نظرية النحو الوظيفي ونموذج مستعمل اللغة الطبيعية

دراسة أكاديمية للكفايات اللغوية والتداولية

يمكن أن نؤرخ للانطلاقة الأولى للنحو الوظيفي من خلال الانتقاد الذي وجّهه سيمون ديك (1968) للتحليل الذي قدّمه النموذج المعياري للبنيات العطفية، وهو انتقاد يكشف عن قصور هذا النموذج وعدم كفايته في تقديم تحليلات وافية لبعض الأنماط الجملية.

وتجاوزًا لهذا القصور قدّم ديك، وخاصة في (1978) و(1989)، طرحًا بديلًا يتوخّى تقديم تحليل كافٍ لمجمل الظواهر اللغوية.

إذا كانت كل نظرية تؤسس نفسها انطلاقًا من حصرها لأوجه التقاطع وأوجه التماثل بينها وبين النحو التوليدي التحويلي، فإن النحو الوظيفي هو أيضًا، وخاصة مع ديك (1978)، قد حرص على الإيضاح ما يجعله متميّزًا عن النحو التوليدي التحويلي.

يتكشف هذا التمايز من خلال اختلاف الإجابات عن أهم المساءلات اللغوية المعاصرة، والتي أوجزها ديك (1978–1989) فيما يلي:

1 – تحديد اللغة:

يعتبر النحو التوليدي التحويلي اللغة عبارة عن مجموعة من الجمل اللغوية التي تنحصر وظيفتها في التعبير عن الفكر، في حين يقدّم النحو الوظيفي تعريفًا أشمل للغة بوصفها أداة للتفاعل الاجتماعي، ومن ثَمّ تكون وظيفتها الاجتماعية هي التواصل بأوسع معانيه.

2 – حول ثنائية قدرة – إنجاز:

القدرة في عرف النحو التوليدي التحويلي هي مهارة المتكلم التي تخوّله إنتاج وتأويل الجمل والحكم على نحويتها أو لا نحويتها. إلا أن النحو الوظيفي يتجاوز هذا التعريف الضيق ليلحّ على أن القدرة لا يمكن تحديدها إلا في إطار تواصلي، وذلك انسجامًا مع الوظيفة الأولية للغة.

هكذا تكون القدرة هي القدرة التواصلية، أي قدرة المتكلم على التفاعل الاجتماعي عبر توسّل اللغة، وبذلك يعتبر أن دراسة النسق اللغوي لا يمكن أن تتم إلا في إطار تصور عام حول نسق الاستعمال اللغوي لوجود تماسّ وانصهار بينهما.

يقول ديك (1980: 1):

“يتأسس النحو الوظيفي على منظور وظيفي لطبيعة اللغة الطبيعية، وهو منظور يعتبر اللغة الطبيعية في المقام الأول أداة للتفاعل الاجتماعي بواسطتها يمكن للكائنات الإنسانية أن تتواصل (وأن تؤثر في بعضها البعض)… رغم أن النظرية الوظيفية للغة يمكن أن تميز بين نسق اللغة واستعمالها، فإنها تتجنب دراسة إحداهما في غياب الأخرى: [إنها] تهتم بالتعالق بين النص واستعمالاته الممكنة.”

وهذا يخالف النحو التوليدي التحويلي الذي يعتبر، من جهة، أن هناك استقلالًا بين وصف اللغة والأوضاع التي تُنجز فيها، ويركّز من جهة أخرى على أن دراسة القدرة لها أسبقية منطقية ومنهجية على دراسة الإنجاز.

3 – الاكتساب اللغوي والكليات اللغوية:

درج النحو التوليدي التحويلي على اعتبار أن الطفل يكتسب اللغة من محيطه اللغوي غير المتجانس وغير المثالي، عبر توسّله للخصائص الفطرية الموجودة في دماغه. يرتبط هذا الاعتبار بالقول بفطرية الكليات اللغوية.

أما بالنسبة للطرح الوظيفي، فإن الاكتساب اللغوي يتم عبر سلسلة من الاكتشافات التي يقوم بها الطفل، ليؤسس في النهاية نسق لغته الأم. بذلك تتحدد الكليات اللغوية وفقًا لهذا المنظور من خلال:

4 – العلاقة بين التركيب والدلالة والتداول:

يلحّ تشومسكي في العديد من أعماله على استقلال التركيب، في حين يقدّم النحو الوظيفي نفسه بوصفه دراسة للتركيب والدلالة من منظور تداولي، وذلك سعيًا إلى تحقيق ثلاثة أنواع من الكفاية:

عبر وصفه للخصائص البنيوية للغات الطبيعية من منظور وظيفي. يقول ديك (1977: 26):

“تُعتبر نظرية ما لقسم من التراكيب كافية نمطيًا، في حدود سماحها بوصف التراكيب الملائمة في لغات متباينة الاختلاف نمطيًا، وذلك بواسطة نفس المبادئ الأساسية بدون أن تنحاز للغات ذات نمط خاص.”

وذلك بحرصه على مطابقة النماذج النفسية للقدرة اللغوية والسلوك اللغوي. تندرج النماذج النفسية ضمن نماذج الإنتاج التي تحدد الكيفية التي يصوغ بها المتكلم العبارات اللغوية، ونماذج الفهم التي تضبط الكيفية التي يؤوّل بها السامع هذه العبارات اللغوية.

يقول المتوكل (1986: 10):

“في إطار السعي إلى تحقيق الكفاية النفسية، يحاول النحو الوظيفي أن يكون قدر الإمكان مطابقًا للنماذج النفسية سواء منها نماذج الإنتاج أو نماذج الفهم.”

بتحديده للقدرة التداولية، إذ قدرة المتكلم هي قدرته على فهم القواعد التداولية المتحكمة في إنتاج أنماط جملية تتنوع بتنوع أنماط المقامات، وبتركيزه على كيفية توظيف هذه القدرة في عملية التفاعل الاجتماعي.

يقول ديك (1977: 26):

“يُعتبر النحو كافيًا تداوليًا في حدود كشفه لخصائص العبارات اللغوية الملائمة للكيفية التي استُعملت بها، وذلك بشكل تترابط فيه هذه الخصائص والقواعد المتحكمة في التفاعل الكلامي.”

ينص ديك (1989: 12) على أنه لتحقيق الكفاية التداولية، ينبغي وضع النحو الوظيفي ضمن نظرية أوسع للتفاعل الكلامي، التي هي مكوّن من مكونات نظرية مستعمل اللغة الطبيعية (ن م ل ط).

تشكل هذه الاختلافات في نوع الإجابات نقاط التمايز التي تفصل النموذج الوظيفي عن النموذج غير الوظيفي. تحدد هذه الإجابات الفرضيات الأساسية التي ينطلق منها كل نموذج، والتي تشكل فلسفته الخاصة.

يرتبط تحقيق الأنواع الثلاثة من الكفايات (الكفاية التداولية – الكفاية النفسية – الكفاية النمطية) بالجهد الذي تبذله الأنحاء للابتعاد عن الحسية المفرطة أو التجريد الزائد. لتفادي النقيصة الأخيرة يضع النحو الوظيفي جملة من القيود، يجملها سيمون ديك (1989) كالتالي:

1 – تجنب التحويلات، أي العمليات المغيّرة للبنية عبر نزع أو استبدال أو إبدال.

2 – تفادي آليات التصفية، أي استراتيجيات الوصف التي تعمد بعد تخصيصها للعبارات اللغوية المتواجدة داخل عبارات لغوية أخرى إلى حذف كل ما ليس له علاقة بالعبارات اللغوية المخصصة.

3 – تجنب المحمولات الدلالية المجردة، أي تحليل الزمر المعجمية بتوسّل مجموعة مستقلة من المحمولات الدلالية التوليدية، مثلًا:

1 – قتل (ص) = سبب (ص) جعل غير حي (ي)).

حيث تنتمي الكلمات المكتوبة بخط غليظ إلى مجموعة المحمولات الدلالية المجردة المستقلة عن اللغات.

لضبط الخصائص الصورية والدلالية للعبارات اللغوية، يلزم النحو الوظيفي الانطلاق من البنية التحتية للجملة، وهي عبارة عن بنية مجردة ومعقدة تضم مستويات التنظيم الدلالي والصوري. تتحدد هذه المستويات وفقًا للصورة التالية التي يصوغها ديك (1989: 46):

2 – الجملة: “فعل كلامي”
قضية: “معطى ممكن”
الحمل: واقعة
المحمول: خاصية – علاقة
مطبّق على الحدود: وحدة – وحدات

تجسّد هذه الصورة سيرورة بناء تراكيب البنية التحتية التي نباشرها بانتقاء المحمول (المحدّد لخاصية أو علاقة) وتطبيقه على عدد محدد من الحدود (التي تشير إلى الوحدات). للإيضاح، يمكن توسّل المثال التالي:

3 – مض وهب ف
(س1: أحمد (س1)).
(س2: عمر (س2)).
(س3: كتابًا (س3)).

ينتج عن المحمول مطبّقًا على عدد مناسب من الحدود حملٌ. يعبّر الحمل عن الواقعة التي تشكل تصورًا لشيء يمكن أن يكون على ما هو عليه في عالم معين، سواء أكان هذا العالم واقعًا أو ممكنًا. بهذا تجسّد الواقعة “العالم الذهني” للمتكلم والسامع. إذ كل ما يجوز وروده في عالم معين، وكل ما نمنحه زمانًا ومكانًا محددين، يعتبر واقعة.

في إطار الحمل يميّز ديك (1989: 47) بين الحمل القالب matrix predication والحمل المدمج embedded predication. لإيضاح هذا التمييز نسوق الجملة التالية:

4 – رأت هند أحمد يعطي عمرًا كتابًا.

التي يمكن تمثيلها في 4 ب:

4 ب مض [ رأى (هند) (ع أ) ].
ع أ: مض [ أعطى (أحمد) (عمر) (كتاب) ].

إن الحمل المدمج هو ما يمكن أن يحتل موقعًا من مواقع موضوعات الحمل العلوي higher predication، في حين أن الحمل القالب هو هذا الحمل العلوي ذاته. يمكن إيضاح هذا في الخطاطة التالية:

5 – مض [رأى (هند) ع أ].
حمل قالب

ع أ : مض [[(أعطى (أحمد) (عمر) (كتابًا)].
حمل مدمج

على اعتبار أن (ع) احتلت موقع الموضوع الثاني للمحمول “رأى”. بهذا التخصيص يميّز ديك (1989: 48) بين الحمل (المعبّر عن واقعة) والقضية التي تختلف دلالياتها عن دلاليات الحمل، رغم تشاكل خصائصها الصورية، من منطلق أن ما يعبّر عن اعتقاد ليس واقعة وإنما هو “قضية” أو “محتوى قضوي” أو معطى ممكن possible fact. يتضمن هذا التحديد خضوع القضية لمعيار الصحة والخطأ، على النقيض من الواقعة التي لا نخضعها لهذا المعيار، فـ(6) تعبر عن قضية لا واقعة.

مثال على القضية:

6 – اعتقدت هند أن أحمد أعطى عمرًا كتابًا.

ويمكن تمثيلها بالشكل التالي:

7 – مض [اعتقد (هند) (ص أ)].
ص أ : مض [(أعطى) (أحمد) (عمرًا) (كتابًا)].

حيث تعبر (ص أ) عن القضية المدمجة.

تواكب القضية قوة إنجازية تحدد طبيعتها: هل هي إخبار أم استفهام أم أمر. للتعبير عن هذه القوة الإنجازية يتوسل النحو الوظيفي وسائل نحوية ينعتها بـ”عوامل إنجازية” illocutionary operators. نمثل لها وفق الصورة التالية:

8 – خب (ص أ).
ص أ : مض [[أعطى) (أحمد) (عمر) (كتابًا)]].

يتبين مما أوردناه أن النحو الوظيفي يراعي في تحليله للبنية التحتية للجمل التراتبية التالية:

9 –
المستوى 1: المحمولات والحدود
المستوى 2: الحمل
المستوى 3: القضية
المستوى 4: الفعل الكلامي

ترتبط بهذه المستويات متغيرات تدل على كل ما تشير إليه العناصر البنيوية لمختلف المستويات. يصوغ ديك (1989: 50) أنماط المتغيرات هذه وفق الصورة التالية:

10 –

الوحدة البنيوية | نمط الوحدة | الرتبة | المتغير
الجملة | فعل كلامي | 4 | ع أ، ع ب …
القضية | معطى ممكن | 3 | ص أ، ص ب، …
الحمل | واقعة | 2 | ح أ، ح ب، …
المحمول | خاصية – علاقة | 1 | ف أ، ف ب، …

المحمولات في النحو الوظيفي

ينطلق النحو الوظيفي في تحليله للعبارات اللغوية من بناء الحمول، استنادًا على الأساس fund الذي يضم المحمولات والحدود. يصوغ ديك (1989: 54) بخصوص المحمولات الفرضيات التالية:

تمثيلًا للإطار الحملي يقدّم المتوكل (1986: 11) الإطار الحملي للفعل “شرب” والإطار الحملي للصفة “فرح”، وذلك في 12 أ و12 ب على التوالي:

12 – أ – شرب (س1: حي (س1)) منف (س2: مشروب (س2)) متق.
ب – فرح ص (س1: حي (س1)).

يرتبط الإطار الأصلي في المعجم بعدد من مسلمات المعنى meaning postulates تربط المحمول إلى غيره من المحمولات في اللغة. تصبح مسلمات المعنى هاته “تحديدات” المعنى meaning definitions، إذا استُعملت في عملية تخصيص معنى المحمولات. أما المحمولات المشتقة، فيتم تخصيصها في قاعدة تكوين المحمولات نفسها.

ينعت ديك (1989: 57) الشكل (14) بـ”حمل مدمج”، ويتم تخصيص هذا الحمل بتوسّل نمطين من العناصر، هي:

بإضافة هذه التخصيصات (أي عوامل الحمل ولواحقه ذات المستوى الثاني 2) ننتقل إلى الحمل الموسّع extended predication الذي يصوغه ديك (1989: 57) كالتالي:

15 – Π-;—;–2 ع أ : [[حمل مركزي]] (σ-;—;–2)] (ع أ).

حيث يرمز Π-;—;–2 إلى عامل (أو عوامل) الحمل، ويرمز σ-;—;–2 إلى لواحق المستوى 2.

مثال:

المحمولات المشتقة والحدود في النحو الوظيفي

الحدود

يخضع ديك (1989: 55) الحدود للفرضيات الأساسية التالية:

13 – Ω-;—;– س أ Ф-;—;– (س أ): Ф-;—;–2 (س أ): … : Ф-;—;–ن (س أ).

حيث Ω-;—;– (س أ) = “حمل مفتوح في س أ” يعمل مقيّدًا لقيم س أ الممكنة.

إذن، لبناء الحمول ننطلق من الأساس الذي يضم محمولات وحدود. يقدّم المحمول في صورة إطار حملي يضم محمولًا وعددًا من الموضوعات. عند ملء مواقع هذه الموضوعات نحصل على حمل نووي.

نخصص هذا الحمل بإضافة عوامل ولواحق المستوى 1، حيث تخصص عوامل المحمول (تام – غير تام …) التنظيم الزمني الداخلي للواقعة، في حين تخصص لواحقه الكيفية والأداة…

بإضافة عوامل المحمول ولواحقه (المنتمية إلى المستوى 1) إلى الحمل النووي نحصل على حمل مركزي الذي يمثله ديك (1989: 57) كالتالي:

14 – ع أ : [حمل مركزي] (ع أ).

الحمل المدمج والحمل الموسع

ينعت ديك (1989: 57) الشكل (14) بـ”حمل مدمج”، ويتم تخصيص هذا الحمل بتوسّل نمطين من العناصر، هي:

بإضافة هذه التخصيصات (أي عوامل الحمل ولواحقه ذات المستوى الثاني 2) ننتقل إلى الحمل الموسّع extended predication الذي يصوغه ديك (1989: 57) كالتالي:

15 – Π-;—;–2 ع أ : [[حمل مركزي]] (σ-;—;–2)] (ع أ).

حيث يرمز Π-;—;–2 إلى عامل (أو عوامل) الحمل، ويرمز σ-;—;–2 إلى لواحق المستوى 2.

مثال:

المستوى الثاني: الحمل الموسع والوظائف الوجهية

16 – أ – مم مض ع أ : [[أرضع (الأم) )(الطفل)]] (ع أ)
ب – أرضعت الأم الطفل.

يتم في المستوى 2 (مستوى الحمل الموسع) إسناد الوظائف الوجهية، أو ما ينعته ديك (1989: 58) أيضًا بالوظائف التقديمية presentative functions. تحدد هذه الوظائف الوجهة المنطلق منها في تقديم الواقعة التي يعبر عنها الحمل.

لهذا فهي تقوم بدورها في دلاليات العبارات اللغوية. يشكل الفاعل “المنظور الرئيسي”، في حين يشكل المفعول “المنظور الثانوي”.

يتحدد المنظور الرئيسي في موضوع 1 أو موضوع 2 أو موضوع 3، وذلك حسب الرسم التالي الذي يصوغه ديك (1989: 212):

17 – ص ←-;—;– ـ ـ ـ ـ س ←-;—;– ـ ـ ـ ←-;—;–

للإيضاح نسوق المثال التالي:

18 – شرب ←-;—;– ـ ـ ـ الطفل ←-;—;– ـ ـ ـ ←-;—;– اللبن.

حيث يشكل “الطفل” المنظور الأول، في حين يشكل “اللبن” المنظور الثاني.

عند تخصيص الحمل الموسع بتعيين الوجهة نحصل على “القضية” أو “البنية القضوية”، التي يقدمها ديك (1989: 58) كالتالي:

توسيع البنيات القضوية والقضية الموسعة

19 – ص أ: [حمل موسع] (ص أ).
حيث ص أ: متغير و [حمل موسع]: معطى ممكن.

يتم توسيع البنيات القضوية باعتماد نمطين من العناصر:

1 – عوامل القضية proposition operator: تنحصر في الوسائل النحوية التي يتوسلها المتكلم للتعبير عن تقديره الخاص أو موقفه الشخصي تجاه المحتوى القضوي. تربط هذه العوامل محتوى القضية بالعالم الذاتي للمتكلم.

2 – لواحق المستوى 2: هي وسائل معجمية تخصص تقدير المتكلم أو موقفه من القضية، مثلًا: “في رأيي” في ج (20):

20 – في رأيي، علي منافق.

تضبط القيمة التي يخولها المتكلم للمحتوى القضوي.

بتخصيص عوامل القضية ولواحقها ننتقل إلى “القضية الموسعة” extended proposition، التي يصوغها ديك (1989: 59) كالتالي:

Π-;—;–3 ص أ : [[حمل موسع] (σ-;—;–3) [(ص أ)]].

حيث Π-;—;–3 = عامل (أو عوامل) القضية، و σ-;—;–3 = لاحق (أو لواحق) القضية.

بإدراج المتغيرين ع أ و ع ب في إطار القضية الموسعة نحصل على عبارة لغوية، وذلك وفقًا للصورة التي يجملها ديك (1989: 59):

ع أ : [قضية موسعة] (ع أ).

يمكن تخصيص البنيات الجملية التي تعبر عنها الصورة أعلاه بتوسّل عوامل ولواحق المستوى 4، وهي:

القوة الإنجازية والبنيات الجملية الموسعة:

23 – بصراحة، علي منافق.

فالقوة الإنجازية في ج (23) هي الإخبار، في حين أن “بصراحة” لاحق إنجازي يحدد خاصية تهم الفعل الكلامي.

بتخصيص البنيات الجملية نحصل على بنيات جملية موسعة يمثلها ديك (1989: 60) كالتالي:

Π-;—;–4 ع أ : [[قضية موسعة]] (σ-;—;–4)] (ع أ).

حيث Π-;—;–4 = عامل (أو عوامل) إنجازي(ة)، و σ-;—;–4 = لاحق (أو لواحق) إنجازي(ة).

حينما نصل إلى هذا المستوى، نسند الوظائف التداولية إلى مكونات الجملة. تحدد هذه الوظائف الوضع الإخباري للمكونات، بالنظر إلى علاقتها بالوضع التواصلي الذي استُعملت فيه، ويتم تخصيصها وفقًا لوسيطين اثنين:

بإسناد الوظائف التداولية نكون قد خصصنا تخصيصًا تامًا للبنية التحتية التي ستشكل دخلًا لقواعد التعبير التي يتوسلها النحو الوظيفي للانتقال من البنية التحتية المجردة إلى عبارات لغوية ملموسة، وذلك وفقًا للصورة التالية التي صاغها ديك (1989: 46):

يتخذ نسق قواعد التعبير دخلًا من الخصائص البنيوية والوظيفية للمكونات المحددة في البنية التحتية المجردة، ليخصص صورة ورتبة ونبر وتنغيم هذه المكونات حسب الشكل التالي:

26 – عامل [صورة دخل] = صورة خرج.

يشير ديك (1989: 61) إلى أن الصورة الدخل قد تكون إما محمولا ينتمي إلى البنية التحتية، أو صورة خرج تنتمي إلى قاعدة تعبيرية سابقة، في حين أن الصورة الخرج يمكنها أن تضم العوامل الصرفية والتركيبية المساعدة.

ينطلق النحو الوظيفي من اعتبار أن البنية التحتية غير مرتبة، وأن إسناد رتبة معينة إلى المكونات لا يتم إلا في مرحلة تالية، وذلك بتوسل قواعد الموقعة التي يصوغها ديك (1989: 62) كالتالي:

27 –

بالالتزام بهذه القاعدة، نتمكن من إسناد مواقع للمكونات. فـ (28) خضعت في تنظيم مكوناتها للقاعدة الموقعية الممثلة في (29):

28 – كتابًا أعطى أحمد عليا.
29 – قياس ترتيبي: 1 2 3 4

النبر والتنغيم للعبارات اللغوية

أما لإسناد النبر والتنغيم للعبارات اللغوية، فينبغي لقواعد التعبير الالتزام بالمظاهر التالية التي يجملها ديك (1989: 63):

المبادئ الأساسية للنحو الوظيفي ونموذج مستعمل اللغة الطبيعية

تحدد الصورة العامة التي قدمناها للنحو الوظيفي جملة من المبادئ الأساسية التي اتخذها هذا النموذج سندًا يرتكز عليه في مجمل التحليلات التي قدمها للظواهر اللغوية. وقد حصر المتوكل (1989: 126 – 127) هذه المبادئ في:

أ – تعتبر اللغة بنية تركيبية – صرفية ودلالية، تنحصر وظيفتها الأساسية في التواصل.
ب – تقوم الخصائص الوظيفية للغات الطبيعية بالدور الأول في تحديد الخصائص البنيوية.
ج – تتفاعل الخصائص الدلالية والخصائص التركيبية والخصائص التداولية في تشكيل البنية التركيبية الصرفية.
د – تقوم بين مكونات الجملة ثلاثة أنماط من العلاقات: علاقات دلالية وعلاقات تركيبية وعلاقات تداولية.
هـ – العلاقات الدلالية والعلاقات التداولية علاقات “كلية”، بمعنى أنها واردة في وصف جميع اللغات الطبيعية، على النقيض من العلاقات “الوجهية” التي قد لا يحتاجها وصف بعض اللغات.
و – الوظائف التركيبية والوظائف الدلالية والوظائف التداولية مفاهيم “أولى”، وليست مفاهيم مشتقة.
ز – لا يتم الانتقال من البنية الدلالية إلى البنية الصرفية – التركيبية إلا عبر توسل نسق قواعد التعبير.
ك – تشتق الجملة بدءًا بالبنية الدلالية وانتهاءً بالبنية الصرفية التركيبية، لا العكس.
ل – أُلغيَت قواعد التحويل من جهاز النحو الوظيفي لعدم ملاءمتها لمبدأ الكفاية النفسية.
م – يمثل محتوى المفردات لا باللجوء إلى نسق مجرد، وإنما باللجوء إلى اللغة موضوع الدراسة.
ت – البنية المنطلق منها في عملية اشتقاق الجملة بنية غير مرتبة.

تؤطر هذه المبادئ العامة المشروع التأسيسي للنحو الوظيفي الذي يروم بلورة نموذج مستعمل اللغة الطبيعية من خلال ضبط أنواع القوالب المشكلة لهذا النموذج، وتحديد نمط العلاقات القائمة بين هذه القوالب، وبالتالي حصر الاستراتيجيات الإجرائية اللازمة لمقاربة الإنجاز التواصلي لمستعملي اللغات الطبيعية.

إنجازًا لهذا المشروع، يتخطى النحو الوظيفي في (ديك 1989) حدود الانشغال بالقدرة اللغوية ليهتم بأنماط من القدرات الأخرى التي يحتم بناء نموذج مستعمل اللغة الطبيعية (ن م ل ط) منحها قسطًا وافرا من الاهتمام. تتلخص هذه القدرات فيما يلي:

1 – القدرة اللغوية: التي تجعل مستعمل اللغة الطبيعية (م ل ط) قادرًا على إنتاج وتأويل العبارات اللغوية مهما بلغت درجة تعقيدها ومهما تعددت الأوضاع التواصلية التي يمكن أن تنجز فيها.

2 – القدرة الابستيمية: تمكن (م ل ط) من أن يبني ويكشف الأساس المعرفي المنظم لإنتاج العبارات اللغوية، ومن أن يشتق معرفة انطلاقًا من هذه العبارات، وأن يوظف هذه المعرفة في إنتاج وتأويل عبارات أخرى.

3 – القدرة المنطقية: تؤهل (م ل ط) لأن يشتق انطلاقًا من أجزاء معينة من المعرفة أجزاء أخرى، وذلك عبر توسل قواعد التعليل التي ترصدها مبادئ المنطق الاستنتاجي والاحتمالي.

4 – القدرة الاجتماعية: تجعل (م ل ط) مدركًا لما يقول ولماذا يبغيه من إنجاز ما يقوله في مختلف السياقات التواصلية.

المصدر: الرتبة بين التركيب والتداول / ربيعة العربي 1990م.

Exit mobile version