجرد تقنية لغوية إلى اعتبارها فعلا وجوديا ومعرفيا يؤسس للتواصل الإنساني العميق. وتنطلق الدراسة من رمزٍ مركزي كثيف الدلالة، هو أسطورة برج بابل، لا بوصفها حكاية لغوية عن التشتت فحسب، بل باعتبارها تمثيلا فلسفيا لأزمة التواصل الإنساني وحدود الفهم بين الذوات والثقافات.
من هذا المنطلق، تُعيد الباحثة توجيه سؤال الترجمة من هل الترجمة ممكنة؟ إلى كيف يمكن للترجمة أن تتحول من مأزق لغوي إلى أفق إبداعي كوني؟، وهو انتقال دلالي عميق يُعد من أبرز نقاط القوة في هذه الدراسة.
- الترجمة بوصفها ممارسة وجودية لا تقنية لغوية:
تقوم الدراسة على أطروحة مركزية مفادها أن الترجمة ليست تعويضا عن نقص في الفهم، ولا ممارسة آلية لنقل المعنى، بل هي ممارسة وجودية تتأسس على تفكيك مستمر لحدود اللغة، وإعادة فتح المعنى على إمكاناته غير المكتملة. فاللغة، في تصور الباحثة، لم تعد مجرد أداة تواصل بسيط، بل فضاء لصراع المعنى والتأويل، وهو ما يجعل الترجمة فعلا إبداعيا يشتغل في منطقة التوتر بين الدلالة والسياق، وبين التاريخ والراهن.
وتبرز الدراسة وعيا نظريا دقيقا حين تؤكد أن الترجمة لا تستعيد المعنى بوصفه معطى جاهزا، بل تعيد إنتاجه داخل أفق ثقافي جديد، وفق شروط اللغة الهدف وانتظارات قارئها، دون أن يعني ذلك محو أثر اللغة المصدر أو اختراقها اختراقا كليا.
- 2. من برج بابل إلى أفق الكونية: قلب الإشكال:
تعيد الدراسة تأويل رمز برج بابل، ليس باعتباره علامة على استحالة التواصل، بل بوصفه بداية وعي إنساني بتعدد اللغات والثقافات. فإذا كان البرج يرمز إلى التشتت اللغوي والانقسام البشري، فإن الترجمة – في منظور الباحثة – تمثل الجسر الممكن الذي ينقل الإنسانية من حالة الفقدان إلى أفق الإمكان.
وتؤكد الدراسة أن الترجمة لا تُلغي التعدد، ولا تسعى إلى توحيد اللغات قسرا، بل تعمل داخل المسافة الفاصلة بينها، محوِّلة هذا الفراغ إلى مساحة للتلاقح والتفاعل والإبداع. ومن هنا تتبلور فكرة كونية الإبداع، حيث تغدو الترجمة ممارسة ثقافية تُنتج معنى جديدا، لا مجرد صدى للمعنى الأصلي.
- 3. الترجمة بين الهيمنة والحوار الثقافي:
تُظهر الدراسة وعيا نقديا حادا بالإشكالات الإيديولوجية التي تحيط بالممارسة الترجمية، خاصة تلك المرتبطة بعلاقات القوة بين اللغات والثقافات. فالتقسيم الكلاسيكي بين الترجمة المصدرية والهدفية لا يُطرح هنا بوصفه خيارا تقنيا، بل كجزء من تاريخ طويل من الهيمنة الرمزية.
غير أن الباحثة لا تسقط في الطرح التبسيطي الذي يختزل الترجمة في العنف الثقافي، بل تدافع عن تصور بديل يجعل منها حدثا تواصليا مفتوحا، لا ينتمي إلى ضفة واحدة، ولا يخضع لسلطة لغة بعينها. فالترجمة، وفق هذا التصور، لا تنتمي إلى اللغة المصدر ولا إلى اللغة الهدف، بل تسكن المسافة الفاصلة بينهما.
- 4. القيمة العلمية للدراسة داخل المؤلف:
تكتسي هذه الدراسة أهمية خاصة داخل المؤلف الجماعي، لكونها:
- تُقدّم إطارا فلسفيا ونظريا يفتح النقاش حول الترجمة خارج التصنيفات التقنية.
- تُعيد الاعتبار للبعد الإنساني والإبداعي في الفعل الترجمي.
- تُسهم في ربط دراسات الترجمة بأسئلة الوجود، والاختلاف، والكونية الثقافية.
- تُثري النقاش اللساني العربي بمقاربة تأويلية عميقة، بعيدة عن النقل النظري الجاهز.
وتمثل دراسة «الترجمة من برج بابل إلى كونية الإبداع» إضافة نوعية في حقل دراسات الترجمة، إذ تنجح في تحويل مأزق التعدد اللغوي من عائق معرفي إلى أفق إبداعي مفتوح، وتعيد بناء الترجمة بوصفها جسرا حيا بين التجارب الإنسانية المختلفة، لا مجرد وسيلة لنقل الكلمات بين اللغات.
للاطلاع على الأرشيف البحثي للدكتورة حكيمة خمار
الترجمة الأدبية: مفاهيم وإشكالات
للدكتور: سعيد الحنصالي
جامعة محمد الخامس – معهد الدراسات والأبحاث للتعريب
تندرج دراسة «الترجمة الأدبية: مفاهيم وإشكالات» ضمن الحقول التي تعيد التفكير في الترجمة الأدبية بوصفها ممارسة معرفية وجمالية معقّدة، تختلف في طبيعتها ومقتضياتها عن الترجمة التقنية أو العلمية. وتنطلق الدراسة من مسلّمة أساسية مفادها أن النص الأدبي لا يُختزل في محتواه الدلالي الظاهر، بل يتأسس على شبكة كثيفة من القيم البلاغية والأسلوبية والثقافية، تجعل من نقله إلى لغة أخرى فعلا تأويليا بامتياز.
في هذا السياق، تطرح الدراسة إشكال الترجمة الأدبية بوصفه إشكالا متعدد الأبعاد، يتقاطع فيه اللغوي بالمعرفي، والجمالي بالثقافي، وهو ما يمنحها موقعا مركزيا داخل النقاشات المعاصرة في دراسات الترجمة.
- 1. الترجمة الأدبية بين الدلالة والجمالية:
تُبرز الدراسة بوضوح أن التحدي الأكبر في الترجمة الأدبية لا يكمن في نقل المعنى المعجمي، بل في إعادة إنتاج الأثر الأدبي للنص الأصلي داخل سياق لغوي وثقافي جديد. فالإيقاع، والتكثيف الأسلوبي، والاقتصاد اللغوي، والانزياحات البلاغية، عناصر لا تقبل النقل الحرفي دون أن تفقد جزءا من فاعليتها الجمالية.
ومن هذا المنظور، تُظهر الدراسة وعيا نقديا بإشكالية الجمل المكثفة المشحونة بالدلالة، والتي قد تفقد توترها الأسلوبي إذا عولجت ترجميا بشكل حرفي أو عبر الشرح المفرط. وهنا تتبدى الترجمة الأدبية باعتبارها موازنة دقيقة بين الحفاظ على روح النص الأصلي وضمان انخراطه السلس في نظام اللغة الهدف.
- 2. الترجمة كفعل تأويلي:
لا تتعامل الدراسة مع الترجمة بوصفها عملية محايدة، بل باعتبارها فعلا معرفيا يتطلب اتخاذ موقف تأويلي من النص. فالمترجم، في هذا التصور، لا يقف خارج النص، بل ينخرط في بنيته الدلالية، ويعيد تأويل علاماته في ضوء خلفياته المعرفية والثقافية، وفي ضوء السياق التداولي للغة الهدف.
وتُبرز الدراسة أن هذا البعد التأويلي يطرح أسئلة دقيقة حول:
- كيفية فهم العلامات النصية،
- وحدود الاختلاف في الحمولات التأويلية بين الثقافات،
- وإمكان تباين القراءات الناتجة عن اختلاف الأفقين الثقافيين للمصدر والهدف.
3. المرجعيات الضمنية وإشكال التعويض:
تولي الدراسة اهتماما خاصا بما يمكن تسميته المرجعيات الثقافية الضمنية، أي تلك العناصر غير المصرّح بها صراحة في النص، لكنها تشكّل جزءا أساسيا من بنيته الدلالية. وهنا يبرز دور المترجم في تفكيك هذه المرجعيات ونقلها، إما عبر التفسير، أو عبر التعويض الثقافي، بما يراعي السياق التداولي للغة الهدف دون الإخلال بعمق النص.
وفي هذا الإطار، تبتعد الدراسة عن اختزال المترجم في دور الوسيط اللغوي، لتقدّمه باعتباره فاعلا ثقافيا يُعيد إنتاج النص داخل شبكة من الرموز والمعاني التي قد لا تكون قابلة للترجمة الحرفية.
- 4. معايير نجاح الترجمة الأدبية:
تخلص الدراسة إلى أن نجاح الترجمة الأدبية لا يُقاس بمدى الأمانة الشكلية للنص الأصلي، بل بقدرة النص المترجَم على إعادة إنتاج التأثير البلاغي والمعرفي الذي أحدثه النص المصدر في سياقه الأصلي. وهذا التصور يعيد تعريف مفهوم الأمانة، من كونه تطابقا لغويا، إلى كونه وفاء للأثر والدلالة والوظيفة الجمالية.
5. القيمة العلمية للدراسة:
تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة داخل المؤلف الجماعي، لكونها:
- تُقدّم تأطيرا مفهوميا دقيقا للترجمة الأدبية.
- تُبرز خصوصية النص الأدبي داخل دراسات الترجمة.
- تُسهم في توسيع النقاش حول العلاقة بين الترجمة والتأويل والثقافة.
- تُغني المكتبة العربية بمقاربة متوازنة تجمع بين التحليل النظري والحسّ التطبيقي.
وتمثل دراسة «الترجمة الأدبية: مفاهيم وإشكالات» إسهاما علميا رصينا في فهم تعقيدات الترجمة الأدبية، حيث تنجح في إبرازها بوصفها ممارسة معرفية وجمالية مركّبة، تتجاوز حدود النقل اللغوي إلى إعادة بناء النص داخل أفق ثقافي جديد، دون تفريط في عمقه أو أثره.
للاطلاع على الأرشيف البحثي للدكتور: سعيد الحنصالي
تكشف القراءتان الواصفتان للدراستين، على اختلاف زاويتي اشتغالهما، عن وحدةٍ عميقة في الرؤية التي يؤسس لها هذا المؤلف الجماعي المحكَّم، حيث تُقارب الترجمة لا بوصفها فعلا لغويا تقنيا، بل ممارسة معرفية وثقافية مركّبة.
فبينما تنفتح دراسة الدكتورة حكيمة خمار على الأفق الفلسفي والإنساني للترجمة، بوصفها تجاوزا لمأزق التعدد اللغوي نحو كونية الإبداع، تُركّز دراسة الدكتور سعيد الحنصالي على البعد الجمالي والتأويلي للترجمة الأدبية، باعتبارها اختبارا دقيقا لقدرة اللغة على إعادة إنتاج الأثر والمعنى داخل سياق ثقافي مغاير. ويُظهر هذا التكامل أن الترجمة، في عمقها، فعل تفكير في اللغة، وفي المعنى، وفي العلاقة بين الذات والآخر.
لا تقتصر أهمية هذا المؤلف (الجماعي) على هاتين الدراستيْن فحسب، بل تتعزّز بقيمته العلمية الشاملة، إذ يضم ستّ عشرة (16) دراسة محكَّمة باللغة العربية، وعشر (10) دراسات محكَّمة باللغة الفرنسية، أنجزها ثلّة من الأساتذة والباحثين المتميّزين في مجالات اللسانيات، والدراسات اللغوية، والمعجمية، ودراسات الترجمة، داخل الجامعة المغربية. ويعكس هذا التعدّد اللغوي والمنهجي انخراطا واعيا في النقاشات العلمية الراهنة، وسعيا إلى بناء معرفة ترجمية رصينة تنفتح على تعدّد المرجعيات دون تفريط في الصرامة الأكاديمية.
وعليه، يقدّم هذا الكتاب الجماعي إضافة نوعية للمكتبة اللسانية والترجمية العربية، ليس فقط من حيث تنوّع موضوعاته ومقارباته، بل أيضا من حيث قدرته على تأطير سؤال الترجمة داخل أفق علمي نقدي، يجعل منها مجالا للتفكير المتجدد في اللغة، والمعرفة، والتواصل الإنساني، ويؤكد المكانة المتقدمة التي تحتلها الجامعة المغربية، ممثَّلة في جامعة محمد الخامس ومؤسساتها البحثية، في تطوير البحث اللساني والترجمي عربيا ودوليا.
تقدّم هذه القراءة المقتضَبة؛ توصيفا تحليليا عاما للمؤلَّف، ولا تُغني عن الرجوع إلى موادّه العلمية المُحكَّمة، والاطلاع على بنائها الحجاجي وتفاصيلها المفهومية كما صاغها الأساتذة الباحثون.