كتاب “الشعرية العرفانية” – Cognitive Linguistics

يقدّم أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية الدكتور توفيق قريرة إصدارا جديدا يمتد عبر 442 صفحة، بعنوان الشعرية العرفانية، في خطوة علمية جريئة تنقل اللسانيات العرفانية من نطاقها اللغوي الضيق إلى فضاءات الأدب والشعر.

يمثّل هذا الكتاب إضافة نوعية في الدراسات اللسانية والأدبية العربية، ويُعدّ من أوائل الأعمال التي تُسهم بعمق في إرساء أسس الشعرية العرفانية (Cognitive Poetics) داخل السياق العربي.

نشأت اللسانيات العرفانية في الولايات المتحدة خلال سبعينيات القرن العشرين، كردّ مباشر على إقصاء المدرسة التوليدية للدلالة. هذا الاتجاه يجعل المعنى مركز العملية اللغوية، لكنه يربطه بالسياقات الإدراكية وبـ التمثيلات الذهنية؛ وهي صور معرفية داخلية تعكس العالم الخارجي وتعالجه الذهن كما يعالج أي نشاط بشري آخر كالمشي أو الرؤية.

تقوم هذه المدرسة على فرضية أساسية:
أن اللغة والمعنى لا ينفصلان عن الإدراك، والجسد، والتجربة الحسية، والمحيط الثقافي.

ومن أبرز أعلامها عالميا:

وقد أثّرت أعمال هؤلاء في إعادة رسم حدود البحث اللغوي، خاصة في فهم العلاقة بين الإدراك والمعنى.

كرّس الدكتور توفيق قريرة أكثر من عقدين في البحث اللغوي، واتجه خلال السنوات الأخيرة إلى الدراسات العرفانية تنظيرا وتطبيقا. أصدر قبل هذا الكتاب عملين مهمين في تطبيق اللسانيات العرفانية على النحو العربي:

وتدل هذه الأعمال على سعيه الدؤوب إلى إعادة قراءة التراث اللغوي العربي بمنظار إدراكي حديث، وتفكيك المسائل النحوية بعقلية تربط اللغة بالتجربة الإنسانية.

يمتاز الكتاب الجديد بكونه ينقل مفاهيم اللسانيات العرفانية من مجالها الأصلي إلى الدراسات الأدبية والشعرية، في إطار ما يُعرف عالميا بـ الأسلوبيّة العرفانية (Cognitive Stylistics).

تشير فرضية الكتاب إلى أن:

4. القسم الأول: ممهّدات نظرية في طبيعة الكلام والشعرية

يُفكّك المؤلف في هذا القسم العلاقة بين الكلام العادي والكلام الشعري، رافضا التصنيفات التقليدية التي تفصل بينهما فصلا حادا. ويؤكّد أن:

ويستند المؤلف إلى مثال بصري مهم:
مثلما يصعب تحديد نقطة انفصال اللون الأخضر عن الأزرق، يصعب تحديد لحظة يتحوّل فيها الكلام من عادي إلى شعري.

هذه الرؤية تكسر النزعة النخبوية التي ربطت الشعرية بالنقد حصريا، وتفتحها أمام قدرة إدراكية مشتركة لدى الجميع.

بعد بناء الأساس النظري، ينتقل المؤلف إلى الجانب التطبيقي مستفيدا من أهم مفاهيم اللسانيات العرفانية، مثل:

ووفق هذا المنظور تصبح الاستعارة آلية إدراكية لا مجرد محسن بلاغي. فالإنسان يستعير تجاربه الحسية لفهم معانيه التجريدية سواء في الحياة اليومية أو في الشعر.

فعندما نقول: غلت الأسعار أو اشتعلت النيران في السوق، فنحن نستعير تجربة النار لفهم علاقة معقدة تتعلق بالعملة والقيمة.

وفي الشعر، كما في قول عنترة:
“رمت الفؤاد مليحة عذراءُ / بسهام لحظ ما لهن دواء”
فإن الشاعر يعالج تجربة الحب عبر استعارة مفاهيم من تجربة الصيد والقتل، وهي خبرات حسية مشتركة بين أفراد الثقافة نفسها.

يرى المؤلف أن الشعر ليس ظاهرة معزولة، بل هو إحدى طرق الإنسان في بناء العوالم الإدراكية.
فلكل فرد زاوية رؤية فريدة، وهذه الاختلافات هي التي تشكّل جوهر الإبداع.

يمثّل هذا العمل محاولة رائدة لإعادة وصل الشعرية بميراثها اللساني، امتدادا لرحلة بدأت مع:

ويقدم الكتاب مثالا حيا على كيفية توظيف اللسانيات المعاصرة في فهم الأدب، بعيدا عن السؤال التقليدي حول «شرعية» هذا التوظيف، ليجعل السؤال الحقيقي:
كيف نجعل من اللسانيات أداة فعّالة في تحليل النصوص؟

رابط الكتاب

Exit mobile version