التداولية (Pragmatics): الإطار النظري والمنهجي لفهم المعنى في سياق الاستعمال

تُعدّ التداولية (Pragmatics)، ويُطلق عليها في بعض الأدبيات العربية: فهم المقامية أو التأويل التداولي أو الذرائع، أحد الفروع المركزية في اللسانيات الحديثة، إذ تنصرف إلى دراسة الفجوة القائمة بين المعنى الظاهر للعبارات اللغوية وبين المعنى المقصود الذي يستهدفه المتكلم في مقام تواصلي محدد.

وبهذا المعنى، لا تنشغل التداولية باللغة بوصفها نظامًا شكليًا مغلقًا، بل بوصفها نشاطًا تواصليًا يُنتج الدلالة داخل سياق اجتماعي وثقافي وتفاعلي.

ولا تعالج التداولية المعنى بمعزل عن شروط الاستعمال، كما هو الحال في الدلالة المعجمية أو التركيبية، وإنما تنظر إلى اللغة من زاوية الاستعمال الفعلي، حيث يتقاطع القول مع المقام، ويتداخل الملفوظ مع مقاصد المتكلم وتوقعات المتلقي، وهو ما يجعل التداولية أقرب إلى تحليل الخطاب وفلسفة اللغة ومنطق الحجاج منها إلى الوصف البنيوي الخالص.

التداولية والسياق: شروط إنتاج المعنى:

ينطلق البحث التداولي من مسلّمة أساسية مفادها أن التواصل اللغوي لا يتحقق بالكفاءة اللغوية وحدها، بل يتطلب جملة من الشروط غير اللغوية التي تؤثر مباشرة في توجيه المعنى وتحديد المقصود. فالسياق والمقام ليسا عنصرين ثانويين، بل شرطين بنيويين في إنتاج الدلالة وفهمها.

ويشمل هذا السياق محددات متعددة، من أبرزها:

ومن ثم، فإن التداولية تدرس اللغة باعتبارها سلوكًا تواصليًا موجَّهًا، لا مجرد نظام رمزي محايد.

مجالات التداولية ومداخلها النظرية:

تتداخل التداولية مع عدد من الحقول المعرفية، وفي مقدمتها فلسفة اللغة وتحليل الخطاب والمنطق التداولي، وتهتم على وجه الخصوص بدراسة:

وقد أسهم في بلورة هذا الحقل عدد من الفلاسفة واللغويين، من أبرزهم: لودفيغ فتغنشتاين، وجون لانغشو أوستين، وجون سيرل، وبول غرايس، وأوزفالد ديكرو، حيث شكلت أعمالهم اللبنات النظرية الأساسية للتداولية المعاصرة.

إشكالية تعريف التداولية:

تباينت تعريفات التداولية بتباين الزوايا المنهجية التي تناولتها. ففي إطار السيميائيات، عرّفها تشارلز موريس سنة 1938 بأنها: ذلك الفرع من السيمياء الذي يدرس العلاقة بين العلامات ومستعمليها. بينما يراها اتجاه آخر بوصفها دراسة استعمال اللغة في الخطاب، أي دراسة اللغة وهي تُستعمل في مواقف تواصلية حقيقية.

وتقوم التداولية، في هذا الإطار، على ثلاثة عناصر متكاملة:

  1. العنصر الذاتي: ويتمثل في مقاصد المتكلم ومعتقداته ونواياه ورغباته؛
  2. العنصر الموضوعي: ويشمل الوقائع الخارجية والظروف الزمانية والمكانية المصاحبة للخطاب؛
  3. العنصر التفاعلي المشترك: وهو ما يفترضه المتكلم من معرفة مشتركة بينه وبين المخاطب.

وتُسهم هذه العناصر مجتمعة في تفسير الملفوظات، وفهم سياق إنتاجها، واستيعاب أثرها في العلاقة التواصلية بين المتكلم والمتلقي.

أفعال الكلام: من القول إلى الإنجاز:

أسّس جون لانغشو أوستين المنظور التداولي الحديث حين نظر إلى الخطاب بوصفه فعلاً لغويًا لا مجرد نقل للمعلومات. وقد ميّز في هذا السياق بين ثلاثة مستويات للفعل الكلامي:

وقد طوّر جون سيرل هذا التصور، معتبرًا أن الفعل الكلامي يتحقق من خلال عمليات فرعية، مثل التلفظ والإحالة والإثبات، فضلًا عن الأثر التداولي الناتج عنه.

التداولية والاستلزام: من المعنى الصريح إلى المقصود الضمني:

أما بول غرايس، فقد نقل التداولية إلى مستوى أدق حين طرح سؤال الاستلزام: كيف يمكن للمتكلم أن يقول شيئًا ويقصد به شيئًا آخر؟ وكيف يستطيع السامع أن يفهم هذا المعنى غير المباشر اعتمادًا على مبادئ التعاون والتأدب وأعراف الاستعمال؟

ومن هنا، تُفهم التداولية بوصفها علم تأويل المقصود، أي الانتقال من المعنى الصريح الذي تنقله الجملة إلى المعنى الضمني الذي يقصده المتكلم داخل سياق معين.

تمثل التداولية اليوم أحد أعمدة اللسانيات المعاصرة، لأنها تنقل البحث اللغوي من مستوى البنية إلى مستوى الاستعمال، ومن تحليل الجملة إلى فهم الفعل الخطابي، ومن الدلالة المعجمية إلى المعنى التداولي المؤسس على السياق والمقام والتفاعل. وبهذا، تغدو اللغة أداة للفعل والتأثير وبناء العلاقات الاجتماعية، لا مجرد وسيلة للتعبير أو الإخبار.

Exit mobile version