المستوى الصريح والخفي في قصائد “شارل بودلير” و”محمد حلمي الريشة”

0

 

قراءة لم أكن أستطيع أن أقوم بها لولا محاولتي التسرب إلى أعماق الشاعرين من خلال كتاباتهما؛ فمن المعلوم إنه لا بد لكل مهتم بالشعر من أن يتنفس هواء مرابضه، ويستنشق عبق فجاجه، ويجول في دروب ألوان صوره، وليتذوق لغته؛ فاللغة تذاق بالحواس كلها.

يقول سعد الجبوري:

“ما من نص شعري فاعلٍ، ولا يحاط بنوع من السَديم. فالضباب الخفيف ذاك، هو من يُولّدُ بهجةَ تعذيبِ القارئ بكل ما هو غامض ويستعصي على الكشف المباشر السريع. المهم أن لا يكون الشاعرُ سمكةً كبيرةً قابلة للصيد بالأدوات التقليدية”.

يقول محمد حلمي الريشة في حق الشاعر (شَارلْ بُودْلِيرْ): “الشَّاعِرِ الأَشْرَسِ رِقَّةً.”

قال جان بول سارتر: “موقف بودلير الأصلي هو موقف العاكف على نفسه يتأملها كنرسيس الأسطورة، فليس لديه شعور مباشر لا تخترقه نظرة مرهفة.

نحن عندما نتأمل مثلاً شجرة أو بيتاً نستغرق في هذه الأشياء وننسى أنفسنا. أما بودلير فإنه لا ينسى نفسه أبداً، فهو يتأمل نفسه عندما يتأمل الأشياء، وهو ينظر إلى نفسه ليرى نفسه ينظر، إنه يتأمل شعوره بالبيت وبالشجرة، لذا لا يراها إلا أشد ضالة وأقل وقعاً كما لو كان ينظر إليها من خلال عدسة مصغرة، فلا تدل إحداهما على الأخرى كما يدل السهم على الطريق أو الإشارة إلى الصفحة. وفكر بودلير لا يضيع أبداً في متاهاتها.

ولكن على العكس يرى أن المهمة المباشرة لها هي أن تعيد له شعوره بذاته”. لقد كتب يقول: “ما يهم ما تستطيع أن تكون الحقيقة الموضوعة خارج نفسي إذا هي ساعدتني على أن أعيش وأشعر إني موجود ومن دون أنا”. وفي نفسه كان همه ألا يظهر الأشياء إلا من خلال جدار سميك من الشعور الإنساني عندما يقول في كتابه (الفن الفلسفي): “ما هو الفن الخالص في المفهوم الحديث؟ هو أن تخلق سحراً متلاحقاً يحتوي الموضوع والعلة معاً والعالم الخارجي للفنان نفسه بشكل يستطيع معه إلقاء محاضرة بعنوان ضالة الحقيقة في العالم الخارجي”. ذرائع انعكاسات أطر الأشياء كلياً لا قيمة لها مطلقاً بذاتها، وليس لها من مهمة سوى أن نعطي الفنان فرصة تأمل نفسه وهو يراها.

وتقول الناقدة مريم شهاب الإدريسي في حق محمد حلمي الريشة:

“الشاعر الريشة بالغ الذكاء اللغوي، وله من الفطنة النداهة ما يجعلك تنساق بكل قناعاتك إلى اقتراف قراءة شعره بكل إصراره وترصده، يترك لك مجالاً فسيحاً جداً لقراءته بعينك القارئة، أو الناقدة، أو الباحثة، أو النهمة، فلا يضيق عليك الخناق، ولا قوالب لغوية معدة سلفاً، ولا نهج تقليدي، وإنما ينتظر ردة فعلك، وما هي سوى أسئلة. شعره كما لغته، كما هو، ينتظر من قارئه مكاشفة.

ما بالمنتظر مدحاً أو إعجاباً بقدر ما يطلق حروفه بسخاء، لا يريدها زاجلة تعود إليه. يخاطب فيك شهوة السؤال، يثيرها، ويستفز ذائقتك، لكنه لا يخدش حياء فهمك، ولا يوجع عينيك، بل يستلهم لهما الأناقة والجمال”.

فما أصعب غربة فراق البلد الذي اقتلع منه الفرد، وغربة المواطنة من الدرجة الثانية أو الثالثة.


  • الإليغوريا

أصل هذه الكلمة من اللاتينية (Allegoria)، المنسوخة طبق الأصل عن الكلمة اليونانية (Allegoria)، المشكلة بنفسها من كلمة Allos وتعني “آخر” (agoreuiein) أي “تكلم”، وبالضبط (تكلم وسط الجمهور) (فكلمة Agora هي الساحة الشعبية). لا تعني هذه الأمثلة إلا صيغة من التعبير غير المباشر؛ أن نتكلم بطريقة أخرى، أن نقول شيئاً آخر غير الذي نقوله حرفيّاً. (منقول)

إذا كانت الإليغوري تشكل أهمية في دراسة أسلوب النص الشعري، بما تقتضيه أية دراسة لكشف الدلالة الملبسة للنصّ ما بقيت مستترة في باطنه، وإذا كان الأمر يتعلق بتوسيع مساحة مفهوم الرمز في إطار الصراع الإبداعي بين الدال والمدلول، وإذا لعب مصطلح الإيغوريا دوراً جوهرياً في تشكيل الثقافة الأوروبية، في توسع الدلالات عبر العصور المتتالية، من العصر الوسيط إلى حدود القرن العشرين، مستجيبة  للنزعات والميولات الفكرية للحقب والعصور المتعاقبة، فتوزعت بين حقول عدة؛ دينية، وأخلاقية، وأيديولوجية وتاريخية، وأدبية… إلخ.

وإذا كانت ماهية “الإليغوريا” في كونها غير مرتبطة بمعنى محدد ونهائي، يمكن عقلنته بسهولة.

فما موقعها في الشعر العربي المعاصر؟

إن سحر الأليغوريا يجعلها تحتفظ بمعناها في باطنها، وكأنها دعوة ضمنية للقراء بالمشاكسة أحياناً، وبالمغازلة في أخرى.

إن كان أصل الكلمة من الإغريقية وتعني التلميح، فإنها تتجلى في نصوص الشاعرين في مستويين من التعبير؛ الأول صريح مباشر من حيث الحرف والمظهر، والثاني خفي يتمثل في الدلالة أياً كانت هذه الدلالة؛ أيديولوجية أو سياسية أو دينية أو أخلاقية أو نفسية.

إذا كانت الأليغوريا سمة قصائد الشاعرين الأولى فقد أملتها عليهما في الغالب نداءات الوعي القومي والمعاناة.

إن هذه الغربة التي يعيشها الشاعر في ممارسته الإبداعية هي التي دفعتني لقراءة هذه الظاهرة في شعر محمد حلمي الريشة وشارل بودلير، علني أتوصل إلى صورة واضحة في هذا الضرب من الكتابة التي لا يستطيع الكثير مجاراتها، ما تدفع بعض الشاعر بالاختباء والتوسل بالأدوات المألوفة عن غير قصد.

إذا أمعنا النظر في قصائد الريشة سوف نجد أن القضية الفلسطينية ركيزة أساسية لها قيمتها وسلطتها، حولها تدور القصائد بمعناها الروحي في الماضي والحاضر والمستقبل، وتتجلى فلسطين كمنبع يطور روح القصيدة إبداعياً، فيصورها شخصية تعيش في توافق بين عالمه العلوي والواقع بالمعنى الدنيوي.

في قصائده يؤسس الشاعر الأحاسيس من خلال شظايا الواقع، ويجعل المتلقي يشعر بعمق محنة الفلسطيني وبتفاصيلها المرتبة من جانب المحتل والقائم بالتسيير، ليوصلك إلى استنتاج بأن الفلسطيني يؤدي ثمناً نفسياً باهظاً. وهنا يتمكن المتلقي الذكي من التلصص على لحظة حميمة من خلال أبيات الشاعر، ويبني صورة مختلفة عن رؤية العين المجردة، فيجعل المشهد يميل إلى التركيز على الحواس الأخيرة، كالانكسارات والضيق والبحت عن الأماكن الدافئة.

وهكذا يكون معنى القصيدة الظاهر، هو حجاب لمعنى آخر أخفى وأدق، وهو المنحى الذي يأخذه الشاعر عن وعي لتجنب الوقوع في الخطاب المباشر، لينتقل إلى المعنى الرمزي الخفي لتستقيم دلالة النص، كأنه يقوم بجلد الذات على عدم قدرته على توضيح ما يجب قوله من شدة الانفعال مستعملاً الإيغوريا كطريقة للتعبير.

يقول محمد حلمي الريشة في قصيدته “رسالة إلى كليم الله”:

“… وأقول يا موسى، كليم الله:

سُجّدنا أريقوا بين أيدي الله

ما قاموا لثرثرة الدليلْ،

وأضيف يا موسى، وموسىً حول دائرة الرقاب:

ماذا على الأعقاب ينتظر المقاتل والقتيلْ؟

الكل أسود، والسلام على سلام

يا كليم الله،

ليس يحترف البديلْ.”

إن المستوى الصريح هو الحديث مع (موسى) وكأنه يناجيه؛ فهو حجاب للمعنى الآخر الخفي والمقصود بالذات. في هذا النص يهتم الشاعر بتشكيل ميثولوجيا أو صورة “مصححة” عن اليهود الشرقيين أو الوافدين من مختلف بقاع العالم بما تحمله الأغلبية منهم من أعمال وتصرفات صهيونية مخالفة لشعيرتهم السماوية في بلده فلسطين الممزقة.

وفي موقف آخر يقول في قصيدته “التصاقات بالجوع والأطفال::

“لله.. رغيف

للطفل/ الفقر/ الأسمال المهترئة

للصوت المبحوح الآخذ في الطّي

الجوع مخيف

ولذا أتعثر حين ترد شفاهك بغتة

كفاك البارز منها العظم

فتصير الأقوال حزينة،

والصمت رفيق الفقراء الرحل

في الوطن الأوحد.”

وهذا واضح في قوله “إن صوت الشاعر نادراً جداً ما تسمعه أذنا السياسي”، أن ما يبدو، وعلى المدى القصير، أن يبقى من فلسطين اسمها فقط، كما بقي مفتاح العودة في صدر امرأة طاعنة في العمر، مع أن بيتها لم يعد على وجه هذه الفلسطين، والتي فقدانها بالخيانات، والمؤامرات، والمؤتمرات فلسطينياً وعربياً.

يمنح هذا المقطع نفسه لمقاربتين مختلفتين، أو هو يوهم بمعنى ظاهر بيّن إذا تتبّعناه أسلمنا إلى معنى آخر خفيّ.

في هذا النص يصف الشاعر اللحظات التي تغيب فيها الفروقات الاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد، فكيف تستقيم الأمور في ظل هذا الوضع وفي ظل فروقات المحتل. إنها حواجز غير قابلة الاختراق. إنه شعب أسير الالتصاقات.. كيف له ردم هذا البون بين الطبقتين؛ الضالة والظالمة؟!

إن المستوى الأول صريح مفهوم ومغير، أما المستوى الثاني الخفي يتطلب قراءة ثانية لكي يكون قابلاً للتأويل، وهو الذي يتضمن الومضة الإبداعية.

أما عند الشاعر بودلير فإنه يسترشد بالخيال كأداة لاستيعاب التحفيز التصوري لاستخدام باقي الحواس لإدراك أدق تفاصيل لكي يعيش المتلقي التجربة التي يعيشها بكل تفاصيلها، ويجعله يستخدم الشعور بوساطة تراسل الحواس.

يقول شارل بودلير في قصيدة “صلوات للشيطان”:

“أيها الشيطان ارحم بؤسي الطويل

المجد والمديح لك أيها الشيطان

في أعالي السماء حيث كنت تسود

وفي أعماق جهنم

حيث تحلم بصمت بعد هزيمتك

دع نفسي تسترح يوماً بقربك

تحت شجرة المعرفة

في الساعة التي تنتشر فيها أغصانها

كأنها هيكل جديد.”

إن الانتقال من الدلالة الحرفية الظاهرة إلى الدلالة الخفية ضروري، كما أن فعل الزمان في صناعة النص يلزم كذلك القول المباشر في صناعة المعنى.

يوهمنا الشاعر بمعنى ظاهر يتحدث فيه عن الشيطان، وواقع الأمر أنه يريد أن يوصلنا إلى معنى ديني تسيطر فيه الروح وما حل بها مند بدء الخليقة.

يقول في قصيدته “الميت الفرح”: le mort joyeux

“في أرض خصبة مملوءة بالحلزون

أريد أن أحفر بنفسي حفرة عميقة

أدفن فيها على مهل عظامي البالية

وأنام في النسيان كما ينام الحوت في أعماق البحار

إني أكره الوصايا وأمقت القبور

وأفضل وأنا حي أن أدعو الغربان

لتمتص الدم من أطراف هيكلي القذر

على أن أستجدي دمعة من دموع البشر

أيتها الديدان السوداء

يا رفاقاً لا يرون ولا يسمعون

انظروا إلى هذا الميت الفرح الآتي إليكم بحرية

يا فلاسفة يحبون الحياة ويا أبناء العفونة

أوغلوا في هيكلي من دون ندم وقولوا لي

إن كان لا يزال يوجد أيضاً

لهذا الجسد الفاني الخالي من الروح

والميت بين الأموات

مزيد من العذاب.”

وفي قصيدته “كآبة”: Spleen

كثيرة هي ذكرياتي كأني عشت ألف عام

إنها خزانة ضخمة مزدحمة الأبراج

بأوراق الجرد والأشعار والبطاقات الرقيقة

والدعاوى والأغاني العاطفية

وخصلات الشعر الكثيفة الملفوفة بالبراءات

إن ما تخفيه من الأسرار أقل مما يخفيه وجداني الحزين

إنها كهف وهرم واسع يحوي من الجثث

فوق ما تحويه الحفرة الجماعية

أنا حفرة عافها القمر يسعى فيها

كما يسعى الندم دود طويل ينقض دائما بنهم.”

هكذا كأنه يحفز المتلقي على رأب الصدع بين ما هو مألوف ومعروف وبين ما هو غير مألوف ومعروف، وبين الملفوظ المصرح به وبين المسكوت عنه. إنه خلق عملية معاكسة السائد في مجتمع الأغلبية، ويتخطى حدود الثقافة الواحدة المهيمنة. وهكذا خلق صوراً جديدة لا تحاكي الواقع وحسب، بل تعيد تركيبه من جديد بتراسل حس فوري يمكن للمتلقي من خلق واقع أقوى من واقعه المعيش.

إن شعرهما (بودلير والريشة) يشبه تنهيدة ريح عاصفة، تعبيراً عن رفض التهميش والقمع. ريح تعد كارثية غير مفهومة عند البعض أكان محتلاً أو محافظاً.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.