بعد طول انقطاع، عقد وزير الخارجية السوري وليد المعلم مؤتمرًا صحفيًا، كان السبب في عقده حزمة عقوبات قانون قيصر التي وضعتها الولايات المتحدة حيز التنفيذ. غير أن المعلّم تطرق في حديثه إلى المسألة الليبية، معربًا عن تأييد سورية لحفتر ولمبادرات وقف إطلاق النار، وعن دعم الموقف المصري أيضًا.

ولكن هل يمكن للدعم السوري لحفتر في ليبيا أن يُحدث فارقًا على الأرض؟! الجواب لا. على الأقل لن يحدث هذا الفارق بشكل مباشر؛ ذلك بأن سورية بعيدة عن ليبيا بعدًا لا يمكّنها من تأمين الموانئ والقواعد الجوية والدعم العسكري وما يضاف إلى ذلك من أمورٍ تساهم في تغيير الموازين في ليبيا، من حيث النتيجة.

ولو أن المعلّم قد أدلى بمثل هذا البيان قبل عام 2011، لكان قد أثّر في مسار الوضع، سياسيًا وعسكريًا، بالطبع. لكن الوضع تغيّر كثيرًا خلال الـسنوات التسع الأخيرة؛ إذ باتت سورية اليوم بلدًا يعاني أزمة اقتصادية حادة، ويحاول الخروج من التيه الذي خلفته الأبعاد السياسية للحرب بالوكالة، بأقل الخسائر. ولكن على الرغم من كل شيء، ما زالت سورية هي إحدى الدولتين اللتين تمثلان رمزًا لمفهوم القومية العربية، أما الدولة الأخرى فهي مصر.

مع اندلاع الانتفاضات العربية عام 2011، بُنيت بين دول المنطقة وتركيا تحالفات وهُدمت تحالفات، فأصبح الأصدقاء أعداءً، وبات الأعداء أصدقاء. لكن السياسة الخارجية في مرحلة الانتفاضة لم تستطع التخلص من ظل “العثمنة الجديدة”، حتى إن دول المنطقة التي هي على علاقات جيدة مع تركيا كان لديها هذا التصور دائمًا، وتعتقد أن تركيا تتحرك بهدف إقامة دولة عثمانية جديدة، وكانت هذه النقطة هي الأكثر تركيزًا من قبل الجبهة المعادية لتركيا التي تصاعدت تدريجيًا، في مرحلة ما بعد الانتفاضات في المنطقة.

في الحقيقة، كان أفضل من استغل هذا الخطاب واستخدمه مطولًا هو خليفة حفتر، فقد كان يكرر هذا الخطاب مرارًا في السنة الأخيرة، سواء خلال لقاءاته في مصر والمملكة العربية السعودية، أو خلال جولاته لإقناع القبائل الليبية: “نحن نحارب ضد تركيا العثمانية الجديدة التي تهاجمنا بهوى الاحتلال”.  

ولهذه الخطابات، التي اتخذت شعارًا في مناهضة العثمنة الجديدة، رصيدٌ في دول المنطقة؛ فإلى جانب أبعاد العداء لتركيا، المتعلقة بالطاقة والقوة والنفوذ، هنالك أراءٌ مفادها أن “تركيا غير العربية عازمة على قيادة العالم العربي”.

وقد أوقد العداء المتصاعد ضد تركيا عملية البدء بظهور سورية إلى الواجهة. وصارت دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر والسعودية، ترى في سورية خط المواجهة الأول في مقاومة تركيا، لكن العلاقات بين دمشق وطهران تشكل عائقًا كبيرًا، من وجهة نظر هذه الدول؛ لأن دول المنطقة لا تريد لإيران، كما لا تريد لتركيا، أن تمدد سلطانها ونفوذها في المنطقة. لذلك فإن أهم العتبات التي ستضمن لسورية استجماع قواها وتعافيها وخروجها من العديد من الأزمات، حتى يحين موعد عودتها إلى السياسة الإقليمية، هو إعطاء الضوء الأخضر لتفعيل عضويتها في الجامعة العربية. وكان الشرط الأول في المساومات، حول هذه القضية، هو تفكيك العلاقات بين دمشق وطهران، وإخراج إيران من سورية بشكل نهائي، إذا كان ذلك ممكنًا.

وقد بدأت في الآونة الأخيرة ترد تعليقات وأقاويل من الجامعة العربية ودول المنطقة المختلفة “تضع التهديدين الإيراني والتركي في كفة واحدة، بل إن بعضها صار يعدّ تركيا خطرًا أكبر من إيران”.

في سياق ذلك، زعزعت الثورات العربية التي انطلقت عام 2011 علاقات العديد من دول المنطقة؛ فبينما وصلت في بعضها إلى حد المواجهة، كان البعض الآخر يحاول إصلاح العلاقات المتضررة بينها. وبدأ في هذا الإطار العمل على بناء قومية عربية جديدة، يتم صوغها وفق ظروف وحقائق المنطقة، على الرغم من عدم كونها النموذج ذاته الذي قدمه زعيم مصر الأسطوري جمال عبد الناصر. حيث شددت بعض الدول، ومن بينها الإمارات العربية المتحدة ومصر، في الآونة الأخيرة، على مفاهيم القومية العربية، ووحدة الصف العربي ضد غير العرب. وتبرر مصر وجوب دعم حفتر في ليبيا انطلاقًا هذا النهج.

فهل ستظهر قومية عربية جديدة إلى حيز الوجود؟ وهل ستكون فاعلة إن ظهرت؟ هل ستمتلك البنية التحتية الكافية؟ هل ستتمكن من التخلص من شبح المشكلات التي تعانيها دول المنطقة في العديد من الملفات، وبخاصة ملف الطاقة؟ الأمر مجهول. ولكن مهما كان محتوى هذه الدعوات فارغًا، فإن مفهوم القومية العربية ما زال يمتلك أرصدة في الشارع العربي.

لنعد إلى وليد المعلم…

إن احتمال قبول الرسالة التي حاول المعلّم توجيهها إلى مصر، عبر المسألة الليبية، هو احتمال كبير جدًا؛ لأن مصر بطبيعة الحال لم تكن حازمة تجاه سورية، كما هي حال السعودية. وعلى الرغم من أن العلاقات السورية – المصرية قد تعرضت للانقطاع، خلال عهد مرسي، فقد تقارب الطرفان في فترة السيسي كثيرًا، بتأثير السعودية، وهذا يعني أن مصر كانت واحدة من الدول التي سلكت سلوكًا معتدلًا تجاه سورية.

وفي كل الأحوال؛ مصر كانت إحدى الدول التي أرسلت أولى الإشارات بضرورة دعم سورية، ردًا على العقوبات الأميركية الأخيرة. وفي حال عدم تقديم الدعم اللازم لسورية، فإن ذلك سيمهد الطريق لتسليم سورية بالكامل إلى إيران؛ لأن السبيل الوحيد الذي تستطيع من خلاله سورية اختراق العقوبات هو محور سورية والعراق، عبر طهران – بغداد… وهذا يعني ازدياد “حاجة” دمشق إلى إيران، والنتيجة تجذر إيران في سورية.

حاصل الكلام؛ من الممكن أن تقوى يد دمشق، بسبب المناهضة المتصاعدة ضد تركيا، في الآونة الأخيرة، إلى جانب النهج المناهض الذي تسلكه دول المنطقة ضد إيران.

اسم المادة الأصليArap milliyetçiliği doğar mı?
الكاتبHediye Levent
المصدر وتاريخ النشرEvrensel gazetesi  24 Haziran 2020                  صحيفة أفرنسال التركية: 24 حزيران 2020
رابط المادةhttps://www.evrensel.net/yazi/86613/arap-milliyetciligi-dogar-mi
المترجمقسم الترجمة- علي كمخ
عدد الكلمات639- 818