التحصيل اللغوي عند الطفل

0

 

يكتسب الطفل انطلاقا من احتكاكه اليومي بأفراد محيطه مجموعة متنوعة من السلوكات اللغوية، تساهم في اندماجه بشكل نشيط وفعال في مجتمعه، وترتقي به من شخص يعتمد في التعبير عن شعوره وحاجاته على الصراخ والحركات إلى استعمال الألفاظ وبعض العبارات اللغوية التي تنمو لديه بالتدريج. وقد اهتم اللغويون بلغة الطفل وعملوا على دراستها وتتبعها منذ الولادة إلى بلوغ سن التمدرس، فاستخلصوا أن عملية التحصيل اللغوي عنده تتم عبر مراحل متتابعة ومتداخلة، يمكن تحديدها في ما يلي:

  • مرحلة الصراخ أو الأصوات الوجدانية:

تبدأ هذه المرحلة بصيحة الميلاد المألوفة التي تعتبر دليلا على امتلاك الطفل ملكة التكلم وقدرته على التصويت. وتحدث بفعل اهتزاز أوتار الحنجرة نتيجة مرور الهواء بقوة عبرها، ثم تتوالى الصيحات بعد ذلك وتتعدد. وتعتبر الأصوات الوجدانية كالأصوات المعبرة عن الإحساس بالجوع أو الخوف أو السرور كالبكاء أو الضحك أول ما يُصدر عن الطفل، وتكون في بداياتها فطرية يتم إصدارها بشكل غير إرادي، لكن مع تكرارها وبتأثير أفراد محيطه تكتسب دلالة، فتصبح عملا إراديا مكتسبا يعمد إليها لتلبية حاجاته. وينبغي الإشارة هنا إلى أنه يصعب تصنيف الصيحات بحسب وظيفتها التواصلية، فنصنفها إلى صرخة الجوع، وصرخة التألم، وصرخة الانزعاج أو الخوف…

  • مرحلة المناغاة:

يقوم الطفل في هذه المرحلة بترديد بعض المقاطع الصوتية بشكل إرادي كنوع من التمرينات النطقية، يهدف عن طريقها اكتشاف الدعائم الصوتية للغة محيطه، وتتشكل من صوامت وصوائت مثل: آآآ….بابابا.. أو ماماما…أو دادادا…. “وتعد الحروف الصائتة أكثر عددا في مناغاة الطفل من الحروف الصامتة، وأول ما يتلفظ به منها تلك التي يكون مخرجها تجويف الفم الأمامي، أما التي يكون مخرجها تجويف الفم الخلفي فإنها تتأخر في الظهور. وأما الحروف الصامتة، فإن الذي يظهر منها هي حروف الحلق واللهاة، وهي تخالف الحروف الصائتة من حيث نشوئها، إذ تظهر في أقصى تجويف الفم، ثم تتلاحق من الخلف إلى الأمام كلما نما الطفل وكبر.[1] إن أول ما ينطقه الطفل من الصوامت هي الحروف الحلقية اللينة مثل (ع-غ)، ثم تتوالى بشكل متدرج إلى أن يصل إلى نطق الحروف الشفوية مثل (ب- م). ويجد الطفل في هذه التمرينات النطقية متعة ولذة، لذلك يعمد إلى تكرارها وترديدها باستمرار، كما أنه لا يكتفي بالاستماع لنفسه، بل يهتم أيضا بالأصوات التي يسمعها في محيطه.

ويبدأ الطفل في نهاية هذه المرحلة بشحن ذاكرته بمجموعة من الألفاظ التي يعي دلالتها، لكنه لا يستطيع محاكاتها، فإذا طلبت منه مثلا الإشارة إلى شعره يستطيع تحديده بدقة، لكن نطقه للفظ الدال عليه يكون غير ناضج، أي أنه يفهم بعض ما يسمع ولا يقدر على نطق كل ما يفهم. كما تتحول المناغاة من اللعب اللغوي الذي لا معنى له إلى التمرن على نطق أصوات موسومة بالصبغة الاجتماعية بتدخل أفراد محيطه اللغوي.

  • مرحلة التقليد والمحاكاة:

تظهر هذه المرحلة ما بين الشهر التاسع ونهاية السنة الأولى، وتستمر إلى السنة الثالثة حسب وتيرة النمو اللغوي للطفل. وفي بدايتها يحاول تقليد بعض الأصوات التي يسمعها في محيطه، وتتسم محاكاته لها بالتحريف في مرحلة أولى، وهنا يبرز دور الأسرة في تصويب نطقه إلى أن ينطقها بشكل سليم. ونشير إلى أن تدخل الراشدين يتم بواسطة لغة وسيطة بين لغة الأطفال والكبار لتذليل الصعوبات النطقية من جهة، وتشجيعه على التقليد والمحاكاة من جهة ثانية، أي أن التقليد يحدث في الاتجاهين معا؛ تقليد الطفل للراشدين وتقليد الراشدين للطفل. هذه الطريقة تيسِّر اندماجه بصورة أفضل في محيطه اللغوي، وتُشجعه على الاحتكاك به. ويصبح الطفل في هذه المرحلة سجين صوته، يتلفظ كلمات ويرددها بشكل مستمر نتيجة إحساسه بلذة الاهتزازات في جهازيه الصوتي والسمعي، وبهدف ترسيخها في ذاكرته، ولا يتحرر من ترديدها إلا بعدما تثيره كلمة أخرى أو سلوكا آخر من السلوكات التي تقع في محيطه. وتتخذ المحاكاة لدى الطفل أشكالا مختلفة نوجزها في ما يلي:

  • يحاكي الكلمات التي يسمعها في محيطه بشكل مُحرَّف في البداية، ثم ما يلبث حتى تستقيم له باعتماده على التكرار وتصويب الراشدين له، ومن مظاهر هذه الأخطاء نجد:
  • يُغيِّر الأصوات المتقاربة فيما بينها فينطق( تُرَة) عوض (كُرَة) و (سَعْر) عوض (شَعْر).
  • يقلب مواقع الأصوات، فيجعل السابق لاحقا واللاحق سابقا فيقول( امْسُو) عوض( اسْمُو).
  • يقوم بما يسمى بالتفاعل الدائري عن طريق تقليد نفسه؛ حيث يجنح إلى تكرار بعض المقاطع الصوتية بغية تثبيتها في ذاكرته، ولإحساسه بالمتعة عند سماعها.
  • يُقحِم بعض الأصوات المرسخة في ذاكرته عند محاولته التلفظ بكلمات جديدة ومحاكاتها، فنجده مثلا يدخل المقطع الصوتي (با) في نطقه لكلمة (كِتَاب) فيقول (بَاب)، وهذا ما يسمى ب”آثار العادات اللغوية”.
  • يحذف الحروف الساكنة ويعوضها بحروف اللين نتيجة حضورها بشكل أكبر في جهازه الصوتي، فينطق كلمة (كاب) بدل (كَلْب).
  • يكتفي في بعض الأحيان بالمحاكاة الموسيقية للكلمة دون التلفظ بأصواتها.
  • لا يقتصر على محاكاة الأصوات اللغوية، بل يعمد كذلك إلى تقليد أصوات الأشياء والحيوانات ومظاهر الطبيعة.

وتجدر الإشارة إلى أن اكتساب الأصوات اللغوية يتم وفق ترتيب معين. ويختلف هذا الترتيب من طفل إلى آخر، إلا أنه يخضع عامة لعاملين أساسيين هما:[2]

  • وجود فونيمات في اللغة يصعب التلفظ بها أكثر من غيرها، فتتم زيادة هذه الوحدات الصوتية إلى قائمة الفونيمات المكتسبة في مرحلة لاحقة، لاكتساب غيرها من الفونيمات التي يسهل التلفظ بها.
  • أهمية الفونيمات من حيث تواترها أو ورودها في الكلام، فتظهر بعض الأصوات الصامتة مثلا متأخرة في لغة الطفل، لا لأنه يصعب التلفظ بها، بل لقلة ورودها في سياق الكلام.

وتسير محاكاة الطفل للكلمات ببطء في الأشهر الأولى، فتنحصر في بضع كلمات، مع قدرته على فهم معظم ما يسمعه، ثم تأتي بعد ذلك لحظة تنحل فيها عقدة لسانه، فيبدأ باستخدام ألفاظ جديدة في متن لغته بوتيرة سريعة، وهذا ما يثير دهشة والديه والمحيطين به. كما تصبح مرحلة التقليد اللغوي عنده أكثر ضبطا ودقة، فيتمكن من محاكاة كل ما يسمعه، وإن عاقه طول الجمل والعبارات في بعض الأحيان. ولا يقتصر على محاكاة ما يُطلب منه فقط، بل يحاكي كل ما يسمعه بقصد أو بغير قصد، وينصبّ اهتمامه على النبر والتنغيم، فيعمد إلى محاكاة الجمل الاستفهامية والتعجبية والطلبية.

  • مرحلة تعلم المفردات:

لا يمكن فصل هذه المرحلة عن سابقتها، فهما متداخلتان، فحين يبدأ الطفل بتقليد الأصوات التي يسمعها ويحاكيها فهذا بحد ذاته تعلم. وينصب اهتمامه في المرحلة الأولى على تعلم المحسوسات المحيطة به كأسماء الأشخاص والأشياء، ثم ينتقل تدريجيا إلى التجريد فينفتح على تعلم الأفعال والضمائر والروابط في مرحلة لاحقة.  وتنمو الحصيلة اللغوية عند الطفل في هذه المرحلة على الشكل التالي:[3]

السنوات

أقسام الكلام

الثانية

الثالثة الرابعة الخامسة السادسة

الأسماء

62 110 131 158 180

الأفعال

18 33.5 39 45 43

الضمائر

6.5 13.5 14 13.5 13.5

الظروف

7 14 16 16.5 15

حروف الجر

2.5 6 8 8 8.5

 

إن ما نلاحظه انطلاقا من هذا الجدول أن الاكتساب اللغوي عند الطفل يركز في بداياته على اكتساب الأسماء الدالة على الأشخاص أو الأشياء أو الحيوانات أكثر من الأفعال والضمائر والظروف والحروف، وذلك بسبب عدم قدرته على استيعاب دلالة الألفاظ المجردة، كما أنه في المراحل الأولى يتواصل مع المحيطين به بواسطة الكلمة المحسوسة، فإذا أراد شيئا ما فإنه يكتفي بنطق اسمه. ويأخذ نماء الحصيلة اللغوية وتطورها بعدين أساسيين هما:” بعد كمي مرتبط بزيادة عدد المفردات والتراكيب، وبعد معنوي متعلق بتوضيح المعنى المرادف لبعض الكلمات، أو بتحديد هذا المعنى، أو إضافة معنى جديد إلى الكلمة المألوفة”.[4]

  • مرحلة تركيب الجمل:

يتخذ تركيب الجمل عند الطفل أشكالا متعددة تبعا لنموه اللغوي. ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى مراحل فرعية على الشكل التالي:

    • مرحلة الكلمة الواحدة: تبدأ هذه المرحلة بنطق الكلمات ذات المقطع الصوتي الواحد مثل: “ماما”،”بابا”،”دادا”…ثم ينتقل فيما بعد إلى نطق الكلمات الدالة على المحسوسات، ويسعى انطلاقا منها التعبير عن حاجاته؛ أي أن وحدة الكلام عنده هي الجملة وليس الكلمة، فحين يتلفظ بكلمة “ماما” فهو يقصد” أريد ماما “، أو” أين ماما”، أو ” أريد لعبتي”، ويُستدل على معناها بالنظر إلى السياق الذي وردت فيه، وكذلك إلى التعبيرات غير اللغوية المصاحبة لها كالإشارات وملامح الوجه، ونبرات الصوت.
    • مرحلة الجملة الناقصة: تتطور الجملة عند الطفل في بداية هذه المرحلة من الكلمة المفردة إلى كلمتين كأداة للتعبير عما يعنيه الكبار. ولإنتاج هذا النوع من الجمل يلجأ بشكل منظم إلى فئتين من الكلمات:[5]

 

– فئة الكلمات المحورية: ويكون عدد عناصرها قليلا، ويزداد بصورة بطيئة، وترد بصورة متواصلة في كلام الطفل، وتنحصر في الأفعال والصفات والضمائر والظروف.

-فئة الكلمات المفردات: ويكون عدد عناصرها أكبر، ويزداد عددها بسرعة، وتتحدد في المسميات.

ولتكوين الجمل يختار الطفل كلمة من فئة الكلمات المحورية ويُتبعها بكلمة من فئة الكلمات المفردات وفق قواعد التكوين التالية:

جملة  ـــــــــــــــــــــــــــ    محور+ مفردة.

محور  ــــــــــــــــــــــــ   وداعا، كبير، جميل، هذا، هذه……

مفردة   ـــــــــــــــــــــــ  ولد، حليب، ماما، بابا، طائرة، حذاء، لعبة…

وانطلاقا من هذه القواعد يُنتج الطفل عددا غير محدود من الجمل المكونة من كلمتين. إلا أن لغته تكون مهزوزة من حيث تأليفها، والعلاقة المنطقية بين عناصرها، كما تتميز بالضعف الدلالي للعناصر المكونة لها.

  • مرحلة الجملة التامة: تظهر في حدود السنة الرابعة، وينتقل فيها الطفل إلى طور التعبير بالجملة التامة؛ حيث يستطيع تركيب جمل مكونة من أكثر من كلمتين، وتتضمن مختلف أقسام الكلم من أسماء وأفعال وصفات وضمائر وروابط، كما أنها تصبح أكثر تعبيرا، وتُحقِّق التواصل مع محيطه اللغوي بشكل واضح وسليم.

إن اكتساب الطفل للغته الأم يتم عن طريق استقبال مجموعة من المدخلات اللغوية من محيطه اللغوي؛ إذ يقتصر في مرحلة أولى على المسميات المحسوسة لحاجته إليها في التواصل بدل الصراخ والبكاء، واستخدام بعض المقاطع الصوتية. ومع تقدمه في السن ينمو رصيده اللغوي بالتدريج، ويصبح قادرا على استيعاب الألفاظ المجردة، مما يكسبه القدرة على تركيب جمل مشكلة من كلمتين، فثلاث كلمات….وهكذا إلى أن يصبح قادرا على تركيب جمل تامة تعبر عن حاجياته ورغباته بشكل سليم، وتساعده على الاندماج في بيئته اللغوية بشكل كامل. ويُلاحظ أن الطفل لا يكتسب الألفاظ من محيطه اللغوي فقط بل وكيفية استعمالها؛ حيث يتدرب على نطقها معزولة، ثم يفهم دلالتها، ثم يصوغها في جمل تكون في أول وهلة مُحرفة تركيبيا ودلاليا، وبتدخل الراشدين وتصويبهم تصبح تامة توازي لغتهم. إن ذهن الطفل لا يتجلى دوره في حفظ العبارات اللغوية و ترديدها، وإنما يقوم بفك رموزها واستيعابها والنسج على منوالها، وهو ما يفسره الفرق الشاسع بين ما تلقاه وما ينتجه من جمل؛ بمعنى أن المخرجات اللغوية التي يُصدرها تختلف عن المدخلات التي تلقاها من البيئة اللغوية في مظهرها وشكلها، وأيضا في طريقة تركيبها. وتوضح الخطاطة التالية الدور الذي يقوم به ذهن الطفل وكيفية عمله:


[1] :ابن عيسى حنفي، محاضرات في علم النفس اللغوي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط3، ص:133.

[2] : زكريا ميشال، مباحث هي النظرية الألسنية وتعليم اللغة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 1984م، ص:41.

[3] :ابن عيسى حنفي، محاضرات في علم النفس اللغوي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط3، ص:143.

[4] :الصوري عباس، في بيداغوجيا اللغة العربية (البحث في الأصول)، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1418ه/1998م، ص:20و21.

[5] : زكريا ميشال، مباحث هي النظرية الألسنية وتعليم اللغة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 1984م ص:42و43.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.