
تُعدّ مدرسة كوبنهاغن اللسانية (The Copenhagen School of Linguistics) أو ما يُعرف بـ”الدائرة اللغوية في كوبنهاغن” إحدى أبرز المدارس التي أسهمت في تطوير الفكر اللساني البنيوي والوظيفي خلال القرن العشرين.
تأسست هذه المدرسة على يد لويس هيلمسليف (Louis Hjelmslev) وفيغو بروندال (Viggo Brøndal)، وشكّلت، إلى جانب مدرستي جنيف وحلقة براغ، أحد الأعمدة الثلاثة الكبرى التي أرست الأسس النظرية لعلم اللغة البنيوي الحديث.
- النشأة والسياق التاريخي:
انبثقت مدرسة كوبنهاغن في ثلاثينيات القرن العشرين، في سياق التحولات الفكرية التي أعقبت أعمال فردينان دو سوسور، والتي مهّدت لظهور تيارات جديدة تسعى إلى فهم اللغة كنظام شكلي قائم على العلاقات الداخلية بين عناصره.
كانت الدائرة اللغوية في كوبنهاغن ملتقى للباحثين المهتمين بالتحليل البنيوي للغة، وقد اتخذت من جامعة كوبنهاغن مركزا لنشاطها العلمي. أسهم كل من هيلمسليف وبروندال في بلورة رؤية متكاملة حول اللغة باعتبارها نظاما للتعبير والمحتوى، يمكن تحليله في ضوء علاقات الشكل والمعنى.
- هيلمسليف ونظرية “علم المصطلحات” (La Glossematique):
يُعد هيلمسليف المؤسس الفعلي للمشروع النظري لمدرسة كوبنهاغن. فقد سعى إلى وضع إطار صوري Formal Framework لفهم اللغة باعتبارها نظاما من العلاقات، لا مجرد أداة للتواصل.
وقد عرض رؤيته في عملين أساسيين:
- Prolegomena to a Theory of Language (مدخل إلى نظرية اللغة)
- Essais Linguistiques (مقالات لغوية)
أطلق على مشروعه النظري اسم علم المصطلحات (Glossematics)، وهو نظام تحليلي يقوم على ثنائية المحتوى والتعبير، مع السعي إلى بناء نحوٍ عامّ يمكن تطبيقه على أي لغة بشرية.
ركّز هيلمسليف على ضرورة الفصل بين الشكل والمادة، معتبرا أن اللغة هي شكل لا مادة، أي أنها شبكة من العلاقات المجرّدة التي تنظم المعنى داخل نسق منظم.
- بروندال والمنحى المنطقي للغة:
أما فيغو بروندال، فقد ركّز على الجانب المنطقي والفلسفي للغة، متأثرا بالتقاليد المنطقية واللغويات القديمة. رأى أن دراسة اللغة لا تنفصل عن دراسة الفكر، وأن النظام اللغوي يتضمن عناصر تركيبية وعلاقات دلالية يمكن تفسيرها من خلال المنطق.
لكن، رغم اشتراكه مع هيلمسليف في الهدف العام، إلا أن خلافات نظرية عميقة فصلت بينهما؛ فبينما ركّز هيلمسليف على الصورية البحتة، انحاز بروندال إلى المقاربة المضمونية التي تبحث عن المعنى من خلال البنية الدلالية.
- من البنية إلى الوظيفة: التحول في أواخر القرن العشرين:
بعد وفاة هيلمسليف سنة 1965، تراجع تأثير النظريات الصورية الخالصة لمدرسة كوبنهاغن، لكن إرثها الفكري ظلّ قائما. وفي أواخر الثمانينيات، شهدت المدرسة تجديدا فكريا تمثّل في تأسيس مدرسة القواعد الوظيفية الدنماركية (Danish Functional Grammar) سنة 1989، بقيادة باحثين مثل بيتر هاردر وإليزابيث إنغلبيرغ بيترسن وفرانس جريجرسن.
هدفت هذه المدرسة الجديدة إلى دمج الرؤية الصورية لهيليمسليف مع المنظور الوظيفي المستلهم من اللسانيات المعرفية والتداولية، مستفيدة من أعمال اللغويين الدنماركيين الكبار مثل أوتو يسبيرسن وبول ديدريكسن.
المبادئ النظرية الأساسية لمدرسة كوبنهاغن:
- اللغة نظام من التعبير والمحتوى مترابطان عبر علاقات شكلية.
- اللغة شكل لا مادة، فهي شبكة علائقية لا تُختزل في الصوت أو المعنى.
- غياب التطابق الفردي بين الشكل والمعنى، إذ تتجزأ العلامة اللغوية إلى مكونات أصغر.
- تحليل اللغة من الداخل بوصفها نظاما قائما بذاته، لا مجرد أداة للتعبير.
- الاهتمام بالتجريد والبحث في العلاقات البنيوية التي تنظّم النظام اللغوي.
- الانتقال من البنيوية إلى الوظيفة في المرحلة الحديثة، مع دمج البعد التداولي والاجتماعي في التحليل اللغوي.
الإرث العلمي والتأثير المعاصر:
تمثّل مدرسة كوبنهاغن اليوم أحد الجسور الفكرية بين البنيوية الكلاسيكية والاتجاهات الوظيفية الحديثة. فقد أثّرت أعمالها في تطور السيميائيات، واللسانيات المعرفية، وتحليل الخطاب. كما أسهمت في بلورة مفاهيم لا تزال حاضرة في الفكر اللغوي المعاصر، مثل العلاقة بين الشكل والمضمون، وفكرة النظام المغلق للغة، والنظر إلى التواصل كنظام من العلامات.
- خاتمة:
منذ تأسيسها، ظلت مدرسة كوبنهاغن اللسانية علامة فارقة في مسار اللسانيات الأوروبية. بين الصرامة الشكلية لهيلمسليف والمنحى الفلسفي لبروندال، استطاعت هذه المدرسة أن تؤسس لنظرية لغوية متماسكة تمهّد للربط بين التحليل البنيوي والوظيفي، بين اللغة كنظام واللغة كـفعل تواصلي حيّ. ولا تزال مقارباتها النظرية تُستعاد اليوم في إطار الدراسات السيميائية وتحليل الخطاب وتاريخ الفكر اللساني.
- المراجع:
- Hjelmslev, Louis. Prolegomena to a Theory of Language. Madison: University of Wisconsin Press, 1961.
رابط التحقق عبر Internet Archive - Hjelmslev, Louis. Essais Linguistiques. Copenhagen: Nordisk Sprog- og Kulturforlag, 1959.
رابط التحقق عبر Archive.org - Brøndal, Viggo. Essais de linguistique générale. Copenhagen: Munksgaard, 1943.
رابط التحقق عبر Bibliothèque nationale de France (BnF) - Fischer-Jørgensen, Eli. Trends in Structural Linguistics. Copenhagen: Munksgaard, 1966.
رابط التحقق عبر Internet Archive - Harder, Peter. Functional Semantics: A Theory of Meaning, Structure, and Tense in English. Berlin: Mouton de Gruyter, 1996.
رابط التحقق عبر De Gruyter Online - Harder, Peter. Dansk Funktionel Grammatik. Copenhagen: Museum Tusculanum Press, 2006.
رابط التحقق عبر جامعة كوبنهاغن - Engberg-Pedersen, Elisabeth, et al. Content, Expression and Structure: Studies in Danish Functional Grammar. Copenhagen: John Benjamins, 1996.
رابط التحقق عبر John Benjamins Publishing - Gregersen, Frans. “The Copenhagen Tradition in Linguistics.” Annual Review of Anthropology, Vol. 15 (1986): 93–110.
رابط التحقق عبر JSTOR - Nørgård-Sørensen, Jens. “Functional Linguistics in Denmark.” Linguistics and Philosophy 22, no. 5 (1999): 453–478.
رابط التحقق عبر SpringerLink - Copenhagen Linguistic Circle – University of Copenhagen. Official Website.
https://lingvistkredsen.ku.dk/