عِلم الاجتماع الطبّي؛ مفهومُه ومجالاتُه

 

 يعتبر علم الاجتماع الطبيّ علمًا حديثًا، ظهر خلال ستّينات القرن الماضي وتزايد الاهتمام خلال العشريّة الماضية بحكم الحاجة المتزايدة إليه تبعًا لشدّة اهتمام المجتمع بمشكلات الرّعاية الصحيّة، وهو يستفيد من دراسات علماء الاجتماع وعلماء النّفس الاجتماعيّ كذلك من جهود الباحثين في مجال الطبّ والصحّة العامّة وعلماء الأوبئة(1).

يمثّل علم الاجتماع الطبيّ مجالا مُشتركا بين الطبّ وعلم الاجتماع من جهة أولى ومجالا للبحث التطبيقي من جهة ثانية. يعرّفه (David Mechanic) بأنّه ” مجموع الجهود الرّامية إلى تطوير الأفكار السوسيولوجيّة في داخل سياقات الأنساق الطبيّة وإلى دراسة القضايا التطبيقيّة المهمّة فيما يتّصل بعمليات المرض ورعاية المريض(2)“. 

وإذا كان الطبّ يهتمّ بقضايا الصحّة والمرض، وعلم الاجتماع يدرس البناء الاجتماعي، فإنّ علم الاجتماع الطبيّ إذن هوّ نقطة التقاطع وحلقة الوصل بين علمي الطبّ والاجتماع، أي أنّه يهتمّ بدراسة قضايا الصحّة والمرض في علاقة بالنظم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والإداريّة. وعلى هذا الأساس يتركز اهتمام علم الاجتماع الطبيّ على “الدّراسة السوسيولوجيّة لقضايا الصحّة والمرض، وتناول المستشفى كنسق اجتماعيّ وثقافيّ، وفحص علاقة المريض بالقوى العاملة الطبيّة وبالمؤسّسات العلاجيّة، كما يحدّدها البناء الاجتماعيّ والوضع الطبقيّ”(3).

يكشف هذا العلم الجديد عن العوامل الاجتماعيّة المرتبطة بالصحّة والمرض وسلوك المريض وعلاقته بالخدمة الصحيّة المقدّمة ونمط الأسرة (نوويّة أو مُمتدّة) ودوره في اتّخاذ القرار الطبيّ باللّجوء إلى إحدى المؤسّسات الصحيّة، كما يبرز علم الاجتماع الطبيّ اتّجاهات المجتمع نحو العلاج الشعبيّ والرّسميّ مستفيدًا من الأنتربولوجيا الطبيّة التي تُركز على العناصر الثقافيّة كالعادات والقيم والمعتقدات والأمثال الشعبيّة والطقوس وانعكاساتها على صحّة الفرد.

  • مجالات الدّراسة في علم الاجتماع:

تناولت عديد الدّراسات المجالات الأساسيّة لعلم الاجتماع الطبيّ، ولعلّ أهمّها ما جاء في التقرير النهائيّ للندوة العلميّة حول “التدريب وطبّ المجتمع” المنعقد بلندن سنة 1974 الذي سلّط الضوء على المجالات التالية(4)

* علاقة الطبيب بالمريض: 

يؤكد علم الاجتماع الطبيّ على أهميّة العلاقة بين الطبيب والمريض التي لا تقتصر على التشخيص والعلاج فحسب، بل تشمل احترام الطبيب وتعاطفه مع المريض، وخاصّة في حالات الأمراض الحسّاسة والمزمنة وحالة الأمراض العقليّة. كما كشف هذا العلم عن الأدوار المتباينة بين الطبيب والمريض وأنماط العلاقات بينها (الصراع، الضبط، الاتّفاق، الرفض…).

* الطبقة الاجتماعيّة والخدمات الصحيّة:

يبحث علم الاجتماع الطبيّ في العلاقة بين الوضع الطبقيّ واستخدام الخدمات الصحيّة، فالطبقة الوسطى تبدو أكثر استفادة من الخدمات الصحيّة من الطبقة العاملة. كما يبرز المرض على أنّه مرض طبقة ولذلك تكشف معرفة الطبقة عن نوعيّة المرض ذاته ونوعيّة العلاج (رسميّ أو شعبيّ) وفهم أسبابه المتعلّقة بالسن والجنس.

* التنظيم الاجتماعيّ للمستشفى: 

يركز علم الاجتماع الطبيّ على دراسة التنظيمات الطبيّة وما تتضمّنه من علاقات رسميّة وغير رسميّة واستجلاء تعقيدات المؤسّسات الصحيّة. وتؤكّد مختلف الدّراسات على استفادة المستشفيات وسائر المؤسّسات الصحيّة من إسهامات علم الاجتماع الطبيّ من خلال تحليل بنية المستشفى والوظائف التي تضطلع بها والمؤثّرات الدّاخليّة والخارجيّة التي تتعرّض لها وطبيعة علاقتها بالمجتمع المحليّ ونوعيّة المشكلات التي تعبّر عنها.


المراجع والمصادر: 

  1. ديريك جيل وأندرو توادل، علم الاجتماع الطبيّ، ترجمة جمال السيّد، المجلّة الدولية للعلوم الاجتماعيّة، العدد 32، مركز مطبوعات اليونسكو، القاهرة، 1978، ص 2

2.David Mechanic, Medical Social Sociology, 2 edition, The Free Press, New York, 1978, p 8

  1. المكاوي على، علم الاجتماع الطبيّ، مدخل نظريّ، جامعة القاهرة، القاهرة 1999، ص46
  2. Achsson   Roy & Aird, Losley (ed), Seminars in Community Medicine, Vol 1, Socilogy, Oxford Uni-Press, London, 1976, pp 1-12

إعـــداد : فيصل تليلي / باحث في علم الاجتماع، أستاذ بالمعهد العالي للدّراسات التطبيقية في الإنسانيات بسبيطلة -تونس.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!