
لا يمكن مقاربة مفهوم الأدب بوصفه معطى ثابتا أو تعريفا مغلقا، لأن الأدب نفسه كيان تاريخي متحوّل، يتغير بتغيّر الثقافات والأنساق الفكرية والذوق الجمالي. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى التصورات النظرية الكبرى التي حاولت الإمساك بجوهر الأدب، وفي مقدمتها أعمال تزفيتان تودوروف، الذي انشغل طيلة مساره الفكري بسؤال: ما الأدب؟ وما الذي يجعل نصا ما أدبيا دون غيره؟
تزفيتان تودوروف، المفكر الفرنسي من أصل بلغاري، لم ينظر إلى الأدب باعتباره مجرد نوع من الكتابة الجميلة، بل بوصفه ظاهرة ثقافية مركّبة تتقاطع فيها اللغة، والتخييل، والبنية، والوظيفة، والتاريخ. ومن هذا المنطلق لا يمكن فهم مفهوم الأدب إلا من خلال تحليل الأجناس الأدبية، لأن الأجناس ليست مجرد تصنيفات شكلية، بل هي التعبير الحي عن كيفية وجود الأدب ذاته.
- الأدب: مفهوم حديث لكيان قديم:
رغم أن الممارسات الأدبية ضاربة في عمق التاريخ الإنساني، فإن كلمة “أدب” بمعناها الحديث في اللغات الأوروبية لم تستقر إلا في القرن الثامن عشر. قبل ذلك، كانت النصوص الشعرية والقصصية والأسطورية والدينية تعيش داخل أنظمة معرفية مختلفة، دون أن تُجمع تحت مظلة مفهوم موحد اسمه الأدب. هذا التحول يعكس انتقال المجتمعات من أنماط تفكير بدائية، تقوم على المزج بين الصورة والمفهوم، إلى أنماط أكثر تجريدا، تفصل بين القول ووظيفته.
غير أن هذا المفهوم الحديث لم يأتِ ليحسم الأمر، بل فتح بابا جديدا للإشكال. فمع تنوع الأشكال التعبيرية في العصر الحديث، صار من العسير التمييز بدقة بين ما هو أدبي وما هو غير أدبي. هل النص العلمي الخلاق أدب؟ هل السيرة الذاتية أدب؟ هل المقال الفلسفي أدب؟ هذا الاضطراب هو ما دفع النقاد والمنظرين إلى البحث عن معايير جديدة، لا تقوم على الموضوع وحده، بل على زاوية النظر إلى النص.
- بين الوظيفة والبنية: اختلاف زاوية الرؤية:
يمكن النظر إلى الأدب من منظورين متكاملين: منظور وظيفي، ومنظور بنيوي. المنظور الوظيفي ينطلق من السؤال: ماذا يفعل النص؟ ما أثره؟ ما غايته في المجتمع؟ هل يعلّم؟ هل يقنع؟ هل يؤثر؟ أما المنظور البنيوي فيسأل: كيف يتشكل النص؟ ما نظامه الداخلي؟ كيف تُبنى علاقاته اللغوية والدلالية؟
البنية، بهذا المعنى، ليست كيانا جامدا، بل شبكة من الوظائف. والوظائف بدورها لا توجد إلا داخل بنية. الفرق بين الوظيفي والبنيوي ليس فرق موضوع، بل فرق زاوية نظر: الأول ينظر من الخارج إلى أثر النص، والثاني ينظر من الداخل إلى نظامه.
- الأدب بين المحاكاة والتخييل:
من الخصائص الأساسية التي نُسبت إلى الأدب عبر تاريخه خاصية المحاكاة، أي تمثيل الواقع بالكلام. لكن هذه المحاكاة ليست نسخا فوتوغرافيا للعالم، بل إعادة بناء رمزية له. ولهذا سرعان ما ارتبط الأدب بمفهوم التخييل. فالنص الأدبي لا يُقاس بمعيار الصدق والكذب كما هو الحال في الخطاب العلمي أو التاريخي، بل بمعيار الانسجام الداخلي والقدرة على الإيهام.
علماء المنطق المعاصرون يؤكدون أن النص الأدبي لا يخضع لمعيار الحقيقة المرجعية، لأنه خطاب تخييلي بالأساس. وهذا لا يعني أنه كذب، بل يعني أنه يعمل داخل عالم خاص له قوانينه. من هنا يصبح السؤال: هل كل تخييل أدب؟ الجواب: لا. فليس كل ما هو تخييلي يُعد أدبا، كما أن بعض الأشكال التخيلية، مثل الأسطورة أو الحكايات النفسية عند فرويد، لا تُدرج دائما ضمن الأدب إلا بشروط خاصة.
وفي المقابل، لا يمكن الجزم بأن كل الأدب تخييلي بالمعنى البسيط. فالشعر، مثلا، لا يوصف عادة بأنه “تخييلي” أو “غير تخييلي”، بل يوصف بأنه تأملي أو انطباعي، أي أنه يشتغل على تجربة داخلية أكثر مما يشتغل على بناء عالم قصصي متخيل.
- الفنية: من تقليد الطبيعة إلى استقلال العمل الفني:
في القرن الثامن عشر ساد تصور يرى أن الفنون الجميلة تقوم على مبدأ تقليد الطبيعة الجميلة. لكن هذا التصور سرعان ما بدا قاصرا. فليس كل ما هو جميل في الطبيعة يصلح أن يكون فنا، وليس كل فن مجرد نسخة محسّنة من الواقع. مع مفكرين مثل كورتيس ونوفاليس، بدأ يظهر تصور جديد يرى أن العمل الفني يبرر وجوده بذاته، لا بما يحيل عليه خارجا.
الجميل، في هذا المنظور، هو ما يكون مكتفيا بذاته، قائما بقيمته الداخلية، لا بوظيفته النفعية. والأدب، بناء على ذلك، كلام غير أداتي، أي ليس وسيلة لغاية خارجية، بل غايته كامنة فيه. ولهذا قال نوفاليس إن الأدب “تعبير للتعبير”، أي إن اللغة فيه لا تُستخدم فقط لتقول شيئا عن العالم، بل لتقول نفسها.
هذا التصور دافع عنه الرومانسيون الألمان، ثم الرمزيون، ثم انتقل إلى التيارات الحديثة مثل الشكلانية الروسية والنقد الجديد الأمريكي. فصار التركيز على “الوظيفة الشعرية”، أي على الطريقة التي تُبرز بها اللغة ذاتها داخل النص.
- من الجميل إلى الشكل فإلى البنية:
مع تطور النظرية الأدبية، تحوّل مفهوم الجميل إلى مفهوم الشكل، ثم إلى مفهوم البنية. ديدرو ربط الجميل بالنظام، لأن النظام يجعلنا ندرك العمل بوصفه كيانا قائما بذاته. ثم جاء الشكلانيون ليؤكدوا أن أدبية الأدب تكمن في شكله، أي في الطريقة التي تُنظم بها اللغة. وبعدهم جاء البنيويون ليعمّقوا هذا التصور، فرأوا أن النص الأدبي نظام من العلاقات الداخلية، لا مجرد مجموع عناصر منفصلة.
في هذا السياق يصبح للأدب لغة منهجية خاصة، لا لأنها تختلف في مفرداتها عن اللغة اليومية، بل لأنها تستخدم اللغة بطريقة مختلفة: تجعلها موضوعا للتأمل، وتلفت الانتباه إلى بنيتها، وإلى علاقاتها الداخلية.
- طبيعة اللغة الأدبية عند ويليك وفارن:
في كتاب “النظرية الأدبية”، ميّز رينيه ويليك وأوستن وارن بين ثلاثة أنماط لاستخدام اللغة: الاستخدام الدارج، والاستخدام العلمي، والاستخدام الأدبي. اللغة الدارجة تهدف إلى التواصل المباشر، والعلمية تهدف إلى الدقة والإحالة الواضحة، أما الأدبية فتمتاز بالغنى الدلالي، والتداعي، والغموض النسبي.
اللغة الأدبية ليست شفافة بالكامل، أي إنها لا تمررنا مباشرة إلى المرجع، بل تجعلنا ننتبه إلى طريقة القول نفسها. وهي متعددة الوظائف: قد تحيل على العالم، وقد تعبّر عن ذات الكاتب، وقد تؤثر في القارئ، لكنها في الوقت نفسه تبرر وجودها بذاتها، لأنها تُقيم قيمتها في بنيتها الخاصة.
- خلاصة:
يتضح من هذا المسار أن الأدب لا يمكن اختزاله في تعريف واحد. إنه محاكاة وتخييل، وظيفة وبنية، جمال وشكل، خطاب يحيل على العالم وخطاب يشتغل على ذاته في آن واحد. ولذلك فإن السؤال “ما الأدب؟” لا يملك جوابا نهائيا، بل يظل سؤالا مفتوحا، يتجدد بتجدد الأجناس، وتحوّل الأذواق، وتغير السياقات الثقافية.
وهنا تكمن قيمة تصورات تودوروف ومن سار على خطاه: أنهم لم يبحثوا عن تعريف جامد للأدب، بل عن فهم ديناميكي له، يرى فيه كيانا حيا، تتقاطع فيه اللغة، والتاريخ، والتخييل، والبنية، في شبكة معقدة تجعل من الأدب أحد أعمق أشكال التعبير الإنساني.