آلان تورين، نهاية المجتمعات – مقدمة الكتاب –

- ترجمة مصطفى ناجي -

 

  • تقديم ترجمة مقدمة الكتاب

ألف آلان تورين ما يناهز الأربعين كتابا، الخيط الرابط بينها هو محاولة تأسيس نظرية سوسيولوجية جديدة، هي نظرية الفعل الاجتماعي l’action sociale. وهو ما تجلى منذ كتابه سوسيولوجيا الفعل sociologie de l’action الصادر سنة 1965، وانتهاء بكتاب “نهاية المجتمعات”.

وتختلف نظرية الفعل الاجتماعي عن كل من النظرية الوظيفية ( التي تركز على دراسة العلاقات الاجتماعية وعلى آليات الإدماج داخل المجتمع)، والنظرية البنيوية ( التي تهتم بمنظومة التعبير الرمزي). إن نظرية الفعل الاجتماعي تهتم بحركات التحول الاجتماعي، وتنظر للفعل الاجتماعي من زاوية توجهه نحو أهداف، وباعتباره ابتكارا وتجديدا وخلقا للمعنى.

وتشكل سوسيولوجية الشغل عنصرا مركزيا في هذه النظرية . وتستخدم الشغل بمفهومه الماركسي كنشاط يحدث تحولا في الإنسان والطبيعة. وهو تجربة ذات معنى  مزدوج بالنسبة للذات المشتغلة. فهو تعبير عن إرادة المشتغل لخلق أعمال معينة، وعن رغبته في مراقبة كيفية استخدامه منتوجه. يضع تورين يده هنا على الشغل كمبدأ متحكم في تحول المجتمعات. لقد أدت عملية التصنيع إلى تفكيك المجتمعات التقليدية. ومع الحضارة الصناعية ، زالت عوامل الاستلاب الطبيعي، وزالت معها العناصر المتعالية على المجتمع والتي تدعي أنها ضامنة للنظام الاجتماعي.

لقد بنى تورين الحقل النظري لسوسيولوجيا الفعل بالاعتماد على مجموعة من المفاهيم الأساسية: تحليل الذات، الطبقات ، الحركات الاجتماعية… ويرى أن ضرورات الشغل هي التي تساعد الذات التاريخية على بناء النماذج الاجتماعية للسلوكات الإنسانية. وهذه الذات التاريخية جماعية وفردية في نفس الوقت. لكنها لا تتماهى مع ذاتية الفاعلين الاجتماعيين. إنها منظومة لتوجيه الفعل الاجتماعي. إن الفاعلين الاجتماعيين يشاركون في تشكيل الذات التاريخية من خلال مشروعهم الشخصي، ومن خلال هذه المشاركة يقدمون قيما جديدة، ويعيدون النظر في المؤسسات القائمة.

ويمثل كتاب “نهاية المجتمعات” تتويجا لهذا البناء النظري. وفيه يؤكد تورين على أن المجتمعات الغربية تواجه، منذ الأزمة الاقتصادية التي بدأت بوادرها منذ 1929 ثم سنتي 2007 و2008، تفككا للرأسمالية الصناعية ، وبموازاة ذلك تفككت كل المؤسسات الاجتماعية وفقدت معناها: العائلة ، المدرسة، المدينة، أنظمة الضمان الاجتماعي والمراقبة الاجتماعية، المقاولة، النشاط السياسي. ويتساءل موران عن السبب الذي جعل هذه الركائز التي تستند إليها المجتمعات الديمقراطية تختفي في الوقت الذي تستدعي العولمة تقويتها.

لكن هذا الكتاب لا يستسلم لنظرة سوداوية تتوقع الانهيار، بل يستشرف نمط عيش فردي وجماعي مختلف مرتكز على حقوق الإنسان الكونية ضد منطق المصلحة والسلطة.

ويرى تورين أن هناك وقائع تؤكد هذا التوجه الإيجابي. لقد بدأ القرن الواحد والعشرون عمليا سنة 1989 مع انهيار جدار برلين، ثم مع مظاهرات ساحة تيان أنمن  Tian’ anmen بالصين نفس السنة، ووقعت بعد ذلك سنة 2011 أحداث الربيع العربي، ومــظــاهــرات احتلال ساحة وول ستريت بالـولايات الـمـتحدة الأمـريكــيــة ، وحــركة احــتــجاج الســاخطين los indignados  بإسبانيا . ويشير تورين أيضا إلى دلالة شخصية نيلسون مانديلا كزعيم إيتيقي  éthique شديد الشبه بغاندي، والذي حارب نظام الأبارتايد من منظور إيتيقي إنساني كوني، وليس من منظور سياسي أو قومي أخلاقي moral ضيق.

كل ذلك يبين أننا دشنا القرن الحادي والعشرين بحركات اجتماعية ذات مطالب أساسية جديدة، لم تعد مطالب سياسية محدودة بدائرة الدولة وإطارها المؤسساتي، بل مطالب إيتيقية تؤكد على الكرامة الإنسانية في كل مكان، وعلى إعادة الاعتبار للذات التي تحمل سمات مشتركة بين جميع الذوات الإنسانية في كل مكان.

هي إذن نهاية نمط مجتمعي هو المجتمع الاجتماعي الصناعي. لكن تورين يدعو إلى موقف إيجابي يتطلع إلى بديل يتجاوز بؤس الرأسمالية المالية المضارباتية المعادية للمجتمع، ويعيد الاعتبار اللذات الإنسانية في بعدها الكوني. وعلينا نحن أن نتعلم الشروط التي تجعل من الذات الإنسانية صاحبة الحقوق فاعلا إيجابيا قادرا ترويض نشاط اقتصادي أصبح متوحشا.

 

  • نص آلان تورين

أفول الاجتماعي والمجتمعات

اخترت كنقطة انطلاق لتفكيري القطيعة بين الرأسمالية المالية والاقتصاد الصناعي، ليس فقط لأن هذه القطيعة كانت هي السبب المباشر في الأزمة المالية التي عرفت أوجها سنة 2008، ولكن أيضا لأن هذه القطيعة كانت السبب في الأزمة العالمية لسنة 1929 التي شكلت موضوعا حلله باستفاضة اقتصاديو هذه المرحلة، خاصة من اليساريين الألمان المنتمين لجمهورية فيمار Weimar ، وسموه “إمبريالية”. أنا لا أدعي أنني سأقوم بتعديل التحليل الاقتصادي لهذه الأزمة كما قدمه كثير من المؤلفين، وعلى رأسهم جوزيف ستيغليتز Joseph Stiglitz الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2001.

أريد منذ البداية أن أعيد تحديد هذه الأزمة من زاوية  سوسيولوجية. بما أن المؤسسات الاجتماعية تستخدم الموارد المتوفرة لديها، خاصة الموارد المالية، بانسجام مع توجهاتها الثقافية، فإن القطيعة بين الموارد من جهة، والمراقبة المؤسساتية، الثقافية والسياسية لهذه الموارد من جهة أخرى تؤدي إلى تدمير المؤسسات الاجتماعية، وإلى الفصل بين الموارد والقيم الثقافية . ومثل كثير من السوسيولوجيين، فقد انتبهت منذ وقت طويل إلى أن المؤسسات الاجتماعية فــقـدت مـحـتواها، سواء تعلق الأمر بمؤسسة الديمقراطية أو المدينة أو المدرسة أو العائلة أو مؤسسات الرقابة الاجتماعية. بل إنني حللت هذه الوضعية في مجموعها كتجل لنهاية الاجتماعي، وبعبارة أوضح، نهاية المجتمعات. وانطلاقا من هذه الملاحظات، بــحـثت عـن جـواب للـسؤال الـذي أصبح يفرض نفسه بإلحاح: هل يمكن أن نوجه أو نعيد بناء الاقتصاد المالي الذي أصبح متوحشا؟

هناك نوعان من الأجوبة عن هذا السؤال. الجواب الأول ينطلق من ملاحظة ضعف أو زوال المعايير الاجتماعية والأخلاقية، ويستنتج أننا منقادون حتما بواسطة توجهات اقتصادية أكثر مما هي اجتماعية، مثل البحث عن مصلحتنا الخاصة، أو بتوجهات اجتماعية لكنها غير مؤسسية مثل وعينا بالانتماء لصنف اجتماعي أو جماعة أو تنظيم ثقافي أو سياسي. وهذا يؤدي إلى رؤية متشظية،  بل فردانية للوضعية. هذا النوع من الأجوبة هو الأكثر سهولة في الاختيار، وهو الأكثر اختيارا غالبا.

الجواب الثاني، وهو اختياري الشخصي، يبين على العكس من ذلك أن القيم الثقافية هي التي تقوم مقام المعايير الاجتماعية الممأسسة. وهذه القيم غالبا ما تتعارض بشكل مباشر (وقوي) مع منطق الربح والسلطة. هذه القيم أو المبادئ ليست اجتماعية: إنها فوق المؤسسات، بل والقوانين. يمكن أن نعتبرها أخلاقية morales، ولكن هذه الكلمة مشحونة بمعايير اجتماعية وخاصة بالقواعد القانونية. لهذا أفضل أن أسميها إيتيقية éthiques كي أبين أن لها أصولا خارج التنظيم الاجتماعي، وأن محتواها كوني ويفرض نفسه على المؤسسات. وسأعمل على طول هذا الكتاب مرات متعددة على إعادة صياغة المبدأ التالي: إن الحقوق تعلو على القوانين. وذلك ما تم التأكيد عليه بشدة سواء من طرف التقليد المسيحي المتعلق بالحق الطبيعي أو من طرف روح عصر الأنوار.

  • إعادة بناء الصراعات

في كل مكان نلاحظ أن هناك صراعا بين تصورين للتنظيم الاجتماعي يتطابقان مع الجوابين المشار إليهما أعلاه. من جهة أولى، هناك تصور عقلاني بالدرجة الأولى، ويكاد يكون اقتصاديا، للتصرفات المقبولة باعتبارها مفيدة للصالح العام، وهو تصور متولد عن وظيفية السوسيولوجيا الكلاسيكية. ومن جهة ثانية هناك مقاربة تتم من زاوية المقاومة الأخلاقية لمنطق المصالح والسلطة. يتوجس الكثيرون، عن صواب، مما قد يبدو محاولة “لتخليق” السياسة. بل وتخصص بعض الكتاب في الاستهزاء والنقد إزاء ما يسمونه “حق الإنسانوية” droit de l’hommisme ، وهو في نظرهم مذهب متبجح وغير فعال.

ولكن من السهل أن نبين لهؤلاء “الواقعيين” المزعومين المستعدين للانضمام لأي شكل من أشكال الواقعية السياسية أن ما يعتقدون أنهم تخلصوا منه بسهولة هو في الواقع الديمقراطية نفسها، وأن الكونية هي أساس كل الحقوق التي تطالب بها فئات خاصة، وهي حقوق ثقافية واجتماعية خاصة. إن من يسخر من متظاهري ميدان التحرير بالقاهرة، أو من ساحة تيان أنمين Tian’anmen ببكين، أو من مناضلات indignadas بالبويرتا ديل صول بمدريد، أو من الطلبة الشيليين سنة 2011، أو من المتظاهرين الأمريكيين  لاحتلال وول ستريت ( لنحتل وول ستريت Occupy Wall Street) ، أو من الحشد الذي اعترض على إعادة انتخاب بوتين بروسيا، أو من أولئك الذين يقاومون بشار الأسد بسوريا، من يسخر من هؤلاء يجازف مجازفة كبيرة بأن ينعت بمعاداة الديمقراطية. إن الديمقراطيين ليسوا مجرد ضحايا؛ إنهم أيضا مقاومون، معارضون ومناضلون. إنهم يتوفرون على ما يكفي من الشجاعة، وبحوزتهم ما يكفي من الانتصارات مما يجعل أي تهجم على فكرة حقوق الإنسان – وهي الفكرة التي لا غنى عنها كمبدأ أساسي للديمقراطية – تهجما يعرض نفسه لنقد لاذع.

هذا الصراع بين نظريتين وممارستين سياسيتين واقتصاديتين متعارضتين ليس مطلقا. ولو كان كذلك لقاد إلى حرب أهلية، وإلى ثورة وثورة مضادة. لقد كان الأمر كذلك في الماضي في مناطق مختلفة من العالم، وخاصة في أوروبا، ولكنه لم يعد كذلك في العالم الراهن، المتسم بعولمة قوية، سواء في الميدان المالي، الصناعي أو العلمي، وكذا في مجال شبكات التواصل، وفي وسائل الإعلام وفي الاستهلاك الجماهيري.

ما يشترك فيه الجوابان المشار إليهما قبل قليل هو أنهما معا منبثقان من مقاربة تلح على الفاعل أكثر مما تلح على النسق، وبشكل أدق تلح على فاعلين منظورا إليهم من زاوية فرديتهم الخاصة أكثر مما تنظر إليهم من الزاوية الاجتماعية. وهذا أمر يصدق على الفاعلين المهتمين بالبحث عن المصلحة وعن العقلانية الأداتية كما يصدق على الذين يرفعون قبل كل شيء شعار الحقوق في وجه السلطة.

  • الذات ضد الهوية

إن تدمير المجتمع يؤدي إلى تدمير الأنا الاجتماعية، باعتبارها مجموعة من الأدوار التي تقوم بها داخل مؤسسات اجتماعية متنوعة، مثل العائلة، المقاولة والحياة السياسية. لكن هذه الأنا تعوضها أحيانا رغبات فردية تارة، ومبادئ إيتيقية تارة أخرى، إلا أن الهوس بالهوية يحضر بدوره. إن المجتمع الذي تعرض للتدمير والإضعاف غالبا ما يتم تعويضه بعودة دفاعية وعدوانية في نفس الوقت إلى الجماعة. وهي تجربة قوية الحضور في عالم اليوم، حيث تشعر الأمم بأنها مهددة، وحيث تظهر في كل مكان تقريبا حركات رأي (وحتى حركات سياسية)، حركات كراهية الأجانب، حركات عنصرية تبذل جهدا لإقامة الحواجز ضد دخول الأجانب أو تقوم بطرد من ارتكب منهم أخطاء حتى ولو كانت بسيطة، وهو ما يقود إلى وقوع شطط قانوني يتمثل في العقاب المزدوج.

إن التخوف الاقتصادي الكبير الذي يضغط على أوروبا، وبدرجة أقل على أمريكا، يشحذ الخوف والحقد تجاه الآخر الذي لم يعد يُحْكَمُ عليه من زاوية ما يفعل، ولكن من زاوية ما يفترض أن يكون، ومن زاوية “طبيعته” التي يتم تأويلها بلغة أخلاقية وبيولوجية، وخاصة في حالة الغجر. ونحن نعرف جيدا طبيعة “أعداء الحركات الاجتماعية”، بفضل ميشيل فييفيوركا Michel Wieviorka ، ونعرف نتائج أفعالهم التي يمكن أن تصل حد المذابح أو الإعدام دون محاكمة.

إن وصف النعيم أصعب دائما من وصف الجحيم، ووصف الخير أصعب من وصف الشر. ومع ذلك نعتبر أن من مهامنا الأساسية أن نفهم ما هو مجموع الحقوق والمتطلبات التي تشكل الوضع الوحيد القادر على مقاومة ودحر سطوة المال والسلطة، بعد أن ضعفت المؤسسات الاجتماعية. لقد أَطْلَقْتُ اسم “الذات” على هذه المجموعة من القوانين التي يمكن الاستعانة بها من طرف أي فرد أو جماعة يريد أن يشهر مبادئ كونية في وجه أعدائه الذين لا يمكنهم، مهما كانت قوتهم، أن يواجهوه سوى بمبررات ذاتية لشرعنة تفوقهم وسلطتهم. لقد اخترت هذا المفهوم وأنا أدرك أنه شكل موضوع انتقادات شديدة من طرف الماركسيين والبنيويين وأنصار مذهب “الإنسان الاقتصادي”، وهو ما يشكل في وقتنا الراهن عددا كبيرا من الأعداء، وهم على درجة من الشراسة بحيث ساد الاعتقاد لحظة بأن مفهوم الذات سيختفي مع بقايا المثالية الألمانية. وأنا أشير إلى هذه الحركة الفكرية الكبيرة لأن عصرنا يشهد، على العكس من ذلك، عودة من هيجل إلى كانط وإلى كونية عصر الأنوار، مع إعادة تعريفها، لكن مع الإبقاء بقوة على إلهامها الأساسي. إن الذات الموجودة فينا هي ما يمنحنا القدرة والحق لنكون مبدعين، أي لنقوي ولندافع عن قدرتنا على الإبداع وتغيير الطبيعة وتغيير ذواتنا.

إن هذه القدرة حين تصبح واعية بذاتها، يمكن أن تصبح حقا يطالب به الجميع، ولكنها لا تصبح واعية بذاتها إلا في المجتمعات المتجذرة في التاريخ بقوة، أي المجتمعات القادرة على أن تبدع ذاتها وأن تتغير. هذا الإطناب الظاهر يحدد الذات تحديدا جيدا في الواقع، تلك الذات التي يمثل نشاطها دائما تفكيرا، والتي تفهم معنى الأعمال التي يتم خلقها من وجهة نظر مبدعها، مع تعديل وضعية هي ثمرة نشاط الناس (الآخرين). وقد قدم أونطوني جيدنس Anthony Giddens والمجموعة التي كونها بمدرسة لندن للاقتصاد تحليلا جيدا لهذا النشاط الفكري للذات.

ويتجلى نشاط الذات من خلال عمليتين أساسيتين ومتكاملتين. العملية الأولى هي تلك التي أشرت إليها للتو، والتي يعبر عنها بعبارات من قبيل “امتلاك الوعي”. إن كل ما يفصل  ويبعد الفرد أو الجماعة عن انتماءاتهما وعن هوياتهما يفسح الطريق لدخول الذات في هذا الفرد أو هاته الجماعة، وينمي بالتالي قدرتهما على أن يصبحا فاعلين، أي أنه يقوي مسؤوليتهما وحريتهما كمبدعين.

العملية الثانية هي إعادة تأويل تزداد اتساعا لأعمالنا كمنتوج إبداعي. لقد اتخذت الدعوة إلى الكونية في البداية شكلا نضاليا. كان علينا أن ندافع عن العقل ضد المشاعر، وضد الانتماءات والدين، وندافع عن فكرة حقوق الإنسان ضد تراكم المراتب الاجتماعية، الالتزامات والحقوق الخاصة المتعلقة بالمجتمعات التي كانت فيها المراتب الاجتماعية التي تنقل (بالوراثة) أكثر أهمية وقوة من المراتب المكتسبة. ولكن بقدر ما ازدادت قوة الإبداع، خاصة في المجال المعرفي، أصبحت عملية الدفاع عن العقل أكثر تعقيدا، لأنها انفتحت بصورة متزايدة على عناصر لاعقلانية لكن العقل يؤولها. وغالبا ما نذكر فرويد كصورة رمزية لهذه البحوث التي يقوم بها العقل مكتسحا مجالا يبدو بداية أنه يتعارض مع العقل. يحدث ذلك بدرجة تصبح معها أقصى درجات حضور الذات فينا، أي ما نسميه عملية تذييت لنا، هي ما ينير أكثر المظاهر تعقيدا في شخصيتنا وفي حياتنا الاجتماعية، وذلك استنادا إلى العقل والحقوق.

لقد أقمنا قطيعة مع عقلانية متعجرفة وتدعي بسط سلطتها على الثقافات المغلوبة. ومن جهة أخرى فأنا أدرك – وربما بدرجة أعلى – ضرورة وضع قدرتنا على الإبداع في مركز تحليلنا لعصرنا، وهو ما يتيح لنا الانتصار على الهيمنة المدمرة والاعتباطية للمال والسلطة السياسية المطلقة. إنني أقف بقوة في وجه التخلي عن الروح الإبداعية، وفي وجه قبول الانحطاط الذي سَيُسَلِّطُ علينا، في حالة الاستسلام له، أفظع الآلام، آلام الانحدار المتزايد واللامحدود الذي يصعب إيقافه.

هل يجب علينا أن نقبل (أو حتى أن نرغب في) انحدارنا، كتخفيف من إحساسنا بالذنب لأننا أخضعنا قارات هي (اليوم) في قمة نموها، وهو إحساس يستحق مع ذلك تأنيبا أكثر إيجابية لنا ولشعوب هذه القارات على السواء؟

لسنا ملزمين بالاختيار بين عقلانية مهيمنة وغازية وبين رجوع إلى الطبيعة. علينا أن نوحد بقوة متزايدة بين كونية حقوق الإنسان والعقل من جهة، وبين تعدد التواريخ والثقافات، ومتطلبات محيطنا البيئي، والكرة الأرضية نفسها التي تهددها فوضانا وتجاوزاتنا من جهة أخرى. لماذا علينا أن نختار بين التوازن والحركة، بين الكونية والتعدد؟ إنه بإمكاننا، إذا كنا نرغب في ذلك فعلا، أن نعيش جميعا، متساوين ومختلفين، يجمع بيننا الاحترام المتبادل.

إن ما أشعر به، ربما أكثر من غيري، هو التخوف من السقوط المحتمل. ربما يرجع السبب إلى كوني عشت أثناء المراهقة، وأنا في سن الرابعة عشرة، الكارثة التي عرفتها بلادي، وأنني سمعت بإحدى قرى وسط فرنسا إعلان بيتان Pétain عن استسلامه، وأنني شعرت بهذا الخليط من العار والارتياح الجبان من حولي، والذي ظل يلازمني بحضوره المنذر بالخطر، مثل الإعصار. وأرغب في أن تهب علينا رياح التجديد، تلك التي أنعشت عملنا من أجل التحرير.  

أمام عجز الحكومات، وأمام غياب الفاعلين الاجتماعيين، كيف لا نلتفت إلى أنفسنا نحثها على الشجاعة والأمل، وعلى الرغبة في الفعل، وعلى الجهد من أجل الإبداع والتجديد والتحديث؟ فذلك وحده ما ينتشلنا من براثن الضياع الذي قد يقودنا نحو الجحيم، ما لم نتمكن من تجنبه. فكثيرة هي الحضارات التي غطتها الرمال، أو هدمها الغزاة، حين انقسمت إلى ممالك متطاحنة. من المؤكد أن الفشل أو السقوط ليسا قدرا لا مفر منه. ولكن أولئك الذين لا ينظرون بتبصر إلى المخاطر التي تهددنا، يجردوننا من أسلحتنا، ويخدروننا بالألعاب والأخبار العابرة، ويجعلون أعداءنا أكثر جرأة، وهم أعداء يوجدون فينا مثلما يوجدون حولنا.

ليس علينا أن نستنجد بالأسلحة، ولا بالقانون أو بالثورة، وإنما بالوعي بذواتنا، وبالاقتناع بأن أخطر أعدائنا اليوم هو انعدام الوعي لدينا، وهو بحثنا عن أكباش فداء، وهو ضعف إرادتنا للحياة، وهو ضعف حبنا للمساواة والحريات. أنا حذر تجاه تقديس الشباب أو تمجيد الشيخوخة وما راكمته من تجارب. ولن يفيدنا في شيء أن نحتمي بمقولة أو بشخص يرعانا أو يفترض أنه سيرعانا. يجب أن نعطي الكلمة للذات الكامنة في كل واحد منا، فهي وحدها القادرة على أن تجعل منا فاعلين، مبدعين لمستقبلنا ولذواتنا، وذلك حتى تخاطبنا هذه الذات وتحثنا على تحرير مشاريعنا.

  • إرادة الإرادة

إن تغيير طريقة التفكير أو طريقة العيش أصعب من تغيير نظام الحكم أو تغيير نحو اللغة. فمنذ أن أحسسنا بأننا نملك ما يكفي من القوة فما عدنا نتصور أنفسنا كمخلوقات للإله ولكن كخالقين للإله، حينذاك انسقنا وراء فكرة أن نتوارى من تلقاء أنفسنا (متنازلين عن حريتنا في الاختيار)، وأن نتماهى مع أعمالنا، مع آلاتنا، مع قراراتنا السياسية – وخاصة مع معارفنا. لقد اقتنعنا بأن قوتنا تكمن في فكرة الحتمية التي علينا أن نستسلم لها، لأن لغتها ليست لغة المعتقدات أو لغة العواطف الشخصية. (ولكن) كيف يمكن أن نحدد وضعيتنا الراهنة التي أعتبرها اليوم  وضعية ما بعد- اجتماعية أو ما بعد – تاريخية، بعد قرن أو قرنين من تشكل ما سمته كتبنا التاريخية القديمة بالعالم الحديث – العالم الذي ولد مع الثورة الفرنسية كما يقول الفرنسيون، أو مع حركة الإصلاح كما يقول الألمان، أو مع حركة النهضة كما يقول الإيطاليون، أو مع الثورة الصناعية والإمبراطورية البريطانية كما يقول الإنجليز، أو مع استقلال أمريكا كما يقول الأمريكيون، أو مع بداية عصر ميجي Meiji كما يقول اليابانيون – هذا العالم الذي اعتبر هوياتِنا تماهيا تاما مع أعمالنا.

لا عذر لنا لننعزل داخل عاداتنا المحلية بعد أن استنفذنا سحرَ غزو العالم. علينا أن نسلك طريقا معارضا، وهو أن نتشبع بالوعي بذواتنا، وبحقوقنا، وبقدرتنا على التصور، قدرتنا على الكلام، وعلى البناء ورسم المستقبل. كلمة الرسم هي الكلمة التي سأختارها، لأن رساما اختارها هو فاليريو أدامي Valerio Adami  الذي انضم لفيلسوف هو جاك ديريدا، ليعلل ضرورة الرسم وقوته الإبداعية. وربما يكفي أن نقتنع بقوة بأن طريق الفكر وطريق الرسم هي طريق خلق عوالم دائمة التجدد، وذلك حتى نستعيد الرغبة والشجاعة كي ننجح في بناء انبعاث أكثر نجاحا من انبعاث إيطاليا خلال القرن التاسع عشر. إن الإرادة وحدها كفيلة بتشكيل أدوات تحررنا، وأقواها الرغبة في أن نكون أحرارا مبدعين، وأن نحترم حقوق الآخرين بقدر احترامنا لحقوقنا.

إن أفكاري السابقة حول الأزمة الاقتصادية التي هددت بضرب العالم سنة 2008 بنفس قوة أزمة 1929 التي قذفت بنا في أتون البؤس والحرب، قد استرشدت بصمت الفاعلين الاجتماعيين بل بغيابهم، أكثر مما حددتها النتائج الاقتصادية والاجتماعية لانتصار الرأسمالية المالية التي خانت مهامها الاقتصادية. ومنذ ذلك الوقت ازددنا اقترابا من الهاوية بما يكفي ربما كي يدرك من يحكموننا من بروكسيل إلى فرانكفورت ضرورة التدخل. ومنذ ذلك الحين (أيضا) ازدادت وضعيتنا تدهورا مرات عديدة بالمناسبة، لكن رغبتنا في التدخل ازدادت بدورها. ومع ذلك، لم تشرق الشمس بعد على عالم تحركه الإرادة والمعرفة والرغبة في أن ننقل للأجيال التالية عالما متطورا يمتح حب الحياة من استعادتنا لوعينا بأننا خالقو هذا العالم.

  • العالم الواحد والمتعدد

ما هو مطروح بإلحاح على العالم اليوم هو أن يثبت الأوروبيون أنهم قادرون على تنظيم انبعاثهم الخاص. ولكن أوروبا التي سيقومون ببنائها لن تسود العالم. إن هناك بلدانا شاسعة تتحول إلى قوى اقتصادية جبارة. يجب أن نأمل أن تصبح هذه البلدان خلال هذا القرن الذي بدأ بالكاد، صانعة لتاريخها الخاص ولديمقراطيتها ، كما سبق أن حدث ببلدان أخرى خارج أوروبا – الولايات المتحدة، كندا ، الهند، البرازيل وأستراليا – أي أنها ستدخل ضمن عالم الكونية، عالم حقوق الجميع، عالم المساواة والاختلافات المعترف بها والقابلة للتلاؤم مع مساواة الجميع.  

لسنا في حاجة إلى عالم موحد، ولكننا في حاجة إلى فكر يشمل العالم كله، فكر يصل إلى أبعد مدى في القبض على المشاكل، بعيدا عن الرؤية المقارنة التي لن تفيدنا في شيء ما لم ندرك أولا وحدة هذه المشاكل. من المؤكد أنني لا يمكن أن أعالج في حدود كتاب واحد سوى تحولات الفكر وتحولات تجربة العالم. ولكني أتمنى ألا يتأخر آخرون كثيرا عن إتمامه بكتاب ثان يشرح أحسن طريقة لفهم وحدة وتنوع العالم، وكتاب ثالث يستكشف العلاقة بين نهاية الاجتماعي وتحولات الشخصية.

لقد أُنْجِزَتْ خطوة هامة في الميدان الثاني من طرف أمارتيا سين Amartya Sen ونقده لتقييم مستوى العيش، وبالتالي نقده لتحديد الوضعية الاجتماعية للسكان انطلاقا من مقياس وحيد هو معدل الدخل الفردي بالدولار. لقد استخدم إضافة إلى ذلك مفهوم “القابلية للقدرة” capabilité  الذي سبق استخدامه من طرف مارتا نوسبوم Martha Nussbum ومن طرف برنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD)، حيث تبين أن النتائج المحصل عليها تختلف اختلافا بينا حين نأخذ بعين الاعتبار القدرة على الولوج الفعلي لخدمات التعليم، الصحة، العدل، وهو ما بينه جيدا عالم الاجتماع البوليفي فيرناندو كالديرون Fernando Calderón الذي حرر تقارير وطنية بأمريكا اللاتينية لفائدة برنامج الأمم المتحدة للتنمية.

وأرغب أيضا في أن نتقدم بنشاط في الميدان الثالث، عن طريق البحث عن أسباب القدرة على الفعل التي يفتقر إليها غالبا أسرى الفقر والبؤس، دون عائلة ودون سند، والذين يصطدمون بأشكال الإقصاء – وهو ما نراه اليوم أحيانا كثيرة في البلدان الأوروبية أيضا مثلما نراه في بلدان كانت تسمى حتى وقت قريب بلدان العالم الثالث (يجب ألا نحصر هذا التحليل في الأصناف أو البلدان الفقيرة). في البلدان الغنية، نتناول بتلقائية هذه المسألة من زاوية تقدير الذات، وهو مفهوم أرفضه لأنه يقصي من مجال رؤيتنا علاقات الهيمنة والتبعية، في حين أنه يسهل غالبا على شاب محروم أن يشارك في مبادرة جماعية من أجل التغيير، بدلا من أن يشارك في برنامج للإدماج في النظام القائم.

لكن يجب علينا قبل كل شيء أن نغير طريقتنا في وصف الأوضاع والفاعلين. إن العولمة ليست فقط بناء لإمبراطوريات مالية: إن نفس تقنيات التواصل قد انتشرت في العالم كله، وقد اكتشفت البلدان الأوروبية، باستثناء فنلندا، أن الكوريين واليابانيين والصينيين يحققون نتائج جيدة أحسن منهم في بعض الاختبارات المدرسية (مثل بيزا Pisa). وهذا أمر لا يجب أن يفهم فقط كتعبير عن انقلاب في مستويات النجاح بين آسيا والغرب، ولكن أيضا كحاجة مستعجلة لفهم الكيفية التي تتمفصل بها مشاركة الجميع في نفس العالم التقني مع الفروق بين أوضاع اجتماعية تغذيها موروثات ماضية شديدة الاختلاف، ولكن أيضا وبشكل خاص مع الفروق بين العلاقات التي يقيمها الشباب من مختلف الأعمار مع مستقبلهم. لقد تلقينا جميعا تكوينا بواسطة مؤسسات، أنماط تربوية، إيديولوجيات ومسارات للتغير الاجتماعي بنفس الدرجة أو أكثر من تكويننا بواسطة أنماط إنتاج (اقتصادي) أو أنماط عيش. ولكن هذه الإكراهات التي تثقل كاهلنا قابلة للفهم بشكل أحسن إن نحن نظرنا إليها من زاوية القدرة على اتخاذ القرار أو المنع من اتخاذ القرار أكثر مما لو نظرنا إليها باعتبارها نتائج يحددها وضع اقتصادي أو نمط ما من التمدن.

قليلة هي العبارات التي تضاهي عبارة المجتمع الجماهيري في خطورتها. إنها تدعي وصف المجتمعات المعاصرة حيث انتشر التواصل والاستهلاك على نطاق واسع مع الإنتاج الصناعي، وهو أمر حدث منذ منتصف القرن التاسع عشر بأوروبا واليابان. إن المجتمع الجماهيري يمكن أن يعني مجتمعا لا يترك إلا إمكانيات محدودة للاختيار، ويفرض على الشعوب ماضيا وحاضرا ومستقبلا حددتهم النخبة القائدة كما حدث قبل وقت قصير حين كانت الديكتاتوريات العسكرية تأمر البرازيليين بالقول: “أَحِبَّهُ أو غادِرْهُ”. في مقابل هذا الواقع المزعوم، أظن أن ما هو مستعجل بالنسبة لنا هو أن نبحث عن إمكانيات الفعل الموجودة، حتى ولو كانت محدودة. يمكننا أن نكتشف القدرة الحقيقية على الفعل المتاحة لأكبر عدد من الناس إذا آمنا بوجودها، وخاصة إذا كان لدينا نحن الرغبة في أن نتصور الفعل الممكن حيث لا يرى الآخرون سوى الخضوع الحتمي. هذا الموقف يجب ألا يتقهقر ليصبح إيديولوجيا أو خطابا أخلاقيا، ولكن أن يطبق كمنهج للعمل من أجل معرفة كل أنماط الأفراد والأصناف. يجب أن نبحث عن الذات في أي فرد لأنها توجد داخله كحاجة كونية للحرية والمساواة.

إن العالم الحالي يشهد على أن القدرة على الفعل، التي تستلزم دائما وسائل جماعية، هي اليوم أكبر من أي وقت مضى، حين كان العالم كله أو أغلبه مكبلا بقيود كل السلط، من سلطة العائلة إلى سلطة الدولة. لقد أصبحت هذه القدرة على الفعل محفزة بكل أنواع النشاط والرغبة في التحرر، بالوعي بالذات وبالآخرين وبحقوق الجميع وبالرسائل التي تتجاوب مع بعضها من أقصى العالم إلى أقصاه وبشكل فوري.

إن الذين يعرفون بوجود هذه القوى التحررية منذ زمن بعيد ليسوا في حاجة إلى تقديم دروس للآخرين. يجب على العكس من ذلك أن يشعروا بالتضامن مع أولئك الذين يخوضون صراعات مماثلة لتلك التي خاضوها هم من قبل، والتي تعلموا منها أن يواجهوا القيود الأكثر ثقلا بالقوى التحررية للوعي بحق كل فرد وحق الجميع في الحرية والمساواة.

  • دواعي تأليف هذا الكتاب

انتهى عصر، وتنذر نهايته بالخطر على الشعوب المنحدرة من البلدان الأقدم تصنعا. لقد أصبحت مهددة بالفوضى والعنف واليأس. ولكن يمكنها أيضا أن تبتكر توجهات ثقافية جديدة، إيتيقا جديدة، ويمكنها أن تخلق – بدرجة تضاهي أو تفوق غيرها-  نوعا جديدا من الفاعلين الذين يحركهم وعي بالذات أكثر مباشرة وأكثر شفافية مما كان عليه الأمر في وضعيات تاريخية أخرى.

أنا لا أتحدث هنا عن ماض بعيد ولا عن مستقبل غامض. إنني أتحدث كمؤرخ للحاضر، وكسوسيولوجي عن تغيير شديد العمق تعرفه الأوضاع الاجتماعية.

يمكن أن نلخص التحولين الأساسيين اللذين نعيشهما كالتالي. هناك أولا التحول الذي أشرت إليه من قبل: إنه القطيعة بين جزء كبير من الرأسمالية المالية وبين الأشكال الجديدة للنشاط الاقتصادي- وهي وضعية حددها البعض بأنها رأسمال دون شغل أو شغل دون رأسمال. وهو ما يدمر المؤسسات الاجتماعية، ويفرض علينا تجنيد قيم إيتيقية ضد هيمنة المضاربة المالية. وأهم هذه القيم هي ما أسميه الذات التي تضم وتتجاوز الدفاع عن الحقوق السياسية الاجتماعية والثقافية. إن الذات، حين يستنجد بها الفرد أو الجماعة، تسمح لهما بالتصرف كفاعلين أحرار ومبدعين.

التحول الثاني على نفس الدرجة من الأهمية. فبعد الهيمنة الطويلة للغرب الذي قدم تاريخه الخاص كمرادف للحداثة، نشهد اليوم رفضا لكل نموذج وحيد، وهو أمر يحمل في طياته خطر إخضاع الحداثة، وهي محايدة بالتعريف، لمصالح ومعتقدات الحكام. كيف يمكننا في هذه الشروط أن نعطي الأولوية من جديد للحداثة الكونية؟

إذن، ما هو الهدف من هذا الكتاب في نهاية المطاف؟ لماذا كتبته؟ من السهل أن أعلل مخاوفي. إن العالم وأوروبا، وفرنسا خاصة، قد تعرضوا لأزمة اقتصادية خانقة. صحيح أننا أفلتنا من الكارثة بفضل مبادرة ماريو دراغي Mario Dragui رئيس البنك المركزي الأوروبي (BCE) الذي خول لهذا البنك سلطات أوسع مما كان مقررا له، وبذلك تمكن من كبح هجومات السوق المالي على الأورو – وخاصة  “الفروق السعرية ” الشهيرة spreads التي كانت الأسواق المالية تفرضها على البلدان ذات الاقتصاد الهش، أي تلك التي لا توفر نفس الضمانات التي توفرها ألمانيا، أكثر التلاميذ نجابة. أما الآن وقد فرضت أوروبا نفسها بقدراتها الذاتية كفاعل أساسي، فإنه يبقى على البلدان الأوروبية أن تستغل مجال العمل الذي أتاحه لها البنك المركزي الأوروبي. فهل ستكون قادرة على ذلك؟ لقد أفرطت أغلب هذه البلدان في الاقتراض منذ 2008، وهي تبحث اليوم عن تخفيض عجز ميزانياتها وأعباء ديونها. ففي حالة فرنسا، لم تستطع الحكومة الحالية في الشهور الأولى من حكمها، سوى أن تزيد في العبء الضريبي، وأن تخفض من ميزانية كل الوزارات، وأن تخلق في الشهور الأولى على الأقل، جوا معاديا للمقاولات. (كذلك) لا المملكة المتحدة ولا إسبانيا توفرتا على المدى القصير، على مخطط اقتصادي مشجع، ولم تعط المؤسسات الدولية أي مصداقية لتفاؤل فرانسوا هولاند حين أعلن أنه سيغير منحنى البطالة أواخر سنة 2013. وتؤكد على العكس من ذلك أن فرنسا تعيش في الواقع حالة ركود منذ خمس سنوات. أما الناخبون الإيطاليون فقد أدانوا ماريو مونتي Mario Monti وفضلوا عليه بيب غريو Beppe Grillo وسيلفيو بيرلوسكوني. وقد كان الرئيس جيورجيو نابوليتانو  الذي أعيد انتخابه محظوظا حين حظي بثقة المجلسين من أجل تكوين حكومة يسيرها برلماني من اليسار المعتدل.

في مثل هذه الوضعية، أليس من الخطير والمفارق أن نقترح تحليلا غير اقتصادي لوضعية عامة لها أسباب اقتصادية واضحة؟

في كتاب صدر حديثا (بعد الأزمة، 2010)، ركزت الاهتمام على غياب أو اختفاء كل الفاعلين الاجتماعيين، وعلى الصمت الذي يهيمن على الحياة السياسية. منذ ذلك الحين، شهدنا بفرنسا يقظة للمطالب في القطاعات التي تغلق فيها المعامل أبوابها وترتفع فيها نسبة البطالة. ولكن هذه المطالب تسير نحو التوقف، فلا المقاولات ولا الحكومة تتوفران على الموارد التي تمكنهما من التفاوض. إن صياغة سياسات إنعاش الاقتصاد تزداد صعوبة شهرا بعد آخر. قد لا يصدقني أحد إذا أكدت أن تحليلاتي حول الأسباب العميقة للأزمة الاقتصادية أولا، وحول طبيعة الحركات الاجتماعية الجديدة والفاعلين الاجتماعيين والسياسيين الجدد ثانيا، وحول حظوظ العودة إلى الديمقراطية في عالم تهيمن عليه منذ نصف قرن أو يزيد أنظمة وطنية متسلطة ثالثا، من شأنها أن تسمح لنا باستعادة التحكم الاجتماعي والسياسي في اقتصاد ازداد عولمة، ففقد بسبب ذلك وظائفه الاقتصادية الخالصة، ولم يعد له من هدف سوى مراكمة الأرباح. سأسمح لنفسي بالقول إن الاقتصاد العالمي الذي أصبح اليوم مجردا من بعده السياسي والاجتماعي لا يستطيع تجاوز الفوضى والعنف إلا إذا ظهر فاعلون جدد، وحددنا أهدافا للعمل ذات أولوية، ونضج من جديد في مجالات مختلفة من الحياة الاجتماعية نوع من الثقة في إمكانية الفعل وفي القدرة عليه.

من المؤكد أنني لا أزعم أن تحليلا سوسيولوجيا يكفي وحده لإنقاذنا من الكارثة التي أغرقتنا فيها بعض السياسات الاقتصادية. ومن الصعب أن نتخيل، في الوضع الراهن للقوى الاجتماعية، أن رأسمالية المضاربات والمكافآت المفرطة لرجال المال يمكن تصحيحها بقرارات سياسية. ولكنني أعرف في المقابل أن بعض الإصلاحات العميقة لا تصبح ممكنة إلا إذا وجد أولا فاعلون “واعون ومنظمون”.

ومن الضروري، كي يتكون مثل هؤلاء الفاعلين، أن يسضيئوا ويسترشدوا بتفكير عميق في العالم الذي يجب أن يفعلوا فيه.

  • المقول والمسكوت عنه

قبل أن أدعو القارئ إلى الدخول في عالم هذا الكتاب، يجب أن أشرح وعيي الحاد بالتناقض الواضح الذي أواجهه. إن تاريخ القرن العشرين يبدو متناقضا مع القيمة المركزية التي أمنحها لموضوعات مثل الحرية، العدالة، الحقوق، الذات، الكونية، المساواة، الحركة الاجتماعية، التحرير، التضامن، الوعي، الاحترام، الغيرية، الاعتقاد وأشياء أخرى كثيرة. كيف نمنع ذاكرة هذا القرن القائمة على الحديد والدم من أن تلغي ما يبدو كـ “مشاعر خيرة”، دون تأثير فعلي في الأحداث؟

لكي أبرز مبادرتي، والتي أعي جيدا التشويش الذي تخلقه، فإنني أضع نصب عيني ألبوم صور على شكل مكعب، وضعه ونشره بروس بيرنار Bruce Bernard ضمن منشورات فيدون نهاية سنة 1999: ألف صورة تبرز مختلف أطراف العالم، وجميع مظاهر الحياة الجماعية والشخصية، وتقدم، بل تفرض علينا صورة للقرن العشرين. الحرب، الأهلية أو العسكرية، الموت، العنف،التطرف، كلها أمور توجد في كل مكان، وضحاياها أيضا، كما لو كانت تصرفات الناس مع بعضهم تتم تلقائيا بواسطة الإبادة والإهانة والكراهية. صحيح أننا ونحن نقلب هذه الصفحات تدريجيا نجد صورا لمانديلا وغاندي وتشي غيفارا ومارتن لوثركينغ، ولكن الموت والسجن كان لهم بالمرصاد.

إن الإنتاج والاستهلاك الجماهيريين في مجتمعاتنا قد ازدادا تجبرا، وألغيا العاطفة من الحياة اليومية، فاكتسحت المأساة الحياة العمومية. ولكن ألا تحيلنا هذه الحقائق الكثيفة والعنيفة على رسالة أخرى؟ ألا تجعلنا هذه الصور نشعر بحضور لما هو ضد السلطة والمال والسلاح؟

كلنا نعرف رجالا ونساء كانوا ضحايا هذا العنف، ولكننا نعرف أيضا آخرين كثيرين، ضحايا أو غير ضحايا، لحياتهم طعم آخر ولون آخر وإن عاشوا غالبا في الظل.  

كلما ازدادت قوتنا التكنولوجية، العسكرية ، السياسية والاقتصادية، بدا عالم الأشياء والأفعال منفلتا من أي رقابة، وفرضت علينا نفسها بقوة فكرة أن “العالم الحقيقي” هو ذلك الذي يصارع لا من أجل تحرير قوته، ولكن ليستعيد معنى أفعاله. يبدو لنا أن هذا الصراع لا ينتهي. ومن كثرة ما نرى من أجساد تعرضت للإبادة، نشعر وكأن هناك عيونا وأصواتا تحيط بنا، لم تستسلم جميعها للصمت.

أليس من واجبنا أن ننصت لأولئك الذين يتكلمون، أولئك الذين يحملون في ذواتهم الاحترام والحب للآخرين، ويحملون الأمل والشجاعة ليكشفوا بواسطة حركة أو كلمة إيمانهم بكرامة أولئك الذين ليسوا أبدا مجرد ضحايا؟

  • البحث عن سياق تاريخي

شهد القرن التاسع عشر سقوط ملوك. أما القرن العشرون الذي استهل بمذبحة انتحارية لمواطني البلدان الغربية الأكثر “تقدما” على المستويين الاقتصادي والسياسي، فقد تحول، خلال المرحلة التي افتتحتها الثورة السوفييتية، إلى مجموعة من الحركات الاجتماعية- حركات نسوية، حركات تحرر وطني ونزع الاستعمار- وهي الحركات التي تجندت ضدها من جهة أولى، أنظمة قومية استبدادية،  ومن جهة أخرى أنظمة دكتاتورية باسم البوليتاريا، سرعان ما تحولت إلى دكتاتوريات تمارس على البروليتاريا (ص30)).

إن الرأسمالية الغربية التي اهتزت بسبب أزمة 1929 لم تنقذها سوى التحولات العميقة التي فرضتها الدول والشعوب التي تجندت لمواجهة النازية بعد 1945. ولكن بعد عقود من التقويم الاقتصادي والاجتماعي، تعرضت الرأسمالية الصناعية في أغلب البلدان الغربية لأزمة مالية جديدة، سبقتها حوادث خطيرة، وتلتها أزمات نقدية وحالات ركود أو انحسار وإضعاف للمؤسسات الاجتماعية.

مع بداية القرن الحادي والعشرين، تآكل النموذج المثالي لمجتمع صناعي يجمع بين التحديث الاقتصادي والتكنولوجي، وتدخل الدولة وتقدم العدالة الاجتماعية. إن الفكر نفسه أصبح عاجزا عن الإجابة عن الحملات التي تدمر وتشوه الحركات الاجتماعية. لقد حول كل من جون راولس John Rawls ويورغن هابرماس Jürgen Habermas التجربة الإيجابية للديمقراطيين الاجتماعيين إلى نظرية فلسفية، وصاغا نظريات “اجتماعية” حول مفهوم العدل، وهي نظريات تتطابق جيدا مع نوايا المصلحين، ولكنها لا تمتلك القدرة على إيقاف القوة المتوحشة للديكتاتوريات المسلحة ولا انهيار مجتمعات الرفاهية التي اكتسحتها الأزمات الاقتصادية المتصلة.

ومثلما أعطت الحركات العمالية شكلا جديدا للسلطة وللصراع ضدها وللسياسات الإصلاحية، فإننا نعيش اليوم بداية عهد جديد. إن السلطة وحركات التحرر ومشاريع الإصلاح لم يعد بإمكانها أن تكون سياسية كما في القرن التاسع عشر، ولا أن تكون اجتماعية كما في القرن العشرين. لقد تجاوزنا الرأسمالية والاشتراكية الصناعيتين، كما خرجنا من قرن يتسم بالحركات القومية والجمهورية. إن تفكيرنا في الموضوع يجب أن يشغل مفاهيم مستمدة من السوسيولوجيا، لكن عليه أيضا أن ينظر للموضوع في سياقه التاريخي. إن الرأسمالية الصناعية لم يتم تعويضها، ولكن تم توسيعها بما يمكن أن نسميه رأسمالية شمولية تعطي أشكالا جديدة لكل مجالات حياتنا: التواصل، الاستهلاك، الجنس بل كيفية اشتغال الفكر نفسه، بقدر ما غيرت مجال إنتاج البضائع الصناعية.

ونحن في خضم هذا الاضطراب العام، لم يعد بمقدورنا أن نستعين مباشرة بإصلاحات جديدة. فهذا الأمر سيكون من مهام النصف الثاني من قرننا هذا أو القرن الذي يليه. ففي بداية القرن الحادي والعشرين هذا، وغداة أزمات متعددة، علينا، أولا وقبل كل شيء، أن نعين ونحفز ونفهم حركات التحرر التي من شأنها أن تجند فينا وعيا بذاتنا قادرا على أن يقاوم بنجاح الهيمنة المعممة على أفعالنا من طرف من بيدهم سلطة أصبحت اقتصادية وسياسية وثقافية في نفس الوقت، وهي حركات تشبه تلك التي قضت على الملكيات المطلقة، والتي قاومت الأنظمة الرأسمالية فيما بعد، سواء الرأسمالية الخاصة أو رأسمالية الدولة. ليس الحل هو أن نستعين – بالدرجة الأولى – بروح العدل داخل المجتمع، بل أن نستعين بالوعي بأنفسنا كذوات تمتلك حقوقا كونية قائمة على حريتنا، ومتعالية على القوانين نفسها، كي ندافع عن أنفسنا على أعلى المستويات، وأكثرها فردية أيضا، ضد كل أشكال التبعية.

لقد عشنا قبل وقت قصير انتفاضات ضد الهيمنة الغربية. والآن علينا أن نمنح الديمقراطية التي ولدت بالغرب حياة جديدة، كي تتمكن من مقاومة كل السلط المستبدة في كل أنحاء العالم.

نهاية عصر المجتمعات الذي عوض عصر الدول، وتحول الحركات السياسية والاجتماعية إلى صراعات كونية تسائل الشخصية وتسائل في نفس الوقت التنظيم الاقتصادي والمؤسسات الاجتماعية، وبدايات – صعبة حقا – لإعادة بناء تقوم على ما سميناه منذ بدايات الحداثة حقوق الإنسان الكونية: تلك هي السمات الأساسية للمرحلة التاريخية التي نعيشها، والتي يجب علينا أن نفعل فيها، وهي التي سيحاول هذا الكتاب الآن أن يفهمها.


(Alain Touraine, la fin des sociétés , ed. du Seuil, 2013, pp. 11 -32)

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!