عبد الرحمن الخازني

0

 

أبو الفتح عبد الرحمان المنصور الخازني (الخازن) من أجل علماء النصف الأول من القرن الثاني عشر للميلاد نشأ بمرو أحد أشهر مدن خراسان (في تركمانستان اليوم) يعتبره المؤرخون من أبرز علماء فن الحيل (الميكانيكا) وموازنة السوائل (الهيدروستاتيكا) وعلم الطبيعة في الحضارة الإسلامية. وكانت وفاته حوالي عام 1155 للميلاد. لا تسعفنا المصادر التاريخية بتفاصيل حول نشأة الخازني غير أن ظهير الدين البيهقي مؤلف كتاب “تاريخ حكماء الإسلام” والذي عاش في نفس الفترة يذكر أنه كان مولى لعلي الخازن المروزي ونشأ في كنفه بمرو ومكنه من تربية علمية صحيحة في علوم الهندسة والفلك. وصحب بعد ذلك سلطان خراسان ونال عنده حظوة.

يقول عنه العلامة الفلسطيني قدري حافظ طوقان إن الخازني درس على علماء مرو ونبغ ولمع في سماء العلوم واشتغل في الطبيعة ولاسيما في بحوث الميكانيكا فبلغ الذروة وأتى بما لم يأت به غيره من الذين سبقوه من علماء اليونان والعرب ووضع في ذلك كتاب ميزان الحكمة انتهى من تأليفه عام 1122، كما وفق في عمل زيج فلكي سماه “الزيج المعتبر السنجاري” وفيه حسب مواقع النجوم لعام 1115 م، وجمع أرصاداً أخرى هي في غاية الدقة بقيت مرجعاً للفلكيين مدة طويلة. ويقول الباحثون أن مؤرخي العلم لم ينصفوا هذا العالم الكبير خصوصا في الغرب اذ خلطوا بينه وبين الحسن بن الهيثم لتشابه اسميهما لدى الغربيين فابن الهيثم يعرف لدى الاوروبيين باسم ALHAZEN والخازني باسم ALKHAZEN وقد وقع في هذا الخلط بعض المؤرخين العرب والمسلمين. ويقول الدكتور كارم السيد غنيم استاذ بكلية العلوم جامعة الازهر، إن هذا الاهمال استمر يلحق الخازن إلى ان قدر الله وعثر قنصل روسيا في تبريز بإيران في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي على كتاب‏ “ميزان الحكمة” أشهر كتب الخازني وكتب عنه عدة مقالات في مجلات اميركية ولفت الانظار إلى صاحبه‏.‏ ثم اعتنى العلماء بتراثه ومنهم الفيزيائي الألماني Wiedeman الذي بين فضل الخازن ومكانته بين علماء العالم وأهميته في مسيرة الحضارة البشرية‏.‏

وتوجد نسخ من “ميزان الحكمة ” في مكتبة مسجد بومباي بالهند وفي المكتبة الآصفية في حيدر آباد في باكستان ونسخة ثالثة في مكتبة جامعة سان بيترسبورغ في روسيا. ويعتبر الكتاب “ميزان الحكمة” أروع ما أنتجته القريحة في القرون الوسطى وقد ضمنه الخازني جملة أعماله في مجال علم الميكانيكا وموازنة السوائل. منها ابتكاره ميزانًا لوزن الأجسام في الهواء والماء واستعماله في حساب الوزن النوعي للعديد من المواد. ويرى المؤرخون أن بحوث الخازن كانت من الأسس التي بنى عليها العلماء فيما بعد بعض الاختراعات كالبارومتر ومفرغات الهواء والمضخات المستعملة في رفع الماء. واخترع ميزانا لوزن الأجسام في الهواء والماء وقام بحساب الكثافة.

‏ويعتبر المستشرق دونالد هيل في كتابه “العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية” كتاب ميزان الحكمة أهم وأشمل مؤلف في للميكانيكا إبان العصور الوسطى. وهو نفس الرأي الذي أورده المستشرق آلدو ميلي في كتابه “العلم عند العرب وأثره في العلم العالمي”. ويزيد من قيمة هذا العمل حقيقة أن الخازني عرض لتاريخ علم السكون “الاستاتيكاStatices » وعلم توازن الموائع وضغطها “الهيدروستاتيكا Hydrostatics” مع شروح لأسلافه أرشميدس وإقليدس والبيروني وعمر الخيام.

يحتوي كتاب ميزان الحكمة على ثمانية مقالات هي:

  • نظريات مركز الثقل طبقا لعلماء الاغريق والعرب.
  • مزيد من مناقشة مراكز الثقل وآلية الميزان القباني.
  • الكثافات المقارنة لفلزات وأحجار كريمة مختلفة طبقا للبيروني.
  • موازين صممها علماء مختلفون من الاغريق والعرب.
  • ميزان الماء الذي ذكره عمر الخيام ضبطه واختباره واساليبه.
  • الميزان الجامع تعيين مكونات السبائك.
  • أوزان العملة.
  • ميزان الساعة المائية.

ويقول هيل إنه من الجدير بالملاحظة هو معالجة الخازني في كتابه لمفهوم الجاذبية باستثناء الأجرام السماوية كقوة كونية. وقد اعتبر هذه القوة جاذبة نحو مركز الأرض وأن هذا الجذب يعتمد على كتلة الجسم. وتعنى المقالات الباقية من الكتاب أساساً بتعيين الأوزان النوعية للفلزات والأحجار الكريمة والسبائك. وأورد الخازني شرحا مفصلا لآلة البيروني لقياس الأوزان النوعية واستخدم الآلة في تعيين قيم الوزن النوعي لخمسين مادة منها تسعة فلزات وعشرة أحجار كريمة وثلاث عشرة مادة صلبة غير نفيسة وثمانية عشر سائلا بما فيها الماء. وتميزت هذه القياسات بدقتها حد التطابق أحيانا مع القيم الحديثة. وكرس الخازني بقية الكتاب لوصف موازين متنوعة بدءا بميزان يُنسب لأرشميدس مرورا بوازين طورها علماء مسلمين وانتهاء بوصف تفصيلي للميزان الذي أسماه “ميزان الحكمة” أو الميزان الجامع.

ويؤكد هيل أن ميزان الحكمة يمثل ذروة قرون من التطورات الاغريقية والإسلامية في علم الأوزان وتعيين الأثقال النوعية. ويقول الدكتور عمار محمد النهار في كتابه ” دور علماء الحضارة العربية الإسلامية في تأسيس العلوم الحديثة” إن الخازني بنى كتابه: «ميزان الحكمة» على البراهين الهندسية، وكانت مسلماته نقطة الانطلاق في مؤلفات علماء النهضة في أوروبا، ومرحلة سابقة لكل من غاليليو وإسحق نيوتن ومن هذه المسلمات:

الأجسام الثقال قد تتساوى أثقالها وإن كانت مختلفة في القوة مختلفة في الشكل.
كل مسافتين يقطعهما متحركان في زمانين متساويين، فإن نسبة إحدى المسافتين إلى الأخرى كنسبة قوة المتحرك في المسافة المستوية إلى قوة المتحرك الآخر،
كل خط ينقسم بقسمين متساويين ويعلق في طرفيه ثقلان متساويان، فإن ذلك الخط إذا علق بالنقطة القاسمة له بنصفين، وازى الأفق.

إلى جانب “ميزان الحكمة”، ألف الخازني “الزيج المعتبر السنجري” ويذكر فيه مواقع الثوابت في عام 1116م والمطالع المائلة والمعادلات الزمنية لخط عرض مدينة مرو 37 درجة و40 دقيقة. كما وضع “رسالة في الآلات العجيبة الرصدية” قام فيها بدراسة الأجهزة المستعملة في عصره للحسابات الفلكية. وألف مقالة في “اتخاذ كرة تدور بذاتها بحركة مساوية لحركة الفلك ومعرفة العمل بها ساكنة ومتحركة” قام بتحقيقها ريتشارد لورش من جامعة ميونيخ الألمانية في بحثه المنشور بمجلة تاريخ العلوم العربية (العدد 2 أكتوبر 1980)، لا يتجاوز عدد صفحاتها ثلاث صفحات وصف فيها الخازن هذه الآلة وصفا دقيقا وبين كيفية استعمالها وحدد وظائفها وتمكن هذه الآلة من قياس ارتفاع الأجرام السماوية ودرجة ميلانها وحساب أطوار القمر.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.