“خفايا وادي السيليكون”.. وَحشُ التكنولوجيا الذي يُحْكِمُ قبضتَه على العالَم

 

تعمل شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون الموجود في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية لتحقيق مستقبل مشرق وواعد لعالم واحد باستخدام التكنولوجيا كأداة لتحسين المدن، ولكن هذا يتطلب إدخال العالم الذي نعرفه اليوم فيما يعرف بمرحلة الاضطراب.

في هذا الفيلم الذي تبثه قناة الجزيرة الوثائقية على جزأين، يزور الصحفي “جيمي بارتليت” المتخصص في مجال التكنولوجيا منطقة وادي السيليكون حيث مقرات الشركات العملاقة المعروفة مثل غوغل وفيسبوك وأوبر وتويتر وأبل وغيرها، ويلتقي برواد الأعمال الشباب الذين يحرصون على ترك بصماتهم وجني الملايين.

يظهر هذه الفيلم كيف يمكن للحكومات تنظيم مثل هذه الإمبراطورية الواسعة والمجردة، وماذا يعني نجاح “وادي السيليكون” ونفوذه بالنسبة لأولئك على الجانب الآخر من الفجوة التكنولوجية؟

كما سيكشف لنا رؤية وادي السيليكون الخيالية، ومحاربة العالم ضد اضطراب وادي السيليكون، وبالمقابل ما هي التداعيات من سيطرته على العالم؟ وهل سيفقد الناس وظائفهم وهل سيكون المستقبل الموعود أشد ظلما للبشرية؟

 

  • مصنع العمالقة.. قد ينطلق بك مرآبك إلى ريادة العالم

في مظهره يبدو وادي السيليكون مكانا عاديا يعمل فيه الأفراد لجعل الكون أقرب إلى الكمال، وقد قدم هؤلاء العاملون فيه من جميع أنحاء العالم لتحقيق أحلامهم، وشكل مرآب السيارات نقطة انطلاق لكثير من أساطير الشركات التي نشأت في وادي السيلكون، إذ يحول إلى مختبر لبناء المشاريع الناشئة ولصنع الأجهزة والنماذج الأولية للتصاميم، وقد بدأت شركة هولد باكرد عملها من المرآب، وكذلك بدأت غيرها من الشركات مثل أبل وغوغل، ومن خلال الحاسوب المحمول يمكن إدارة شركة كاملة.

هنا في هذا المرآب يعمل “توماس لامبوت” على تحويل ثاني أكسيد الكربون مستخدما أشعة الشمس فوق البنفسجية لتغيير المناخ، كذلك سيصنعون الـ”هايبرلوب” (Hyperloop)، وهو سيلة النقل السريعة على شكل كبسولات ستمكننا من السفر بين المدن بسرعة فائقة.

في المقابل هنا في أحد القصور يستقبل متحدثون خبراء من وادي السيليكون يتبادلون الأفكار، وفي وسط هذه الحشود شبه الطائفية رجل حطم أرقاما قياسية، وهو “بيل هانت” الذي أطلق خمس شركات ناشئة من ثم باعها بنصف مليار دولار.

يقول “بيل هانت”: هناك اهتمامات بأن لا يختصر الحديث على طرق الكسب المادي، بل على تحسين العالم من الناحية الاجتماعية والمالية، ونحن نسعى للتخلص من النظم السابقة والمضي قدما، وهذا يعني إحداث اضطراب بمعنى تغيير العالم.

فريق صناعة الـ”هايبرلوب”وهي وسيلة النقل السريعة التي ستكون على شكل كبسولات بين المدن


  • رأس المال الاستثماري.. مثالية خادعة

تبدو الأمور مفعمة بالأمل في وادي السيليكون، لكن خلف المثل العليا في وادي السيليكون ثمة واقع تقليدي للأعمال التجارية والأموال النقدية، هنا تنجذب الشركات بسبب قطاع صناعي واسع وهو رأس المال الاستثماري، أي أصحاب رؤوس الأموال الذين ينفقون على الشركات الناشئة على أمل العثور على شركة تسير على خطى فيس بوك وغوغل.

أما الشركتان الأكثر استثمارا، فهما شركة أوبر، وشركة “آربمي” (ARBME) التي بدأت تحقق أرباحها، وقد لا يكون الربح هو المهم لتلك الشركات بل رؤية الأرباح المحتملة، وهذا يولد ضغوطا هائلة عليها في سعيها لإظهار نمو مستمر، إن رفع عدد العملاء في أسرع وقت أي الإبداع هو شعار الشركات الناشئة.

في مدينة سان فرانسيسكو تظهر المتناقضات واضحة، حيث تجد هناك حافلات تنقل العاملين الذاهبين إلى وادي السيليكون، وفي المقابل هناك طوابير طويلة لأناس فاتهم قطار التطور، ويقفون طلبا للطعام، وفي تلك المدينة نفسها استطاعت شركة أوبر جمع 16 مليار دولار، أنها ليست شركة تأجير سيارات عادية بل هي شبكة نقل ثورية لجعل التنقل بين المدن أسهل وتخفيف الازدحام وخفض التلوث البيئي.

تبدو هذه رؤية مؤسس شركة أوبر “ترفك كلنكس”، إلا أن سلسلة فضائح تمييز ضد المرأة وتسلط أنهت مسيرته كمدير تنفيذي لهذه الشركة التي أسسها عام 2009، وانتشرت في 450 مدينة في 76 دولة حول العالم، لكن ماهي نوعية العالم الذي تبنيه أوبر؟

يجيب عن ذلك رئيس سياسة النقل “آندرا لزبرغ” الذي يرى أن الهدف من أوبر هو الابتعاد عن الواقع الذي يفرض على الجميع قيادة سياراتهم، ففي الولايات المتحدة يتنقل معظم الناس في سياراتهم، وهذا يؤثر على البيئة وتصميم المدن وأماكن ركن السيارات وعدد الوفيات الناتجة عن الحوادث.

وهذا هو التعبير عن مثالية وادي السيليكون التي تظهره كعمل اجتماعي دفع الناس لاستخدام سيارات مشتركة، لكن يرى الصحفي “جيمي بارتليت” المتخصص في مجال التكنولوجيا أن هناك أهدافا أخرى وراء ذلك، وأنه مجرد ادعاء لعمل الخير للبشرية.

أوبر.. الشركة التي أفلست قطاعات كبيرة من الناس، ولم توف بوعودها تجاه موظفيها 


  • انتحار السائقين.. لعبة أوبر الإجرامية في الهند

احتج السائقون التقليديون لسيارات الأجرة حول العالم على أسعار أوبر المنخفضة، إنه اضطراب خاص بوادي السيليكون يسعى إلى تدمير صناعات قديمة وتوفير بدائل أرخص، لكن التكلفة الاجتماعية أعمق بكثير.

ينتقل “جيمي” إلى الهند التي يزيد عدد سكانها عن مليار إنسان، وفي مدينة حيدر آباد بدأت أوبر تعد سائقيها بوظائف مرنة لكن الواقع كان عكس ذلك. لقد جذب إعلان في الصحف لأوبر عن كسب 90 ألف روبية في الشهر “ماهندرا” وهو واحد من أولئك الذين توقعوه مشروعا مربحا، فلقد وعدت أوبر السائقين في الهند بالحصول على نحو 1200 جنيه استرليني بالشهر أي أربعة أضعاف ما يكسبونه.

إن ظاهرة امتلاك سيارة في الهند قليلة، وقد ساعدت الشركة السائقين على الاقتراض، فاقترض “ماهندرا” ما يقرب ثمانية آلاف جنيه لشراء سيارة، ومع زيادة عدد السائقين انخفضت الأسعار.

يقول “ماهندرا” إن الأمر سبب أزمة مالية كبيرة وأصبح عذابا له، وهناك عائلة السائق محمد زهير الذي أضحى وعد أوبر كابوسا له، حيث تراجعت أرباحه بعد التحاقه بأوبر، لقد انضم إلى إضراب السائقين وبعد ساعات اتصل بزوجته يخبرها أنهم لن يعطونهم شيئا، ثم قام بشنق نفسه أمام الشركة التي لم تحرك ساكنا.

بعد ذلك أقدم سائقان آخران على الانتحار. يقول أحد موظفي أوبر -بعد أن طلب عدم ذكر اسمه- إن الشركة ضللت السائقين، مما تسبب بالألم لكثيرين.

شعار وادي السيليكون الاضطراب، ومن خلال الهواتف الذكية والخدمات الرقمية يمكنهم تقديم خدمات أسرع وأكثر فاعلية ويكون الجميع فائزا، لكن خلف هذه المنصة الذكية والمنسقة بشكل جيد ثمة شكل آخر للرأسمالية التي تترك من هم فقراء أكثر فقرا يقبعون في مؤخرة الركب.

“إير بي إن بي” شركة عقارات لا تملك عقارا واحدا ترفع أسعار الشقق بشكل باهظ في المدن السكنية


  • “أير بي إن بي”.. قلب عالم السكن رأسا على عقب

تظهر شركات وادي السيلكون دورا إنسانيا لكنها من أكبر الحيل الدعائية التي قامت في القرن الـ21، فهي تظهر أنها مختلفة ومهتمة بالعمل الاجتماعي وتحسين العالم، لكن الواقع ينطق بعكس ذلك، فمثلا شركة “أير بي إن بي” (Airbnb) العملاقة لتأجير الشقق -التي تبلغ ثروتها 31 مليار دولار- تحاول إيصال فكرة أنهم يسعون لوصل العالم، ورئيس سياسة العالم فيها هو “كريس لاهين” المعروف برجل الكوارث، الذي تمكن من حل فضيحة الرئيس الأمريكي الأسبق “بيل كلينتون” و”مونيكا لوينسكي”.

يقول “كريس لاهين”: نحن نركز على تأسيس مجتمع منفتح من خلال التكنولوجيا، وإن الشركة تقف إلى جانب الأعمال الصغيرة، وإن الخاسر الأكبر هم أصحاب الفنادق التقليدية.

في برشلونة الإسبانية تظهر مشكلة قامت بها تلك الشركة، إذا أصبحت الإيجارات ترتفع في تلك المدينة، وغدا اهتمام المالكين بالسياح أكثر من المواطنين الذين يجبرونهم على الانتقال لعجزهم عن تحمل الإيجار، وكانت هناك مظاهرات للمستأجرين ضد الشركة، وتحاول الحكومة الإسبانية السيطرة على نمو أقامه السياح وترخيص العقارات للإيجارات قصيرة الأمد.

شاحنة ستيفان المزودة بنظام “روزباد” الذي يجعل الشاحنة ذاتية القيادة من خلال جهاز كمبيوتر


  • نظام “روزباد”.. ثورة الشاحنات ذاتية القيادة

إن الاضطرابات التي تحدثها التكنولوجيا ليست جديدة، فعندما طغت الآلة البخارية والكهرباء على المشهد أجبرت الحكومات على التغيير، واستطاع العالم تجاوز ذلك فهل ستكون ثورة وادي السيلكون مختلفة؟

إن هذه الموجة من الاضطراب مختلفة لأنها ستقضي على الطريقة التي تعمل بها الرأسمالية، لذا سيتغير نمط حياتنا جذريا.

هنا “ستيفان” الذي جمع وهو ابن 27 عاما خمسة ملايين دولار للبدء في خطة ستغير المستقبل، لكن “تومي هيوس” هو ضروري لإتمام تلك الخطة، ففي الولايات المتحدة أكثر من ثلاثة ملايين شاحنة لنقل البضائع على الخط السريع، ويزود “ستيفان” شاحنته بنظام “روزباد” الذي يجعل الشاحنة ذاتية القيادة من خلال جهاز كمبيوتر يتحكم في الدواسات وعجلة القيادة، وهو بذلك ينافس شركات تصنع شاحنات ذاتية القيادة من الصفر، إن قيادة الشاحنات توفر دخلا ممتازا للأشخاص الذين لم يكملوا تعليمهم.

يقول “تومي”: إن السائقين ينعتونني بالخائن، إذ يظنون أني سأسلبهم وظائفهم، لكن الفكرة لا تزال تتطلب سائقين في المدن المزدحمة وفي الدخول والخروج من الخط السريع، ويتوقع “ستيفان” أنهم سيصلون للنتيجة المثالية.

لقد استطاع وادي السيليكون أن يغزو العالم وجعله يمشي على خطاه، ثمة سلبيات للذكاء الصناعي وهناك العديد من المشاكل تخطتها البشرية، لكن التاريخ قد لا يكون دليلا على التغلب على الموجة التالية للاضطراب.

“جيرمي هاورد” سخر العقل العميق لتشخيص السرطان من خلال صور طبية وذكاء اصطناعي


  • تطوير الذكاء الصناعي.. عالم الوظائف التقليدية على المحك

في وادي السيليكون يستخدم العاملون البيانات والبرمجيات لتتعلم الآلات كيفية العمل أفضل من البشر، فهناك رائد آخر في عالم التكنولوجيا من بعده ستكون وظائف الجميع على المحك هو “جيرمي هاورد” مؤسس آتليك، ويحاول “جيرمي” في مرآبه تطوير الذكاء الصناعي للآلات، وقد تعلم الصينية ليتعرف على كيفية عمل العقل والطريقة المثلى لذلك، لقد تعلم شيئا صعبا ثم استخدم ذلك في كيفية تعليم الآلة.

الذكاء الصناعي هو أساس شركة آتليك لمساعدة الدول النامية في معالجة نقص الأطباء وأطباء الأشعة، يقول “جيرمي”: اكتشفت أنها مشكلة بيانات، أنا لست طبيبا، ولكني أجيد التعامل مع البيانات.

يستخدم “جيرمي” العقل العميق لتشخيص السرطان من صور طبية، حيث يتعلم البرنامج تحديد الأنماط ويكتشف المشاكل من خلال الاستنتاج الذي تعلمه ويصبح دقيقا جدا، ويحتاج البرنامج الذي طوره إلى 2% من الثانية للنظر لصورة الأشعة المقطعية، إذ يمكنه النظر إلى مليون صورة مماثلة.

أما الإنسان فيحتاج من 10 إلى 15 دقيقة، لذا يمكن النظر إلى مليون صورة مماثلة، ويستخدمون الشبكات العصبية للتعلم بشكل عميق، وهذا يشبه الحدس ويتطور ليصبح كما يفعل الأطباء وخلال شهرين تفوق على أطباء أشعة سرطان الرئة، وهؤلاء الأطباء هم المجموعة الأفضل في العالم، ويرى “جيرمي” أن التعلم العميق سيتفوق على الإنترنت بعشرة أضعاف.

ويستخدم “جيرمي” التكنولوجيا لزيادة فاعلية عمله، ويعتقد أنه من قصر النظر إذا توقعنا أن الآلة ستكون سببا في خسارة الوظائف، لكن سيكون هناك المزيد من الوظائف، ولكن إذا بقينا على حالنا ستمتلك شريحة من الناس المال والبيانات ويصبح الباقون بلا قيمة.

“سام ألتمان” صاحب شركة “واي كومبنيتر” التي تدعم الشركات الناشئة بالمال والمشورة


  • “واي كومبينيتر”.. أفضل طريقة لتوقع المستقبل هي ابتكاره

“سام ألتمان” هو أحد عمالقة وادي السيليكون، فهو قادر على توقع المستقبل للشركات الناشئة، وهو صاحب القرار في تحديد شركات الغد الكبرى، وحصول شركة ناشئة على دعمه أشبه بنيل وسام في وادي السيلكون.

يدير “ألتمان” شركة واي كومبينيتر (Y Combinator) التي تدعم الشركات الناشئة بالمال والمشورة وتقدر شركته بنحو 80 مليار دولار.

ساهم “سام” في تأسيس شركة “لولا” وهو ابن 19 عاما، وبعد ترك الجامعة باع الشركة بأكثر من 40 مليون دولار، وعمره الآن 32 عاما، ويعتقد أن أفضل طريقة في توقع المستقبل هو ابتكاره، ويفكر مليا في مستقبل الأتمتة (جعل الأمور تعمل بطريقة أتوماتيكية) وسيطرتها، ويقول إننا بحاجة لاستراتيجية جديدة وشبكات سلامة اجتماعية.

وهو يقوم بمشروع جديد لدراسة الدخل الأساسي، وماذا يحدث إذا أعطينا الناس المال والمنزل والطعام؟ لكن الصحفي “جيمي بارتليت” يعترضه قائلا بتشاؤم من المستقبل: أين كرامة الإنسان؟

فيجيبه سام أفهم تعلق الناس بالماضي وكرههم للتغيير، لكن هناك أربعون مليون أمريكي يعيشون الفقر، فلماذا لا نخلصهم من العذابات من خلال التكنولوجيا واكتشاف الثروات ومحاولة توزيعها.

جزيرة أوركاس الواقعة على هامش الحضارة الأميركية والقريبة من الحدود الكندية


  • إرهاصات انهيار الرأسمالية.. إلى أين تقودنا التكنولوجيا؟

في جزيرة أوركاس الواقعة على هامش الحضارة الأمريكية والقريبة من الحدود الكندية، يلتقي الصحفي “جيمي بارتليت” بمدير إنتاج سابق في شركة فيسبوك يدعى “أنتونيو مارتينيز”، وهو يخشى من المستقبل الذي يأخذنا إليه التقدم التكنولوجي.

يقول “مارتينيز” إن من سيستمع إلى حديثنا سيظن أننا خرجنا من آلة زمن تدعى رحلة سان فرانسيسكو، ويرى أننا بعد خمس سنوات إلى عشر سنصل إلى تلك المرحلة في العالم، سيكون ذلك أشبه بشاحنة ذاتية القيادة تدهسنا جميعا. ويقول إن هناك أشخاص في وادي السيليكون يشترون أراضي وآبارا وأسلحة تحسبا للقادم.

وقد تنشب ثورات عنيفة وسيكون الوضع لا يطاق والرأسمالية إلى زوال، ويضيف أن الدين الوحيد لخبراء التكنولوجيا هو الكشف عن ذلك لكنهم لا يتحدثون إلى الشعب، والتكنولوجيا في سباق مع السياسة، والتقنيون سيكونون في المقدمة، وسيقضون على الوظائف ويعرقلون الاقتصاد قبل أن يتسنى لنا التفاعل مع الأمر.

التحضير للصمود في وجه هذه الموجة أمر مبالغ فيه وقد تكون موجات الاضطراب خيرا يعم على البشرية، وقد يتحول هذا الوعد من قبل شركات التكنولوجيا إلى كابوس يقض مضاجع الكثيرين، لكن السياسات يجب أن تحكم هذا التطور وتنظمه وفق إرادة المجتمع والناس.


  • “خفايا وادي السيليكون”.. إدارة شطرنج السياسة العالمية

شكل وصول “دونالد ترامب” إلى كرسي الرئاسة الأمريكية صفعة عظيمة وتحديا لآراء النقاد السياسيين واستطلاعات الرأي، ويحاول الجزء الثاني من فيلم خفايا وادي السليكون كشف الطريقة التي استخدمت في فوز الرئيس “دونالد ترامب” ونجاح حملته الانتخابية عام 2016. حيث سنتعرف على قصة رجلين استثنائيين يحملان نظريات متناقضة للعالم والتقدم، أسرار هذه القصة موجودة في مدينة سان أنتونيو في ولاية تكساس.

في تلك المدينة كانت تجري العمليات الرقمية لحملة المرشح الجمهوري للرئاسة “ترامب” عام 2016، وقد ساعده فيها مؤسس فيسبوك “مارك زوكربيرغ” وربما عن غير قصد، ليصبح الرجل الأول في العالم. لقد استخدموا الخوارزميات السرية الخاصة بالناخبين، ورصدوا مواقع التواصل الاجتماعي للشركات التي تعرف عن الأفراد أكثر مما يعرف المقربون إليهم.

هكذا استطاعوا التنبؤ بشخصيات الناس بالارتكاز على ما يحبونه وما يشترونه، وهو توقع دقيق لميول الأشخاص، مثل الدين والذكاء والميول الجنسية، وهذه القوة هي التي تغير السياسة. هكذا يتحرك العالم اليوم بقوة تخريبية تخلق عالما جديدا لا يمكن التنبؤ به، حيث يجري ربطنا بوادي السيليكون، ونغرق في اضطرابات سياسية لا يمكن التحكم بها.

يكس توريك بارتون” الناشط الذي كان يكتب الخطابات لرئيس مجلس إدارة غوغل ومؤسس فيسبوك


  • تغليب القومية على العالمية.. وادي السليكون في مواجهة “ترامب”

تنتقل كاميرا الفيلم، لتصور مظاهرة في وادي السيليكون لأفراد ناجحين وأثرياء وتقنيين، لكنهم غاضبون يزعجهم وصول “ترامب” إلى السلطة، فقد وصل واعدا بالسيطرة على الهجرة، لكن بعض الأثرياء في وادي السيليكون يتحركون ضده، ومن بين هؤلاء” ديكس توريك بارتون”، وكان -قبل أن يصبح ناشطا- يكتب الخطابات لرئيس مجلس إدارة غوغل ومؤسس فيسبوك.

يقول “بارتون”: نحن قادمون للتظاهر ضد من ينظر إلى العالمية مقابل القومية للعالم، وعلى من لا يؤمن بالسياسة الحمائية سواء بخصوص المعلومات أو التبادل التجاري أن يشاركنا.

لكن كيف استطاع ترامب التلاعب بهم؟ يرى “ديكس” أن أذكى العقول، وهم الذين يبنون نماذج الاستطلاعات، هم الأكثر جهلا بما يحدث في العالم.

يرى أباطرة التكنولوجيا أن انتخاب ترامب يهدد رؤيتهم للعولمة والانفتاح، لكن هل من المحتمل أن قدرتهم في ربط العالم هي نفسها التي مكنته من الفوز؟

إن الثورة التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي هي التي أحدثت التغيرات السياسية في العالم، وأصبحت مصدر قلق، لكن كيف وصل عمالقة وادي السيليكون إلى هذا النفوذ بعد عشرين عاما من انطلاقتهم؟

أنطونيو مارتينيز” مدير أحد مشاريع فيسبوك التي تستهدف الإعلانات لأخذ البيانات الشخصية ثم جني المال منها


  • وحش الإنترنت.. وجه الغرب الفوضوي الشرس

بالعودة إلى الوراء كانت المخاوف من الإنترنت التي تشبه الغرب الفوضوي والشرس في أوج قوتها، فوضع قانون عام ١٩٩٦ لتهذيبه بما في ذلك حماية الأطفال من المواد الإباحية، ولكن كان هناك بند لم يتوقع أحد تأثيره وهو مجموعة حريات مدنية للحقوق الرقمية وقد أستند عليه النمو السريع لوادي السيليكون، وينص على أنه لا يجوز اعتبار أي مزود أو مستخدم لأي خدمة حاسوب تفاعلية ناشرا مسؤولا عن أي معلومة يقدمها موقع معلومات آخر.

أي أن أي منصة لا تتحمل مسؤولية ما ينشر عليها، وأن المسؤولية تقع على المستخدم فقط، وتكمن أهمية هذا القانون بضمان الاستمرارية لمواقع التواصل الاجتماعي دون تحمل أي مسؤولية على تلك النقاشات غير المقيدة على الإنترنت.

ونتيجة لذلك غدا ملايين من الناس ينشرون المزيد على الإنترنت، ولم تكن الفكرة متبلورة في البداية لدى أصحاب مواقع التواصل عن كيفية استخدام تلك التسجيلات على الإنترنت وتحويلها إلى ثروات، لكن اتضح ذلك بعد اكتشاف سر دفين حول هذه البيانات.

يقوم “أنتونيو غارسيا مارتينيز” بالكشف عن ذلك السر في فيسبوك، فقد كان يعمل مدير مشروع استهداف الإعلانات وأخذ البيانات الشخصية لجني المال في الفيسبوك وتحقيق الدخل من خلالها، وإذا قمت بشراء أشياء على الإنترنت فسوف ترى أشياء مشابهة لما اشتريت، وأنا من قام بتأسيس هذا العمل حيث يقوم فيسبوك باستهداف الأشخاص المستخدمين للموقع عن طريق الإعلانات، وترشدها البيانات المتولدة عند استخدام الموقع مثل الأشخاص الذين تتواصلون معهم والروابط التي تشاركونها والإعجابات التي تضعونها.

في أمازون يستخدمون بيانات المشتريات التي قمتم بشرائها، أما غوغل فيعتمد على البحث الذي قمتم به، ويستخدمون ما يسمونه بنظام المستهدف، ويمكن للمعلن تحديد فئة معينة من المستخدمين، وهذا الابتكار فتح آفاقا جديدة أمام المسوقين عن طريق معرفة الهوية الحقيقية للأشخاص على الإنترنت من خلال امتصاص أباطرة التكنولوجيا للبيانات وبناء ثرواتهم الكبيرة، وهذا هو النفط الجديد الذي يدفع وادي السيليكون إلى ذروة الاقتصاد العالمي.

الرئيس أوباما: “لولاي لما كان مارك اليوم يلبس بدلة وربطة عنق” كناية عن تشريع القوانين المسهلة لأعمال فيسبوك


  • إدارة الظل.. طعم النقر على الروابط التي تصطادنا

إن أكبر شركة عقارات في العالم لا تمتلك أرضا وهي “إير بي إن بي”، وأكبر شركة سيارات لا تمتلك سيارة وهي أوبر، وأكبر شركة إعلانات لا تنتج اي مادة إعلانية وهي فيسبوك، هؤلاء لا يملكون سوى بيانات يعرفون كيف يديرونها، ويستطيعون إبقاء المستخدمين على الإنترنت أكبر وقت ممكن من خلال الإعلانات، وبالتالي كلما طال المكوث على الإنترنت استطاعوا جمع بيانات أكثر.

في سياتل يلتقي الصحفي “جيمي بارتليت” بأكثر التكنولوجيين حماسة وهو “ناثان ميرفولد” الذي كان يعمل عند “ستيفن هوكنغ” كرئيس تنفيذي للتكنولوجيا بمايكروسوفت، وقد ساعد “ناثان” بالجمع بين “دانيال كهنمان” الرائد في علوم الاقتصاد السلوكي وباقي قادة وادي السيليكون، لقد حضر لهذا الجمع مؤسس أمازون، و”شون باركر” أول رئيس لفيسبوك ومؤسسو غوغل، وكانت الدعوة لهذا المنتجع الجميل في “ناباين” لعدة أيام.

وقد حضر “كهنمان” وبعض علماء الاقتصاد السلوكي، وكانت القضية التي أثيرت بسيطة، لكنها لامعة حول طريقة أخذنا لقراراتنا، ووجد أننا نستخدم طريقتين للتفكير في هذا التفرع الثنائي؛ الأولى هي التي تعتمد على الحدس أو التخمين أو الشعور الغريزي، وهذا التفكير ليس جيدا استخدامه في بعض الأمور، أما الطريقة الثانية فتعتمد على التحليل والأعداد والاحتمالات.

لم يتطرق الاجتماع إلى التصرف السلوكي، ولكن هذه العلوم الجديدة طرحت لمساعدة أباطرة التكنولوجيا في وضع الإعلانات وجعل الناس يتعلقون بها من خلال طريقة التفكير الأولى التي تستخدمها الشركات بطريقة أو بأخرى، والنقر هو الطعم للأشياء التي تجذب الانتباه، ويمكن التلاعب بالنقر للترويج للأشياء بوضع المحفزات.

وتحاول الشركات من خلال توظيف أشخاص أذكياء فهم هذا الموضوع كذلك عن طريق آلات ترصدنا، وتحدد النقرة الطعم التي يمكن اصطيادنا من خلالها، لكن الجديد في الأمر ليس الجذب بل كيفية اتخاذنا لقرارتنا التي تساعد وادي السيليكون على وضع الشكل على الإنترنت، وبالتالي تبقينا مهتمين، وكلما زاد تعلقنا تدفقت الأموال عليهم.

طور الدكتور مايكل استطلاعا على الإنترنت جمع فيه معلومات عن متطوعين في فيسبوك وسلوكهم النفسي


  • موقع فيسبوك.. مطية “أوباما” إلى عرش أمريكا

في عام 2008 قام الرئيس “باراك أوباما” بريادة حملة على فيسبوك وكان منجذبا لـ”مارك زوكربيرغ”، وقد مثلت فلسفة أوباما في العولمة صوتا ملهما في الأمل جعلت وادي السيليكون يدعمه لأنهم يتشاركون الأمل نفسه والنظرة التفاؤلية في حل المشاكل والعمل سويا واستخدام القدرات الجديدة.

إن سياسة فيسبوك لربط العالم أيدت سياسة “أوباما” في عولمة الأسواق الحرة، وأصبحوا يتشاركون معا بشكل متزايد، ويتقاسمون الرؤية نفسها للعالم الحر، ومع فوز “أوباما” لدورة رئاسية ثانية جرى تكريمه في الريادة للسلطة الإقناعية لوسائل التواصل الاجتماعي، لكن على مدى الطيف السياسي كان السباق مستعرا لإيجاد طرق جديدة للفوز.

وبالانتقال إلى جامعة “ستان فورد” في قلب وداي السيليكون حيث منزل العالم النفسي -الذي يقوم بالأبحاث حول حقيقة ما يكشفه فيسبوك من خلال البيانات- الدكتور “مايكل كوزينسكي” المتخصص في التخطيط الشخصي.

يقول د. “مايكل”: في الماضي عندما كنا نريد دراسة الشخصية ونسب الذكاء نعطي الأشخاص مجموعة من الأسئلة، أما اليوم فيمكن معرفة حبك للشعر أو المسرح، لكن لا داعي لطرح الأسئلة لأننا خلال حياتنا نترك الكثير من الآثار الرقمية خلفنا، وهي تتضمن المعلومات نفسها، لذا بدلا من السؤال يمكن النظر إلى تاريخ قراءاتك على أمازون أو قائمة إعجابك على فيسبوك وسنحصل على المعلومات ذاتها.

كان الدكتور “مايكل” يدير فريقا في جامعة كامبريدج وقد طوروا استطلاعا على الإنترنت وجمعوا معلومات عن متطوعين في فيسبوك وسلوكهم النفسي الذي لاقى رواجا واسعا، وقد شارك فيه ستة ملايين شخص، مما سمح لهم بمعرفة الخصال النفسية في البيئة الرقمية وكيفية تحديث السلوك النفسي من خلال البصمات الرقمية.

هذه الخوارزمية يمكنها متابعة ملايين الناس ويمكن رصد الإعجابات واستخراج المعلومات الصغيرة وجمعها للحصول على تعريف دقيق للأشخاص، ومن خلال البصمات الرقمية يمكن تحديد الصفات الحميمية مثل التدين والتوجه السياسي والذكاء والميول الجنسي والصفات النفسية.

إن من يملكون هذه الخوارزميات يمكنهم التحكم بكيفية تفكير الناس وطبيعة سلوكهم ضمن رؤيتهم، وبالتالي التحكم بالبيع والتصويت والكثير من الأمور الخاصة الأخرى في حياتنا، وحينها يصبح العالم مرعبا.

فوز ترامب في الرئاسة كان بدعم الذكاء الاصطناعي الذي طورته شركة كامبريدج أناليتيكا


  • لعبة البيانات الرقمية.. رحلة “ترامب” إلى البيت الأبيض

إن أكبر صدمة تلقاها العالم هو فوز “ترامب” الذي تحدى الاستطلاعات ووسائل الإعلام، والآن تدور المسألة حول حقيقة استخدامه لشركة بيانات مقرها لندن وهي كامبريدج أناليتيكا المتخصصة بالتخطيط الشخصي.

يذهب الصحفي “جيمي بارتليت” إلى تكساس متتبعا أثر تلك الشركة، ليعرف كيف ساعدت “ترامب” في حملته الثورية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي في وادي السيليكون، وقد خاض “ترامب” معركة من خلال استخدامه التكنولوجيا الرقمية.

في سان أنتونيو يلتقي الصحفي “جيمي” بـ”يتريزا هونغ” التي تتحدث للمرة الأولى عن دورها كمديرة للمحتوى الرقمي للحملة -ويدعى مشروعهم “ألمو” نسبة إلى البيانات- فتقول: كان مشروع “ألمو” حاسما، فقد جمع “ترامب” مئات العمال المتمركزين في هذا المبنى منذ أن بدأ بتغريدته الأولى عام 2009، وقتها التقط “ترامب” قوة وسائل التواصل الاجتماعي، فقاموا بالتلاعب على وجوده على فيسبوك حيث كانت تكتب له “تيريزا هونغ” المنشورات، بينما كان حسابه على تويتر ملكه الخاص.

لكنها استطاعت أن تكتب ببراعة بحيث يبدو حقيقيا، كان موقع كامبريدج أناليتيكا في تكساس مجموعة من الحواسيب وكان بمثابة الدماغ للبيانات التي كانت تستخدم معلومات 230 مليون أمريكي من أجل استهداف المتبرعين المحتملين.

“عالم” هو الاسم الذي أعطي لمجموعة ناخبين وجمعت البيانات عنهم، وقسم الناخبون إلى عوالم بحسب اهتماماتهم الشخصية وبعد استخراج البيانات وضعت خطط لتصميم الإعلانات للحملة على الإنترنت، وكانت تستهدف أشخاص بعينهم حسب تحديد البيانات، فبعض الإعلانات مثلا كانت تخاطب الأمهات العاملات المهتمات بأطفالهم.

لم يظهر “ترامب” نفسه في تلك الإعلانات وقد خوطبت الأمهات بطريقة إيجابية ودافئة، وهي أشبه بمقاربات ناعمة، وقد قامت الحملة بنسخ آلاف الإعلانات لجمع التبرعات، وكانوا يراقبون أي النسخ أعطت نتيجة أفضل، وكان يوزع ما يقرب أربعين ألف نسخة يوميا، وقد تكون خفية ولم يلاحظ الناس ذلك، كانت تطلق الحملة مئة إعلان يوميا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، وكان كل الناخبين في أمريكا يمكن الوصول إليهم بلحظة واحدة.

تقول “تيريزا هونغ”: وفد أناس من فيسبوك وغوغل ويوتيوب للعمل معنا لاستخدام المنصات بأفضل فاعلية وتلبية احتياجاتنا، وقد أنفق حملة “ترامب” مئة مليون دولار على فيسبوك الذي حظي بحصة الأسد. وترى “تيريزا” أنك كلما أنفقت أموالا أكثر تحصل على معاملة خاصة، وأن حملة “ترامب” بينت مدى قوة فيسبوك وفعاليته.

كامبريدج أناليتيكا تسببت بإحداث ثورات في طريقة عمل الديمقراطية من خلال توجيه الرأي العام


  • كامبريدج أناليتيكا.. كيف تدير حملة انتخابات ناجحة؟

انتقل الصحفي “جيمي” إلى لندن لزيارة شركة كامبريدج أناليتيكا التي تعرضت لكثير من الاتهامات لكونها قامت بالتنبؤات الشخصية خلال الحملة، ويلتقي “جيمي” بصاحب الشركة “ألكساندر نيكس” الذي يشرح كيفية التعامل مع الحملة حيث كانوا يديرون انتخابات حملة “تيدي كروز”، وعندما خسر “كروز” توجهوا للعمل مع ترامب، ولم يكن الوقت كافيا لنمذجة البيانات الموروثة للحملة، فقد كانت المدة الباقية خمسة أشهر ونصف فقط.

يقول “ألكساندر”: “لم يكن لدينا الوقت الكافي لاستخدام هذه المنهجية الدقيقة مع “ترامب”، ولم نعمل بنماذج محددة، بل قمنا بأخذ النماذج التي قمنا بها من قبل ودمجناها ببعض الأعمال، في البداية استخدمنا بعض الاستطلاعات الهاتفية، ثم استخدمت بعض المنصات على الإنترنت من أجل تجميع الأسئلة، وقد جمع العديد من البيانات.

تقوم شركات مثل كامبريدج أناليتيكا بإحداث ثورات في طريقة عمل الديموقراطية، ويعتقد “ألكساندر” أن التطور نحو إعلان أكثر شخصانية هو أمر طبيعي وهو في ازدياد.

إن كم البيانات في السنوات القادمة سيقوم بإدارة كل الأشياء بما في ذلك الإعلان والتسويق، وسيكون بمثابة التحول النموذجي مقارنة بما بحدث اليوم، وسوف تكون ثورة يسير العالم من خلالها نحو واقع محتوم.

استُقبل فوز “ترامب” بغضب في وادي السيليكون، لكن شركات مثل فيسبوك وغيرها جنت الملايين من الدولارات من خلال مساعدتهم له في الوصول لأعلى سلطة في هذا العالم.

مشورات الدكتور النفسي “جيف هانكوك” مكنت فيسبوك من معرفة الطرق النفسية لدى المستخدم وكيفية اصطياده 


  • ترويج الأخبار الكاذبة.. صناعة التأثير العاطفي لمواقع التواصل

لقد واجهت فيسبوك مشكلة أخرى، وهي الأخبار الكاذبة التي لاحقت “هيلاري كلينتون” وسيطرت على حملتها الانتخابية، وقد وجهت موجة من الانتقادات حول تأثير فيسبوك على الديمقراطية، ويزعم مؤسس فيسبوك “مارك زوكربيرغ” أن من المستبعد أن تكون تلك الأكاذيب أثرت على نتيجة الانتخابات، ولكنه لم يتحدث عن السبب الذي كان وراءها.

أما “جيف هانكوك” الطبيب النفسي، فقد حقق في الجانب الخفي من فيسبوك، وكيف أصبح الموقع سلاحا، أما المفتاح الذي امتلكه الموقع فهو التأثير العاطفي من خلال اختيار أجرته الشركة عام 2012.

يقول دكتور هانكوك: أهم نوع من دراسة العلوم الاجتماعية كانت صفحة الأخبار التي يرتادها ما يقرب 700 ألف مستخدم، فقد جرى التلاعب بها سريا بوضع منشورات إيجابية وأخرى سلبية أكثر، وساعد هانكوك بتحليل تلك النتائج”.

ووجد أنه إذا كان الشخص إيجابيا فسيكتب منشوراته بكلمات أكثر إيجابية وأقل سلبية، أما بالنسبة للمنشورات الإيجابية فستكتب بعبارات إيجابية أقل من السلبية، وهذا ينسجم مع ما يسمى بالعدوى العاطفية، أي أننا جعلنا الناس تكتب بشكل مطابق للمشاعر التي وردت في صفحة تغذية أخبار فيسبوك.

إن العواطف توجه الناس نحو الأخبار الكاذبة، ومن ثم تساعد بنشرها على نطاق واسع، وكلما كان المحتوى عاطفيا زاد انتشاره، ولا يهم إن كان ذلك حزينا أم سعيدا، وهكذا تنتشر الأخبار الكاذبة، ويدعي فيسبوك أنه عطل الحافز الاقتصادي خلف الأخبار الكاذبة عبر إلغاء الحسابات الوهمية، موضحا أنهم ليسوا مصدر تلك الأخبار، مستغلين البند القانوني الغامض.

خسارة “جيريمي كوربن”.. تأثير الفيسبوك على الديمقراطية

يربط فيسبوك أكثر من ملياري إنسان حول العالم من بينهم الناخبون في الغرب، لقد كان فيسبوك مجرد موقع للتواصل بين الأصدقاء وتبادل الصور، لكن خلال عقد من الزمن تحول إلى مؤثر دراماتيكي على طريقة عمل الديمقراطية.

إن السلطات القديمة تتهاوى ومنصات التواصل الاجتماعي هي من تمنح أشخاصا عاديين فرصة للوصول إلى الجمهور، ومن خلال تلك المواقع وقع تحفيز أعداد كبيرة من الناس لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، و”جيريمي كوربن” خسر الانتخابات العامة لكنه حقق مكاسب غير متوقعة.

أما موقع الأخبار السياسية “كناري” فخلال الحملة الانتخابية حصلت مقالاتهم على 25 مليون مشاركة وذلك باستخدام ميزانية ضئيلة. تقول الصحفية “كيري آن ميندوزا” إنهم يحصلون على 85% من القراء عن طريق فيسبوك وهو عدد كبير جدا.

تم تقديم “كناري” كصحيفة موالية لـ”كوربن”، وصممت للتناسب مع مواقع التواصل الاجتماعي، وترى “ميندوزا” أنه يجب عليهم أن يكونوا مقنعين، وكما أن عليهم التعامل مع الحقائق فعليهم أن يعملوا وفق الحدس والولاء والمشاعر والمجتمع أيضا، وتسمح هذه المواقع لذوي الموارد المحدودة بالمنافسة مع كبريات شركات الإعلام التقليدية لجذب الملايين.

إن أباطرة التكنولوجيا يمنحوننا التأثير على العالم وهي سلطة نافذة لا مثيل لها وقد استخدمت من قبل المعلنين، وهي اليوم بين أيدي القوى السياسية بجميع أطيافها لتعطي الفرصة لشذاذ الآفاق والمتطرفين والعابثين بالتلاعب بمشاعر الناس، ولتقود العالم نحو اضطرابات سياسية غير متوقعة ولا يمكن السيطرة عليها.


المصدر: الجزيرة الوثائقية

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.