البحث العلمي

البحث العلمي بين النظرية والواقع الاجتماعي المأمول

إن الكتابة الصحيحة والقيام ببحث علمي أصيل هو حسن الدراية بأصول البحث وجودة التطبيق إلى جانب التأمل الدقيق في كل ما نقرأه ونفكر فيه، كذلك التفحص العميق في كل ما يصدر عن البحث من ملاحظات وأحكام.


يتناول هذا المقال مشكلة البحث العلمي ما بين النظرية والتطبيق (الممارسة العملية له)، أي بين فكرة البحث المطروحة للدراسة وبين اختبارها في الواقع الاجتماعي أي الميدان بمعنى إثباتها أو نفيها من خلال البحث الاجتماعي، وكذلك التوصل إلى نتائج جديدة على مستوى المعرفة العلمية والوصول إلى نظرية جديدة تحكم هذا الواقع والسؤال هل يتم فعلاً تطبيق هذه النتائج للبحوث العلمية والاستفادة منها على أرض الواقع سواءً كان على المستوى القريب أو المستوى البعيد، أم يتم تجاهلها واعتبارها على مستوى التأملات الفلسفية فقط. هذا ما سوف نناقشه في هذا المقال.

ولكن قبل البدء بالحديث عن مشكلة البحث العلمي لا بد لنا من إلقاء الضوء على مفهوم البحث العلمي وأهميته وما هو الفرق بين البحث النظري والبحث التطبيقي(العملي):

مفهوم البحث العلمي: هو عملية فكرية منظمة يقوم بها شخص يسمى الباحث من أجل تقصي الحقائق في شأن مسألة أو مشكلة معينة تسمى (موضوع البحث) بإتباع طريقة علمية منظمة تسمى منهج البحث بغية الوصول إلى حلول ملائمة للعلاج أو إلى نتائج صالحة للتعميم على المشكلات المماثلة تسمى نتائج البحث.

(1) كما يعرف البحث العلمي على أنه النشاط الذي يساعد على إنتاج المعرفة ويكشف الحقائق ويقدم الحلول للمشكلات ولذلك يلزم الباحث أن يكون ملماً بناحيتين هما مادة البحث أو حقل المعرفة والثانية هي منهجية البحث العلمي. وعلى الرغم من أهمية البحوث العلمية فإن فائدتها المنشودة لا تتحقق إلا إذا تم إعداد البحوث وتنفيذها وكتابتها بطريقة علمية سليمة.

(2) كما أنه الدراسة دقيقة لمشكلة أو ظاهرة معينة تحتمل إمكانية المناقشة والبحث ويكون هدفها الوصول إلى حلول للظاهرة موضوع البحث، وذلك عن طريق اختبارات عميقة للفروض المقترحة وبالارتكاز على استخدام منهج شامل للتحقيق في كل الشواهد التي تساعدنا في تفسير الظاهرة وتقودنا في النهاية إلى التعميم.

(3) وأنه من الخطأ أن يقوم بعض الباحثين في تحويل المعرفة العلمية للسيطرة على الآخرين لأنها ملك للبشرية جمعاء ومن حقهم الاستفادة منها.

(4) وأخيراً البحث العلمي: هو مفتاح حل مشكلة محددة أو كشف الغموض أو اللبس حول حقيقة ما (المشكلة البحثية) باستخدام أسس ومعايير علمية منظمة ومتسلسلة.

(5) كما تتجلى أهمية البحث العلمي في كونه الأساس في سبيل الارتقاء بمستوى الإنسان والمجتمع والبشرية فكرياً وثقافياً، فإكساب الباحث معارف المناهج البحثية اللازمة تقوده إلى أن يسلك الطريق القويم للبحث العلمي ويجعل منه شخصية ذات مواصفات وسمات معينة (صفات الباحث الجيد)،

كما أن للبحث العلمي أهمية كبرى في عالم إنتاج المعرفة وهو ذو جدوى اقتصادية كبرى تنعكس بالإيجاب على المجتمعات المنتجة للمعرفة مقارنة بنظريتها المستوردة لها وما أنتج من قوانين لحفظ أو حماية الملكية الفكرية للباحثين أو المبدعين وما ينعكس ايجابياً عليهم وعلى مجتمعاتهم ومؤسساتهم ومراكز بحوثهم وهو يلعب دوراً هاما في حياة الشعوب لما يؤديه من تقدم وتنمية وتميز ومن ثم أصبحت الدعاية الأساسية للاقتصاد والمعرفة والتطور والتقدم.

(6) وبالتالي هو جهد إنساني منظم وهادف يقوم على الربط بين الوسائل والغايات من أجل تحقيق طموحات الإنسان ومعالجة مشكلاته وتلبية حاجاته وإشباعها، فالحاجة إلى اختبار نظرية من النظريات في بيئة لم يسبق اختبارها فيها ذلك أن معظم النظريات نشأت في المجتمعات الغربية وترعرعت فيها وتنطبق نتائجها البحثية على تلك المجتمعات دون غيرها وعلى الرغم من أهمية تلك النظريات في شرح الظواهر إلا أنه لا يمكن تعميمها على جميع المجتمعات لذلك تبرز أهمية البحث العلمي في محاولة التعرف على مدى ملائمة تلك النظرية لأفراد مجتمعاتهم.

(7) الفرق بين البحث النظري والبحث التطبيقي(العملي): يصنف البحث العلمي من حيث طبيعته إلى بحوث نظرية وبحوث تطبيقية: “البحث العلمي إما أساسي (نظري) وإما تطبيقي(عملي) وهدف البحث النظري زيادة المعرفة العلمية وفتح مجالات جديدة للبحث دون النظر إلى أغراض علمية أما البحث التطبيقي هدفه التوصل إلى المعرفة العلمية بفرض علمي ملموس وللعمل العلمي جانب آخر هو التطبيق وإنتاج مواد وبضائع جديدة وابتكار عمليات وطرائق وإعداد نماذج للتطوير”

(8) “كما يتضمن البحث النظري تطوير واختبار النظريات والفرضيات التي تمثل تحدياً فكرياً للباحث، ولكنها قد يكون أو لا يكون لها تطبيقات عملية في الوقت الحاضر أو في المستقبل. وعادة ما تحتوي الفرضيات التي تختبرها هذه البحوث على مفاهيم على مستوى عالٍ جداً من التجريد والتخصص.

والمعرفة التي تحاول أن تقدمها البحوث النظرية الأساسية تضيف إلى المعارف الموجودة والمتعلقة بطرق ومناهج البحث العلمي وتركز البحوث النظرية على تطوير واختبار طرق البحث والتقنيات والأدوات التي تشكل جسم مناهج البحث.

أما البحث التطبيقي: هو البحث الذي يستهدف تحقيق منفعة مباشرة للإنسان في الوقت الحاضر أو في المستقبل القريب. بمعنى أنها تستخدم ما توصلت إليه البحوث النظرية من معارف تتعلق بأساليب وإجراءات وطرق البحث في جمع المعلومات حول الجوانب المختلفة للمواقف والقضايا والظواهر لاستخدامها في تقديم منفعة للإنسان مثل وضع وصياغة السياسات والإدارة وزيادة فهم الإنسان للظواهر المختلفة المحيطة به وتؤثر في حياته.”

(9) وهذا النوع من البحوث له قيمته في حل المشكلات الميدانية وتطوير أساليب العمل وإنتاجيته في المجالات التطبيقية كالتربية والتعليم والزراعة والصناعة.

فالبحث النظري: يتم إجرائه بهدف الوصول إلى نظرية جديدة أو تطوير نظرية قائمة وبالتالي إلى زيادة المعرفة الإنسانية دون الالتفات إلى التطبيقات العلمية، ولكن من أجل تحقيق فوائد اجتماعية مختلفة. أما البحث التطبيقي الذي يتناول المشكلات الموجودة فعلا على أرض الواقع ويهدف إلى تحديد العلاقات بين المشكلات واختبار الفرضيات والفرضيات التي تحكم عمل تلك البحوث. (10)

“يتحدث العلماء عن النظريات المتبعة في أبحاثهم وعن المناهج التي استخدموها في دراساتهم وعلى هذا الأساس نجد أن كل الأبحاث العلمية لا تكاد تخلو من الجانب النظري سواء كان هذا الجانب واقعياً أو مثالياً أي أنه يعتبر مدخلاً أساسياً في كل بحث، ثم ينتقل إلى الجانب التنفيذي الميداني الذي يعتبر حجر الأساس في العملية البحثية، بحيث يتم إسقاط الجانب النظري على الواقع الاجتماعي.

فالعلم لا يمكن أن يتم إلا إذا كانت لدينا نظرية أو تعريفاً أو مفهوماً ثم قبله الواقع وصادق عليه بالإيجاب حينها فقط نحكم على صحة النظرية ومن ثم انتقال تلك الأفكار النظرية المجردة إلى معرفة علمية وقانون يعمم. فالجانب الواقعي العملي الميداني هو الذي يجيب عن تساؤلات الدراسة التي طرحتها مشكلة البحث”. (11)

يعتبر البحث العلمي أرقى ما توصل له الإنسان في حياته. هذا البحث الذي لم تتأسس قوانينه هكذا اعتباطياً وإنما هي في الحقيقة مجموعة من الفرضيات العلمية المبرهن على صحتها بأقوى الأدلة والبراهين، ولكن رغم هذا فإن هناك معضلة كثيراً ما تعترض طريق الباحث الذي يبحث في مختلف الظواهر. وذلك من خلال التناقض الذي يحدث بين الأمور النظرية والتطبيقات الواقعية.

حيث غالبا ما تواجه الباحثين مشكلة تطبيق النظريات التي قام بتحليلها وتفسيرها على أرض الميدان. والخلل الذي يحدث من جراء هذه المتناقضات يحتاج إلى دراسة معمقة حتى يتم التغلب على تلك المشاكل. (12)

كما تعد البحوث والدراسات العلمية الأساس التي يعتمد عليها أي مجتمع يسعى للتطور والتقدم في شتى مجالات الحياة، وضرورة إدراك أهمية البحوث العلمية وأهمية إعداد الأفراد بوصفهم يشكلون رأس المال الفكري والقوة الناعمة في المجتمع من خلال دعم وتشجيع إنتاج البحوث العلمية المتميزة وتوفير البيئة الملائمة لذلك، مما أدى إلى تراكم معرفي كبير ساعد تلك الدول في علاج الكثير من المشكلات التي تمر بها في أي مجال من المجالات.

كما تعتبر البحوث العلمية من أهم مجالات التطوير والتحديث لكافة العمليات المجتمعية على جميع الأصعدة فهي تشكل دوراً حيوياً في علاج المشكلات والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية فهي توفر معلومات قيمة تبدد الصورة الضبابية لدى صناع القرارات لدفع عجلة التغيير والتنمية في المجتمعات.

أما عن حركة البحث العلمي بشكل عام في البيئة العربية فإن المتتبع لها يلحظ أن أغلب الدول لا تهتم كثيراً بالاعتماد عليها في تطوير السياسات والخطط والمناهج إضافةً إلى دخول نتائج بعض البحوث في دائرة النسيان في ظل غياب المؤسسات التي تعتمد تلك الجهود لتسترشد منها المؤسسات المجتمعية.

مثلاً نجد كثيراً من الباحثين والدارسين في أي من مجالات المجتمع السياسية والقانونية أو الاجتماعية أو التعليمية لا يتحكم في كيفية تطبيق ما درسه من نظريات وأبحاث على أرض الواقع. وفي نفس الوقت نجدهم من حيث المعلومات والنظريات متمكنين قادرين على التحكم ولكن إذا بدأ في ممارسة حياته العملية يرتكب الكثير من الأخطاء التي لم يجربها على الميدان، أي العلاقة الموجودة بين ما هو نظري وما هو واقع وممارسة.

وهنا ممكن أن نسأل سؤال في هذا الصدد هل النظرية العلمية حتمية عالمية أم أنها قوانين نسبية غير قابلة للتعميم. وبالتالي ما قد يصدق في مجتمع معين لا يعني بالضرورة أنه يقبل التطبيق في مجتمع آخر.

إن الراصد لأهم معوقات البحوث العلمية في البيئة العربية يلحظ أنها ذات علاقة بأبعاد أربعة: إما الباحث نفسه أو الجامعات التي ينتمي إليها وإما الميدان البحثي وأخيراً السياسات البحثية. حيث تتمثل تلك المشكلات التي تنطوي تحت تلك الأبعاد في نقص التدريب على البحوث العلمية ونوعية المقررات التي تطرحها بعض الجامعات بشأن البحث العلمي من حيث تقصيرها في مساعدة الباحث على الإلمام الكافي بالأسس البحثية الصحيحة إضافةً إلى غياب السياسات الموجهة والبيئة المشجعة على البحث العلمي.

وكذلك اتساع الفجوة بين الباحثين والمستفيدين وقلة البحوث التي تواكب المستجدات في المسيرة البحثية إضافةً على اعتماد بعض البحوث على نظريات غير مناسبة وافتقارها للأصالة والإبداع مما أفقدها أهميتها الأمر الذي أدى بالنهاية إلى العزوف عن المعرفة العلمية المتمثلة بالنتائج لتلك البحوث نظراً لعدم التزام الباحثين بالخطوات الدقيقة والسليمة اللازمة لتنفيذ البحث العلمي كما يجب.

لذلك لم تتجاوز نتائج البحوث العلمي في المجال الاجتماعي إطارها الميداني إلا بدرجة محدودة جدا لا تكاد تذكر. وربما اعتمادها على البحوث النظرية أكثر من البحوث التطبيقية والميدانية. وبالتالي عدم امتلاك البيئة العربية نظريات علمية واضحة المعالم يكون لها أنساق معرفية يمكن اختبارها واقعيا وتكون لها قدرات تفسيرية وتنبؤية لذلك نجد معظم الدراسات وصفية تصف خصائص الواقعة الاجتماعية فالنظرية تلعب دورا أساسيا في تحديد موضوع العلم والفضاء المعرفي.

وبالتالي تسهم في تراكم المعرفة العلمية لتطويرها في اتجاهات متعددة. وممكن القول إن عملية الوصف عملية مهمة ولكن يجب أن يأتي بعده عملية التفسير الذي يضفي عليه نوعاً من اكتشاف الواقعة وبالتالي يحقق التقدم في المجتمع على المستوى العلمي.

“فالطيف العلمي أو المعرفي ينطلق في شكل سهم مستقيم بدايته الوصف ومنتصفه التصنيف وفي نهايته التفسير والوصول إلى القانون العلمي. وبين التصنيف والتفسير نجد التحليل الذي يعتبر لب العلمية وبدونه لا يمكن للباحث أن يفسر الظاهرة محل الدراسة، ولا أن يصل إلى النظرية العلمية التي سيسعى بدوره إلى تعميمها على العالم.

وبالنسبة لمجال البحث العلمي فقد اعتاد الباحثين الأكاديميين أن يتناولوا بحوثهم هكذا فصل للإطار النظري وفصل آخر للإطار الميداني بمعنى يجب على الباحث أن يقوم بالفصل الثاني بإسقاط تلك الدراسة الوصفية التي انطلق منها في الإطار الواقعي والحقيقي للظاهرة وهي أنه لا يمكن للباحث أن يتدخل تحت أي شكل من الأشكال لتغيير هذا الواقع، وهذا طبعاً بمقتضى الموضوعية التي تعتبر شرطاً أساسياً في نجاح أي بحث علمي.

وقد تتضمن الدراسة فصولاً عديدة عادة ما تختتم بنظرة مستقبلية للموضوع بدل بعض الدراسات التي يتناول أصحابها الظاهرة المدروسة دون محاولة تغييرها أو اقتراح الحلول لها. إن الكثير من الظواهر العلمية التي كانت غامضة في الماضي أصبحت في الوقت الحالي مجالاً خصباً للدراسة والتحليل خاصةً إذا ما كانت تتعارض مع بعض المتغيرات التي لم تكن واردة في السابق.

ولهذا فعن مسألة دراستها وتحليلها أضحت أكثر من ضرورة لتحويل هذا الواقع المجهول إلى حقيقة علمية ومعرفية قابلة للقياس ثم التعميم، ومن ثم الاستفادة العالمية اللامشروطة منها مثل الذي يكتشف دواء لداء معين من المفروض أن تستفيد منه البشرية جمعاء، ولكن ما يحدث لا يعبر عن النظرية الإنسانية لعلم الطب بقدر ما يعبر عن واقع مادي يرى الإنسان ( المريض بالتحديد مجرد دولارات تمشي فوق الأرض لا بد من اقتناصها وكأنها صيد ثمين) ومن هنا نؤكد على أن يكون البحث العلمي منطلقاً من تحليل واقع معين ولهذا فإن عمليات الوصف والنظرية ستبقى مسائل نسبية وغير دقيقة.” (13)

لذلك فإن البحث العلمي يعاني من ضعف في الاهتمام بسبب عدم اعتقاد مراكز اتخاذ القرار بفاعليتها ونفعها في تسليط الضوء على المشاكل والقضايا التي تعترض المجتمع بهدف إيجاد الحلول المناسبة لها، بالإضافة إلى عدم قدرة الجهات الممولة على قطاف ثمار مردودها مباشرة.

وكل ذلك لا يشجع على استمرار البحث العلمي ليكون فعالاً على أنه ليس له أي دور في الحياة الاجتماعية والعملية والعلمية ينتج عن ذلك حالة من ضياع الجهود وخلق حالة هدامة بدلاً من حالة بناءة وممكن اعتبار ذلك سبباً من الأسباب التي لا تشجع ربط نتائج البحوث العلمية بالواقع وانعكاساً له، أو حتى إيجاد حلول لمشكلاته وأزماته وقضاياه نجد كل باحث يتجه وجهته الخاصة دون الاكتراث بآراء الباحثين الآخرين.

وبالتالي توحيد الجهود المبذولة لتحقيق التنمية الحقيقية في المجتمع. لذلك لا بد من تطوير أساليب البحث العلمي الاجتماعي لتحفيز البحث العلمي والتجديد في مجالاته والسعي الحثيث إلى تنمية مهارات التفكير لدى الطلاب والباحثين لتمكينهم من حل المشكلات التي تواجه مجتمعاتهم وفق نسقها العلمي السليم.

لأن عملية البحث تتطلب الاستطلاع العلمي المتواصل والمتفاعل لمواكبة وتيرة التطورات المتسارعة في مختلف مجالات الحياة سعياً للحصول على أفكار ونتائج مصحوبة برصانة فكرية لهذه البحوث من أجل الحد من تفعيل نتائج البحوث والدراسات العلمية والاعتماد على هذه النتائج في كثير من المشاريع المجتمعية المختلفة وذلك فيما يتعلق بإجراء البحوث وتطبيق نتائجها في الميدان.

ويمكن أن نقول إنه لا يمكن الاعتماد على نتائج البحوث العلمية بشكل عام ما لم توفر قاعدة قوية تحوي روح البحث العلمي وفهم خطواته وإجراءاته في نفس المسار الذي تصاحبها فيه الرغبة الحقيقة القوية في تجويد البحث لتحقيق التميز والتطور.

بالإضافة إلى ذلك فقد تلعب الرغبة لدى الباحثين بالحصول على الدرجة العلمية أو حتى رغبة الأستاذ الجامعي في الترقي والحصول على الدرجة العلمية قد أوصلت البعض على ما يمكن وصفه “بسلق البحوث” بدون القدرة على التعمق والقراءة والفهم والتفسير، مما يجعلها في موضع لا يمكن الاستفادة منها فيما يخص التطوير والتنمية من خلال الاستفادة من نتائج تلك البحوث ولا تستطيع تفسير وفهم الواقع الاجتماعي المعاش،

وذلك دون مراعاة ضرورة فهم الإطار النظري لعام الذي يجب أن تعالج به هذه المشكلات، نتناول المشكلات بشكل سطحي دون محاولة فهمها لتفسيرها التفسير الأمثل والجيد .

“كما أن انعكاس الأوضاع المهترئة على طبيعة المنتج العلمي الخاص بالبحوث والعلوم الاجتماعية فجاء يحمل العديد من السمات المرتبطة باهتراء الواقع المعاش فلم يشكل هذا المنتج في الكثير من الأحيان، إضافةً حقيقية لفهم الواقع الاجتماعي المعاش بتحولاته المختلفة، حيث جاء غما استنساخاً كاملاً من بحوث سابقة أو تقليداً باهتا لمناهج ونظريات غربية.

وعلى ما يبدو أن حالة الضعف الإنتاجي المادي (التطبيقي العملي) لا تنفصل بدرجة أو بأخرى عن حالة الضعف الفكري (النظري) فكلاهما مرتبطان ببعضهما البعض.” (14)

إن النظريات جديرة بالاهتمام للتعرف على المشكلات التي تعاني منها المجتمعات، وإلا ستكون عقبة في طريق تطوير العلوم بشكل عام. وكذلك يجب تطوير مناهج اجتماعية تتناسب مع واقعنا الاجتماعي تأخذ بعين الاعتبار خصائصه لتكون مدخلاً للتغيير الايجابي في كافة مجالات المجتمع.

وختاماً يجب أن نؤكد على ضرورة عدم التسليم بصحة أي نظرية حتى وإن كانت ناجحة في كثير من الأحيان حتى تطبق في الواقع، وتظهر على أنها نظرية ناجحة ولأنه كثيراً ما يقال إن الإنسان وليد بيئته فالبيئة هي التي تؤثر في شخصية وتكوين ذلك المجتمع، ولذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعمم نظرية حتى وإن أطلق عليها صفة العلمية لأنها علمية في البلد الذي طبقت فيه،

بينما لا تعتبر علمية في بلد آخر لأنها فشلت عن تفسير الواقع الجديد، وبالتالي يجب علينا دائما أن نميز بين ما هو نظري وبين ما هو واقعي ميداني وممارس. وبالتالي مدى انسجام النظرية مع الواقع.


  • المراجع:

(1) عبد الفتاح خضر، أزمة البحث العلمي في العالم العربي، سلسلة دراسات مكتب صلاح الحجيلان، السعودية، الرياض، 1992، ط3، ص 17.

(2) طارق عطية عبد الرحمن، دليل تصميم وتنفيذ البحوث في العلوم الاجتماعية، معهد الإدارة العامة، مكتبة الملك فهد الوطنية، 2013، ص 11.

(3) أمين ساعاتي، تبسيط كتابة البحث العلمي من البكالوريوس ثم الماجستير وحتى الدكتوراه، ط1، مصر، المركز السعودي للدراسات الإستراتيجية، 1991، ص 20.

(4) عقيل حسين عقيل، فلسفة مناهج البحث العلمي، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1999، ص 28.

(5) علي إبراهيم علي عبيدو، جودة البحث العلمي، دار الوفاء لدينا الطباعة والنشر، الإسكندرية، ط1، 2014، ص 31.

(6) المرجع السابق نفسه، ص 31-32.

(7) سعد سلمان المشهداني، منهجية البحث العلمي، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن، عمان، ط1، 2019، ص 24.

(8) حسن شحاتة، البحوث العلمية والتربوية بين النظرية والتطبيق، مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة، ط1، 2001، ص 59-60.

(9) طارق عطية عبد الرحمن، دليل تصميم وتنفيذ البحوث في العلوم الاجتماعية، مرجع سبق ذكره، ص 80-81.

(10) علي إبراهيم علي عبيدو، جودة البحث العلمي، مرجع سبق ذكره، ص 35.

(11) ابرادشة فريد، البحث العلمي بين النظرية والواقع: المفاهيم، العلاقة والغايات، مجلة الآفاق للدراسات الاقتصادية، العدد الثالث، 2017، ص 90.

(12) المرجع السابق نفسه، ص 91.

(13) المرجع السابق نفسه، ص 94-95.

(14) حسام الدين فياض، أزمة علم الاجتماع في البلدان العربية والإسلامية، مجلة التنويري، 2022.


د. ميادة القاسم ؛ الأستاذ المساعد في مناهج وطرائق البحث الاجتماعي قسم علم الاجتماع – جامعة ماردين- حلب سابقاً.

ميادة القاسم

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات