كتاب: ”رسالة الغفران” – صياغة معاصرة / PDF

صياغة جديدة: فرحان بلبل

1

 

رابط مباشر للتصفح أو التحميل


عن هذه النسخة المعاصرة كتب الأستاذ : عمران عبد الله 

“انطلاقا من أمنية في أن يقرأ كل العرب ما يستطيعون من التراث القديم، رجعتُ إلى رسالة الغفران لأبي العلاء المعري لوضعها بين أيدي القراء عبر إعادة صياغتها، أي بشكل أساسي استبدلتُ الكلمات الغريبة البائدة بألفاظ عادية يفهمها القارئ، وقمت بإعادة صياغة بعض التراكيب والجمل”؛ هكذا قدّم الكاتب والناقد المسرحي فرحان بلبل كتابه الذي اعتمد فيه على إعادة صياغة كتاب الشاعر الفيلسوف اللغوي الأديب العربي الضرير من عصر الدولة العباسية أبي العلاء المعري.


لكن العمل الذي نشرته دار ممدوح عدوان للنشر قوبل بردود فعل ناقدة وغاضبة، إذ اعتبره بعض المغردين على شبكة التواصل الاجتماعي تويتر تضييعا لقيمة نص تراثي، اعتبر -ولا يزال- من كنوز الأدب العربي البليغة.


وانصبت الانتقادات على المقدمة التي وصفت كلمات المعري التي أملاها قبل قرابة ألف سنة بالغريبة البائدة، بينما أكد آخرون أنه يجب قراءة النص بلغته لفهم تركيبته وسياقه التاريخي، لا استخدام مفردات حديثة تزيح جوهر النص وتفتح باب “التلاعب” بنصوص عربية تراثية أخرى.

وكتب المعري (363-449 للهجرة / 973-1057 للميلاد) “رسالة الغفران” في فترة عزلته، ردا على رسالة بعث إليه بها أديب وشيخ حلبي يعرف بابن القارح علي بن منصور، يشكو فيها أحواله الخاصة ويحدثه عن أخبار مجموعة من الزنادقة والملاحدة في عصر الدولة العباسية، طالبا منه أن يكتب ردا عليهم.

لكن أبا العلاء الفيلسوف حكى في الجواب رواية الغفران في موقف الحشر، ورده على ابن القارح، وقصصا في الجنة والجحيم، ووسمها بـ”رسالة الغفران” لكثرة ما تردد فيها من ذكر الغفران ومشتقاته.


  • كلمات بائدة أم أزهى عصور العربية؟

ووصف الكاتب فرحان بلبل كلمات أديب العربية المعري بأنها غريبة بائدة، لكن العصر العباسي الذي كان أبو العلاء المعري من أبرز شعرائه، يعتبر من أزهى عصور العربية رقيا وازدهارا في الأدب والبلاغة والشعر.

وامتد هذا الأدب إلى سقوط حاضرة العباسيين بغداد في أيدي التتار، وانطوى على سمات المجتمع العربي آنذاك بما فيه من عادات وثقافات وازدهار لأصناف من العلوم وألوان من الآداب.

ومن أبرز شعراء ذلك العصر وأعلامه: بشار بن برد وأبو نواس وأبو العتاهية وعلي بن الجهم وأبو تمام والبحتري وابن الرومي ودعبل، فضلا عن أبي الطيب المتنبي وأبي فراس الحمداني والشريف الرضي وغيرهم، ممن أبدعت قرائحهم شعرا بديعا لا يزال يعتبر من أهم دروس الأدب والبلاغة العربية.

ويعتبر أبو العلاء المعري من أبرز شعراء هذا العهد المزدهر، واسمه الأصلي أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري، وإلى جانب شعره فقد اعتبر فيلسوفا ولغويا كبيرا عاش في معرة النعمان شمال سوريا، ولُقب بشيخ المعرة ورهين المحبسين -العمى واعتزال الناس- إذ اعتزل الناس ومكث في بيته منذ عودته من بغداد إلى المعرة حتى وفاته.


  • رسالة الغفران درة النثر العربي

اعتبرت رسالة أبو العلاء المعري من درر الأدب العربي ولا تزال، فرغم أنها غير شعرية لكنها تكاد تكون شعرا كما يقول النقاد، وقد أكسبها الأسلوب الروائي القصصي متعة وجمالا إضافيا وجعلها لا تشبه النصوص الفلسفية التقليدية.

وتعرض “رسالة الغفران” مسرحا لمشاهد القيامة بحسب الاعتقاد الإسلامي، بما فيها الجنة والنار وحيرة البشر بينهما، ويصوغ فيها الأديب العباسي الكبير خلاصة فلسفته في الحياة وآرائه الدينية والفكرية وفلسفته في الأخلاق وتأملاته الإنسانية.

ويتعرض فيها المعري للشعراء والأدباء وينزلهم في منازل الجنة فيما يشبه الخيال الذي يلامس الواقع، فهي تعتبر رسالة فلسفية منطقية لكن فيها من الخيال والقصة ما يجعلها نمطا فريدا من نوعه استحدثه أبو العلاء المعري، ويقارن الكثير من الأدباء بين رسالة الغفران للمعري والكوميديا الإلهية لدانتي أليغيري شاعر عصر النهضة الإيطالي الشهير.

وبلغ أبو العلاء ستينيات عمره حين أملى رسالته الفريدة، وبلغت تأملاته في الحياة والوجود ذروتها، فوصف جولته الخيالية في الجنة والنار والتي التقى فيها الشعراء وأعمالهم ومصيرهم في الحياة الآخرة.

واتُّهِم المعري في حياته بالزندقة، لكن نقادا كثيرين نفوا عنه هذه التهمة وقالوا إنه كان مؤمنا وكتب رسالته تعويضا بالخيال عن حياة البؤس والعمى اللذين عاشهما. ويشمل الكتاب فصولا في الجنة وموقف الحشر وجنة العفاريت والجحيم والعودة إلى الجنة.

واشتمل الكتاب كذلك على نقض معتقدات بعينها والسخرية من فكرة “صكوك الغفران”، كما أنه نقد الحكام الذين يجرهم إلى الجحيم بسلاسل من نار في رسالته، ونقد الواقع الاجتماعي والطبقية وشعراء المال من خلال تصوير مآلهم في الآخرة.


وحول نفس الإصدار؛ كتب الأستاذ:  عبد الكريم النّاعم

يلفت في العنوان المذكور أنّه “صياغة مُعاصرة”، وفي ذلك ما يستدعي الإيضاح، وما أظنّ أنّ أحدا سوف يستطيع أن يوضّح ذلك أكثر من مقدّمة المؤلِّف الصائغ.

نحن نعلم أنّ شهرة “رسالة الغفران” لاتحتاج إلى تبيين، فهي قديما وحديثاً من أشهر ماتركه المعرّي من آثار، ويبدو أنّ ماصاغه بلبل، المؤلّف والمخرِج المسرحيّ المعروف في أنحاء العرب، لم تكن المحاولة الأولى، فبحسب ماذكره هو في تقديمه مُفتَتِحا الكتاب أنّ الأديب المصريّ الشهير كامل الكيلاني قد حاول شيئا من هذا، بيد أنّ ماقام به فرحان بلبل كان شيئا فريدا فرادة رسالة الغفران ذاتها،

وسوف أقصر الكلام على هذا الانجاز البديع، الذي لم يسبقه إليه أحد، بعيدا عن الكلام عمّا في رسالة الغفران، ولكنْ قبل هذا، أفضّل أن أقدّم شيئا من وصف الكتاب الخارجيّ الصادر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، في قطع متوسّط، يقع في ثلاثمئة وست وتسعين صفحة، بطباعة أنيقة، مشكولة، ويعرف الذين كان اهتمامهم الأوّل في التأليف كم يأخذ هذا من الجهد، وحين يَدخل إلى نصوص الرسالة يضع في الهامش تعريفا كافيا لأسماء الشعراء الذين ترد أسماؤهم،

شكا في البداية الأستاذ فرحان بلبل من صعوبة قراءة رسالة الغفران، كما وصلتْنا، وهو يقابل في ذلك بين كلّ المراجع المهمّة التي تحدّثت عنها، وبسبب هذه الصعوبة فقد أصبحت كتابا مايكاد يقترب منه إلاّ الاختصاصيّون من أدباء وأساتذة جامعة، وتتضاعف غربة هذا الكتاب حين ندقّق فيما وصلت إليه أجيالنا المعاصرة من عكوف عن الثقافة،

وأنا واحد من الذين عانوا مشقّة قراءة هذه الرسالة، وقرأتها على دفعات لما فيها من ألفاظ غريبة، بعضها ميت، وبعضها الآخر على سكّة الموت، وقرأتها بشيء من إكراه النفس في العديد من صفحاتها، وربّما أصاب هذا الكثيرون من محبّي قراءة التراث، ولذا عمد فرحان بلبل، كما يقول في التقديم إلى إعادة “صياغة بعض التراكيب والجمل، بحيث تتخلّص من معاظلتها التي كان بعضها دليل الفصاحة والبلاغة في ذلك العصر، وحوّلتُها إلى تراكيب وجمل سهلة هي مقياس الفصاحة والبلاغة في هذا العصر، وذلك دون الإخلال بأسلوب المعريّ أو بأسلوب ابن القارح”.

توقّف بلبل عند الجُمل والتراكيب التي وقف عندها دارسو “رسالة الغفران” و”رسالة ابن القارح، ومحقّقو الرسالتين” وقالوا إنّ المعنى غير مفهوم، وبحسب قوله: “حاولتُ جهدي أن لا أترك جملة غير مفهومة، فتحايلت عليها لأصل إلى معناها من سياق الكلام، ومن الفكرة التي يناقشها ابن القارح أو المعرّي، ولا شكّ أنّ هذا جهد عال، ومتعِب، ومشكور، لتجاوز عقبة وقف عندها أناس مشهورون، واختصاصيّون بارعون، ولأنّ هذا غير متيسّر في الشعر،

وهو ماأشار إليه في التقديم: “لايمكن إجراء مثل هذه التغييرات على الشعر، فأبقيت عليه لأنه لايحقّ لنا المساس به، لكنّي قدّمت شرحاً وافيا لكلّ بيت شعري إنْ كان غير واضح المعنى، وهو أمر كثيرا ما هرب منه مَن سبقني في تحقيق (الغفران) أو (رسالة ابن القارح)، ولا شكّ أن في هذا الكثير من المعاناة، والتوقّف، والفحص، والتدقيق، وهو فعل يضع بلبل في مصاف الذين تصدّوا للكلام على هذه الرسالة، وهذا اضطرّ الباحث،

إنْ كانت التسمية كافية، لحذف “بعض الجُمل والتراكيب التي لم يتمكّن غيري من الوصول إلى معانيها، كما لم يتمكّن غيري من الوصول إليها، خاصّة وأنّ المعريّ أتى بها على سبيل الأمثولة إغراقاً في استعمال ميّت الألفاظ، فحذفتُها، وهي في مجموعها لاتزيد عن خمسين سطراً أو أكثر بقليل”، تُرى كم يأخذ مثل هذا التدقيق، والمقارنة، والبحث من جهد يشمل كلّ ماكتبه العرب عن رسالة الغفران؟! مثل هذا لايعرفه إلاّ من عانى من مشقّة التأليف، والبحث، والتنقيب، وممّا هو جدير بالذّكر أنّه لم يُحجم، ولم يتردّد في إبداء رأي لايتّفق مع رأي مَن سبقه.

ويتساءل (المُعَصْرِن) لرسالة الغفران، بحذر الواعي المُدرك لما يفعل فيما إذا كان فعله تعدّيا على الآثار؟، ويقارن بين التعدّي على الآثار الماديّة الحضاريّة، ويرفض ذلك، ولكنّه يسوّغ بحقّ ماقام به، ويعدّ ذلك “خدمة للغة العربيّة، ولآثارها النفسيّة، خاصة وأننا لانطالب بجعل النصّ الذي قدّمناه بديلا عن النصّ الأصلي، فما فعلناه ليس إلاّ (تنويراً) للغفران ولرسالة ابن القارح، وعلى مَن يريد اكتشاف ماعصْرنَه بلبل أن يُقارن صفحتين من هنا بصفحتين من هناك، ليطّلع على أهميّة هذا الإنجاز.

إنّ الصياغة المعاصرة لنصّ أبي العلاء المعرّي عمل فريد، ينقله من الرفوف العالية ليضعه حيث يجلس محبّو القراءة، وهو إنجاز له فرادته، ويُضاف بجدارة إلى ما أبدعه فرحان بلبل في التأليف المسرحي، أو في الإخراج، ولسوف تشكر الأجيال القارئة الجديدة هذا الفعل لصاحبه، ولا يعرف الفضل إلاّ ذووه، وفي النّهاية لابدّ من الإشارة إلى أنّ أسلوب فرحان بلبل السهل، الواضح، اللّيّن، قد انعكس على صفحات ذلك الكتاب.. إنّه جهد شاق، مشكور، سيذكره له من يعرف فضل ماقام به من محبّي الأدب…

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

تعليق 1
  1. الجيلاني اليحياوي يقول

    اعتذر عن النص الاول لما اشتمل عليه من اخطاء مطبعية ولم استطع ازالته وارجو ان تقوموا بمحوه وتتقبلوا نصي هذا برحابة صدر
    اعتقد ان التصرف في لفظ ابي العلاء وتراكيبه لا يستقيم وذلك لعدة اسباب رام ابو العلاء تحقيقها و منها ما هو ذاتي وهو ابراز تفوقه المعرفي على اقرانه من المعاصرين له او من سبقوه ولا يستثني ابو العلاء احدا .ومنها ماهو فني :فابو العلاء اعتمد منهجا طريفا في سرديته للغفران منها محاكاة لغة الشخصية المتحدثة فقد قلد لهجة عدي بن زيد واختار لغة متقعرة حين تحدث عن الاعراب الموغلين في القفر فجعلها تضج بالعبارات والصور البدوية المتوعرة كبيئة الشخصيات المتكلمة فحشد الفاظا غريبة كقوله متحدثا عن هذه الفئة من الاعراب “من جناة الكماة في البلاد الكلدات” ملتمسا من ذلك مبدا الصدق الفني .ان ابا العلاء في غريبه كان ناقدا وساخرا من المتكلفين الذين يستنسخون صور وعبارات عصور لا ينتمون اليها مثل علي بن منصور المشهور بابن القارح
    ان تغيير الالفاظ فهذه المقامات وغيرها يفسد لذة السرد وطرافته .
    اما الجانب الثالث فان الكاتب ابا العلاء المعري الشيخ المدرس استبد على الراوي لتقصده الاتيان بالغريب ليشرحه قصد نشر المعرفة وافحام خصمه ابن القارح وكبته وكسر شوكته وهو من خصائص المناظرة في ذلك الزمن .ابن القارح في المتخيل هو شخصية مستهدفة من الكاتب والراوي والغاية هي فضح جهلعلي بن منصور علميا ونفاقه دينيا
    ان رسالة الغفران نص مستقل متمرد عن الاجناس الادبية في عصره وغير عصره اراد ه ابوالعلاء ان يكون مزعجا مستفزا مخلخلا لقواعد السرد المتعارف عليها من خبر ومقامة واللعبة اللغوية هي جزء من هذه العملية خاصة ان ابا العلاء تقصد ان يكون نصه بمنأى عن ايدي هواة الادب
    فلم نفقد النص خصوصيته لندجنه ونفقده لذة السخرية التي هي عماد النص العلائي وباي حق نتولى مهمة انزاله الى ادب السهولة وقد اراده صاحبه قمة لا يصلها الى من يحسن تسلق الجبال من عشاق القمم . اوقفوا اغتيال النص العلائي بهذه الطريقة

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.