الفـرَّاء

- أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء -

 

ولد العالم أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء مُنتصف القرن الثاني الهجري، وتوفي أوائل القرن الثالث، وتحديداً كان مولده عام 144 ووفاته عام 207ه.

كان مولده بالكوفة من أصل فارسي، وكان أبوه مولى لقبيلة عربية انتسب إليها كثير من الصحابة وغيرهم، وهي قبيلة بن منقر، ونشأ كما نشأ أولاد الفقراء يأخذ حقه من الحياة بالجهد والتعب، ويفرض شخصيته على الزمن فرضا، ولم ينتبه التاريخ إلا والفراء شابٌّ يشهد له أقرانه بنفاذ الذهن متوقد الحاضرة، يتوقع له من لقيه من العلماء مستقبلاً حافلاً في دنيا العلوم..!

تلقى علوم اللغة على الإمام الكسائي وهو عمدته وأحد أساطين النحو، كما أخذ عن أعراب وثق بهم وأخذ كذلك عن يونس بن حبيب، غير أن تعلقه بأستاذه الكسائي فاق كل تصور، فكان لا يفارقه في سفر أو حضر، يسامره ويحاوره ويذاكره ويدارسه، وبعد أن امتلأ من علم الكسائي، تصدر للتعليم والمناظرات بكل الثقة مع أعلام اللغة في عصره، لترتفع أسهمه لدى الخاصة وطالبي العلم..!

وجد طريقه إلى مجالس الخلفاء العباسيين، التي كانت لا تخلو من الأدباء والفقهاء والنحاة وغيرهم، وكثيراً ما كانوا يعهدون إلى هولاد لتربية أبنائهم، ولذلك اتخذ الفراء مكانه في مجلس المأمون بجدارة ومكنة لا ينال منها شيء من التماع غيره من علماء الزمن، فقد كان على باب المأمون ثمامة بن الأشرس المعتزلي،

فلما قدم عليه الفراء قال: فرأيت أبهة أديب، فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحراً، وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيجاً وحده، وعن الفقه فوجدته رجلاً فقيهاً عارفاً باختلاف القوم، وبالنجوم ماهراً وبالطب خبيراً، وبأيام العرب وأشعارها حاذقاً فقلت له: من تكون؟ وما أظنك إلا الفراء. فقال: أنا هو. فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون فأمر بإحضاره لوقته، وكان هذا سبب اتصاله به..!

ولما صار المأمون يستقبله بمجلسه كان يظاهر عليه غيره من الحضور المناظرين له في النحو واللغة، غير أنه كان يتفوق عليهم ويقطعهم جميعاً، وربما كان المأمون يتبع هذه الطريقة لاستنفار القرائح واستفزاز الحفائظ لإثراء الجلسة وتنوير العقول بما لدى الفراء من حذق وسعة اطلاع..!

وكما ذكر الخطيب أمره المأمون بتأليف كتاب جامع لأصول النحو وما وصل إليه من لغة العرب، وأخلى له غرفة من غرف داره ووكل به خدما وجواري يقومون بما يحتاج إليه، حتى لا تتشوق نفسه إلى شيء، حتى إنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة، وأحضروا له الوراقين والكتبة فيملي وهم يكتبون حتى صنف الكتاب في عامين..!

وبعد أن فرغ الفراء من تصنيف كتاب (الحدود) في العربية، قال لأصحابه يوماً: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتاباً في القرآن الكريم، وجعل لهم يوماً، فلما حضروا خرج إليهم. وكان في المسجد رجل يؤذن للصلاة، وكان من القراء، فقال له: اقرأ، مبتدئاً بفاتحة الكتاب، ففسرها. ثم مر في الكتاب كله على ذلك، يقرأ الرجل ويفسر الفراء. قال الراوي: «وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء المعاني، فلم نضبطهم، فعددنا القضاة ـ وحدهم ـ فكانوا ثمانين قاضياً».!

وأدهش المأمون هذا الكتاب العظيم، الذي استهوله القراء والمفسرون، ونال ثناءهم وإعجابهم حتى قال قائلهم: «كتاب المعاني كتاب لا يمكن لأحد أن يزيد عليه» فكانت الرغبة شديدة في نفس المأمون، والظروف مواتية، بأن يدفع بولديه إلى الفراء ليلقنهما النحو والصرف ويغرس في نفسيهماالتأدب،

فما كان من الفراء إلا أن يكون بمستوى المسؤولية التي أنيطت به وإليه، فلم يبخل على هذين الحدثين بجهد، ولم يضن عليهما باهتمام، حتى صارا شديدي التعلق باستاذهما، لا يأنسان إلا إلى قربه ومعسول أحاديثه، فضلاً عما كانا يكنان له من إجلال واحترام..

فقد نهض يوماً إلى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعله يقدمانها له، فتنازعا أيهما يقدمها، فاصطلحا أن يقوم كل واحد منهما فرداً، فقدماها، وكان المأمون له على كل شيء صاحب خبر، فرفع ذلك الخبر إليه، فوجه إلى الفراء من استدعاه، فلما دخل عليه قال: من أعز الناس؟!

قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين.. قال: بلى، من إذا نهض يقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد منهما ان يقدم كل له فردا، قال: يا أمير المؤمنين لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها، وقد روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه: «أنه أمسك للحسن والحسين ـ رضي الله عنهما ـ ركابيهما، حين خرجا من عنده،

فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما وأنت أسن منهما؟! فقال له: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذووا الفضل، فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعتباً وألزمتك ذنبا، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع قدرهما، وبين عن جوهرهما، ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيراً عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه ووالده، ومعلمه العلم، وقد عوضتهما بما فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلا درهم على حسن أدبك.!

قال عنه الخطيب البغدادي في معرض حديثه عن معاني القرآن لأبي عبيد،: «وكذلك كتابه في معاني القرآن. وذلك أن أول من صنف في ذلك ـ أي في معاني القرآن ـ من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنى، ثم قطرب بن المستنير، ثم الأخفش، وصنف من الكوفيين الكسائي، ثم الفراء. فجمع أبو عبيد من كتبهم، وجاء فيه بالآثار وأسانيدها، وتفاسير الصحابة والتابعين والفقهاء».!

وكتاب معاني القرآن للفراء، والذي وضعه الفراء تلبية لدعوة أحد أصحابه وهو عمر بن بكير، والذي كان منقطعاً إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء قائلاً: «إن الأمير حسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن، فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولاً، أو تجعل في ذلك كتاباً أرجع إليه فعلت.. فكان أن أملى هذا الكتاب..!!

واتفق الكتاب على أن راوي كتاب معاني القرآن هو محمد بن الجهم السمري، وكان الفراء يملي في المجلس ويكتب الحاضرون، ويبدو أن السمري كان له مزيد عناية بالكتابة، وكان ملازماً للمجلس، فكان يدون، ونسبت رواية الكتاب لذلك إليه، وعسى أن يكون الفراء يطلع على ما يدون ويقره، وكان الكتاب ينسخ في حياة الفراء،

فهي نسخة السمري فيما يظهر ـ هذا ما قاله محققاً كتاب معاني القرآن، السيدان: أحمد يوسف نجاتي، محمد علي النجار، في تقديمهما للنسخة المطبوعة والتي نشرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ على أن هناك نسخة أخرى لم تشتهر.. ففي تاريخ بغداد عن محمد بن الجهم: «كان الفراء يخرج إلينا وقد لبس ثيابه في المسجد الذي في خندق عبويه،

وعلى رأسه قلنسوة كبيرة فيجلس فيقرأ أبو طلحة الناقط عشرا من القرآن، ثم يقول له: أمسك. فيملي من حفظة المجلس، ثم يجيء سلمة بن عاصم من جلة تلامذة الفراء ـ بعد أن ننصرف نحن، فيأخذ كتاب بعضنا فيقرأ عليه ـ أي على الفراء ـ ويغير ويزيد وينقص. فمن هنا وقع الاختلاف بين النسختين».!!

والسمري هذا الذي روى هو أبو عبدالله محمد بن الجهم بن هارون الكاتب، والسمري نسبة إلى سمر: بلد بين البصرة وواسط. وقد ولد في حدود سنة 188، وكانت وفاته سنة 277 وله تسع وثمانون سنة، ومن هنا نعلم أنه صحب الفراء وهو شاب صغير في مقتبل فترة الشباب، فقد مات الفراء وله تسع عشرة سنة، إذ كانت وفاة الفراء سنة 207ه.

وقد أثنى العلماء على الفراء، فقال عنه ابن الأنباري أبو البركات ـ صاحب كتاب «البيان في إعراب غريب القرآن» من علماء القرن السادس الهجري ـ لو لم يكن لأهل بغداد من علماء إلا الكسائي والفراء، لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس. وقالوا: النحو للفراء، والفراء أمير الأمراء في النحو.

ويقول أبو العباس أحمد بن يحيى: لولا الفراء لما كانت العربية، لأنه حصنها وضبطها. وقال السيوطي: كان متديناً متورعاً، على تيه وتعظم وعجب.. وربما كان هذا الوصف من السيوطي متضمناً شيئاً من المبالغة، لأنه شبيه بالذم، وربما يكون الداعي إلى مثل هذا الظن، هو انعدام النظير، وكثرة إصابته وجه الصواب، عند خلو الساحة من الخصوم..!

وقال ابن خلكان: كان أبرع الكوفيين، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، إذ كان في اللغة بحراً، وفي الفقه عارفاً، وفي الطب خبيراً، وبالنجوم ماهراً، وبأيام العرب وأشعارها حاذقاً..! وقال الدكتور عبدالله محمد جمال الدين: ويحدثنا التاريخ بأن أهل الكوفة امتازوا بالفقه والحديث والقراءة ثم تعاطوا النحو بعد أن بات بينهم وبين البصريين شأو بعيد. ودراسة النحو في الكوفة إنما تبدأ بعد الكسائي، فهو إمام مدرسة الكوفة، وفي رأي آخر أنهما الكسائي والفراء، رئيسا المدرسة،

وإليهما يعزى تأسيسها وتنظيم منهجها، وبهما يبدأ تاريخها وإذا كان الكسائي قد وضع أسس هذه المدرسة الجديدة، وجمع لها مادة درسها، ورسم المنهج الذي يعتمد عليه إنشاؤها، فإن الفراء قد تكفل بإتمام البناء وتعهد المدرسة بالنحو، وأعاد النظر فيما جاء به الكسائي،

فأخذ منه ما يتفق مع طبيعة المدرسة، وبنى منهجها على أساس علمي جديد وهو منذ البداية في كتابه معاني القرآن يضع أساساً لقاعدة قياسية، فيقول: «الكتاب أعرب وأقوى في الحجة، لأنه جاء من عند الله، بلسان عربي مبين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..!

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!