الترسانة الأمريكية في أفغانستان بعد الانسحاب: بين المخزون العسكري وحدود التهديد الاستراتيجي الحقيقي

لم تكن قضية المعدات العسكرية التي بقيت في أفغانستان بعد انسحاب الولايات المتحدة مجرد ملف عسكري تقني، بل تحولت سريعا إلى مادة جدل سياسي وإعلامي عالمي، تتقاطع فيها الأرقام الضخمة مع القراءات الأمنية المتناقضة. غير أن المقاربة العلمية لهذا الملف، كما تعكسها تقارير SIGAR وبيانات وزارة الدفاع الأمريكية، تكشف أن جوهر الإشكال لا يتعلق بما “ترك”، بل بما يمكن فعلا تحويله إلى قدرة تهديد مستقرة خارج سياقه الأصلي.

فبين خطاب يضخم فكرة “الترسانة الهائلة”، وتحليل رسمي أكثر تحفظا يركز على محدودية التشغيل والاستدامة، تتشكل مساحة دقيقة تحتاج إلى تفكيك هادئ بعيد عن الانطباعات السريعة. وهنا يصبح السؤال المركزي ليس: كم من السلاح بقي؟ بل: ما الذي يمكن لهذا السلاح أن يفعله فعليا في غياب النظام الذي كان يشغله؟

لم يكن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في صيف 2021 حدثا مفاجئا في حد ذاته، بقدر ما كان لحظة انكشاف لبنية عسكرية وسياسية جرى بناؤها على مدى عقدين من الزمن، ثم تُركت في لحظة اختبارها الحاسم دون سند فعلي. فبحسب ما وثقته تقارير المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR)، أنفقت الولايات المتحدة ما يقارب 80 إلى 90 مليار دولار على تدريب وتجهيز قوات الأمن الأفغانية، في مشروع بدا على الورق وكأنه محاولة لبناء جيش وطني حديث قادر على حماية دولة ما بعد الحرب.

لكن هذا الرقم، على ضخامته، لا يكشف سوى الطبقة المالية من القصة، بينما يكمن العمق الحقيقي في طبيعة “النموذج” الذي تم بناؤه: جيش كبير من حيث العدد، متنوع من حيث التسليح، لكنه مرتبط عضويا بمنظومة دعم خارجية لم يكن يمكنه الاستمرار دونها.

كان قوام القوات الأفغانية، وفق تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية وتقارير SIGAR، يقارب 300 ألف عنصر بين جيش وشرطة وقوات خاصة ووحدات دعم. غير أن هذا الرقم، الذي يوحي ظاهريا بقدرة ردع معتبرة، كان يخفي وراءه إشكالا بنيويا أعمق: هذه القوة لم تُبنَ لتعمل كمنظومة مستقلة، بل كامتداد عملي للبنية العسكرية الأمريكية داخل البلاد. بمعنى آخر، لم يكن السؤال هو حجم الجيش، بل مدى قدرته على العمل دون الغطاء اللوجستي والتقني والمالي الخارجي.

هذه الفجوة بين “العدد” و“القدرة الفعلية” كانت تظهر بوضوح في تفاصيل التسليح نفسه. فقد جرى تزويد الجيش الأفغاني بمعدات متقدمة نسبيا في السياق الإقليمي: مركبات مدرعة خفيفة من نوع Humvee، ومركبات مقاومة للألغام (MRAP)، وشاحنات دعم لوجستي، إضافة إلى منظومة واسعة من المركبات التكتيكية.

غير أن هذه المعدات لم تكن مجرد أدوات قتال، بل كانت جزءا من نظام تشغيل معقد يعتمد على الوقود المستمر، وسلاسل صيانة دقيقة، وقطع غيار لا تتوفر محليا، وخبرات تقنية غالبا ما كانت تأتي من خارج أفغانستان.

والمفارقة أن هذا النمط من التسليح، الذي يفترض نظريا أنه يعزز القدرة القتالية، كان في الواقع يكرّس نوعا من “التبعية التشغيلية”. فكل مركبة مدرعة تقريبا كانت تحمل داخلها افتراضا غير معلن: أنها لن تعمل وحدها، بل ضمن منظومة دعم خارجية مستمرة. وهذا ما جعل الجيش الأفغاني يبدو، من حيث الشكل، جيشا حديثا، بينما كان من حيث البنية الفعلية أقرب إلى قوة تعتمد على “نظام تشغيل خارجي”.

الأمر نفسه كان يتكرر في القوات الجوية، التي كانت أكثر عناصر الجيش حساسية وتعقيدا. فقد حصلت أفغانستان على طائرات نقل وهجوم خفيف وطائرات استطلاع، مثل UH-60 Black Hawk وA-29 Super Tucano، وهي منصات متقدمة مقارنة ببيئة النزاع المحلي. لكن تشغيل هذه الطائرات لم يكن مسألة امتلاك، بل مسألة قدرة مستمرة على الصيانة والتدريب والإمداد. ومع غياب هذه السلسلة خارج الإطار الأمريكي، تحولت القوة الجوية إلى عنصر قوة غير مكتمل، أقرب إلى “قدرة معلّقة” لا يمكن تفعيلها بشكل مستقل.

أما على مستوى الأسلحة الفردية، فقد كان الجيش الأفغاني يمتلك ترسانة تقليدية حديثة نسبيا تشمل بنادق M16 وM4، ورشاشات خفيفة ومتوسطة، وأجهزة رؤية ليلية واتصال مشفرة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المنظومة لم تكن في نوع السلاح نفسه، بل في السياق الذي يعمل فيه. فالسلاح الفردي، مهما كان متطورا، لا يصنع جيشا إذا كانت منظومة القيادة والسيطرة والدعم اللوجستي غير مستقرة أو غير مستقلة.

هكذا، ومع تراكم هذه العناصر، يظهر أن ما بُني في أفغانستان لم يكن مجرد جيش تقليدي، بل نموذجا هجينا بين القوة المحلية والبنية العسكرية الخارجية. وهو نموذج يمكن أن يبدو فعالا طالما أن القوة الداعمة موجودة فعليا على الأرض، لكنه يصبح هشا بمجرد انقطاع هذا الدعم.

وهنا تحديدا تبدأ الإشكالية التي ستتضح لاحقا مع الانسحاب: فالمعدات العسكرية، مهما بلغت درجة تطورها، لا يمكن فصلها عن “البيئة التشغيلية” التي صُممت من أجلها. وعندما انهارت هذه البيئة، لم تنهَر المعدات وحدها، بل انهارت معها فكرة الجيش نفسه كمنظومة مستقلة.

ومن هذه النقطة بالذات، يصبح السؤال التالي أكثر إلحاحا: ماذا حدث لكل هذه المنظومة العسكرية عندما انسحبت القوة التي كانت تمسك بخيوط تشغيلها؟

إن لحظة الانسحاب الأمريكي في صيف 2021 لم تكن سوى لحظة “كشف” لهذا التناقض، لا لحظة خلقه. فالمسألة، كما توضحها مراجعات المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) وتقارير وزارة الدفاع الأمريكية، لم تكن فقدان معدات في معركة تقليدية، بل انهيار منظومة سيطرة كاملة خلال فترة زمنية قصيرة، أعادت توزيع ترسانة عسكرية ضخمة خارج إطار الدولة.

في هذا السياق، لا يمكن فهم ما حصل باعتباره مجرد “غنائم حرب”، لأن طبيعة العتاد المعني ليست بسيطة ولا تقليدية. نحن أمام منظومة تسليح حديثة نسبيا، تراكمت عبر عقدين، ضمن نموذج دعم خارجي مكثف، ثم وجدت نفسها فجأة خارج سلسلة القيادة والصيانة والتمويل التي كانت تمنحها وظيفتها الأصلية.

تشير تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية، كما نُشرت في إحاطات رسمية وتقارير لاحقة للكونغرس، إلى أن جزءا كبيرا من المعدات التي تم تمويلها أو توفيرها للقوات الأفغانية بقي في البلاد بعد انهيار الحكومة. لكن هذه العبارة العامة تخفي خلفها تعقيدا إحصائيا مهما: فليست كل المعدات “مفقودة” بالمعنى العملياتي، بل هناك تداخل بين ما تم تدميره، وما تم التخلي عنه، وما تم الاستيلاء عليه فعليا من قبل طالبان.

وفق تقديرات SIGAR، فإن آلاف المركبات العسكرية من نوع Humvee، إضافة إلى مركبات مقاومة للألغام (MRAP) ومركبات دعم لوجستي متعددة، أصبحت خارج سيطرة الحكومة الأفغانية خلال الانهيار السريع للمؤسسات الأمنية في أغسطس 2021. غير أن الدلالة الأهم ليست في الرقم وحده، بل في طبيعة هذه المركبات: فهي ليست أدوات منفصلة يمكن تحييدها بسهولة، بل جزء من منظومة حركة وإمداد ميدانية، ما يعني أن انتقالها إلى طرف آخر لا يمثل مجرد “زيادة كمية” في السلاح، بل تغييرا في توازن القدرة على الحركة والسيطرة الميدانية.

التحول الأخطر لم يكن بريا فقط، بل جويا أيضا. فقد تركت القوات الأفغانية، وفق بيانات وزارة الدفاع الأمريكية، عددا من الطائرات العسكرية التي كانت تشكل العمود الفقري المحدود للقوة الجوية الأفغانية. وتشمل هذه المنظومة:

لكن هنا يظهر الفارق بين “امتلاك الطائرة” و“امتلاك القدرة على تشغيلها”. فمع انسحاب الدعم الفني الأمريكي وتوقف سلاسل الصيانة والقطع، أصبحت هذه الطائرات، حتى لو بقيت سليمة ميدانيا، خارج القدرة التشغيلية المستدامة. وهذا يفسر جزئيا لماذا لم تتحول السيطرة عليها إلى قوة جوية طالبان، بل إلى أصول جامدة ذات قيمة تشغيلية محدودة في المدى القصير.

على مستوى الأسلحة الخفيفة، تشير تقديرات SIGAR إلى وجود مئات الآلاف من البنادق والمعدات الفردية التي كانت ضمن تسليح الجيش والشرطة الأفغانية، بما في ذلك بنادق M16 وM4، ورشاشات خفيفة ومتوسطة، وذخائر متنوعة.

هذا النوع من السلاح يمثل الجزء الأكثر قابلية للانتقال الفوري، لأنه لا يحتاج إلى بنية صيانة معقدة، ولا إلى خبرات تشغيل متقدمة، ولا إلى منظومة دعم خارجي مستمر. ولهذا السبب، فإن انتقاله إلى طالبان لم يكن حدثا استثنائيا بحد ذاته، بل نتيجة طبيعية لانهيار السلطة الميدانية التي كانت تضبط توزيعه.

لكن الأهمية التحليلية هنا لا تكمن في “كمية السلاح”، بل في التحول البنيوي في من يملك حق استخدام القوة على الأرض. فانتقال هذه الأسلحة يعني عمليا انتقال القدرة على فرض النظام المحلي، وليس مجرد امتلاك أدوات قتالية.

أحد أكثر عناصر الترسانة تعقيدا يتعلق بالمعدات غير المرئية في الخطاب الإعلامي، مثل:

هذه الأدوات، وفق تقارير عسكرية أمريكية، كانت جزءا من محاولة رفع “الوعي الميداني” للقوات الأفغانية، لكنها في الوقت نفسه كانت تعتمد على بيئة تشغيلية مرتبطة بالبنية التقنية الأمريكية.

وعند انهيار تلك البنية، لم يكن انتقال هذه المعدات إلى طالبان يعني تلقائيا انتقال القدرة الكاملة على استخدامها بنفس الكفاءة، لأن قيمتها التشغيلية تعتمد على شبكات دعم وتدريب وإدارة بيانات لا تُكتسب بمجرد الاستحواذ الفيزيائي على الجهاز.

وهنا يظهر فارق جوهري بين “حيازة التكنولوجيا” و“امتلاك النظام التكنولوجي”.

القراءة السطحية لما حدث في أفغانستان تختزله في فكرة “ترك سلاح حديث بيد طالبان”، لكن الوثائق الرسمية الأمريكية، خصوصا SIGAR، تقود إلى استنتاج أكثر تعقيدا: ما حدث لم يكن انتقالا منظما للعتاد، بل انهيارا سريعا لمنظومة الدولة أدى إلى تفكك سلسلة السيطرة على المعدات.

بمعنى أدق، المشكلة لم تكن أن المعدات “سقطت في يد طالبان” فقط، بل أن الدولة نفسها فقدت القدرة على تعريف من هو المستخدم الشرعي للسلاح، ومن يملك حق تشغيله، ومن يضمن استمراريته.

وهذا التحول هو ما يجعل المسألة أخطر من مجرد جرد عسكري، لأنها تمس جوهر مفهوم الدولة الحديثة: احتكار العنف المنظم.

إن السؤال الحاسم الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة لا يتعلق بما تم الاستيلاء عليه، بل بما يمكن فعليا استخدامه. فالقيمة العسكرية لأي منظومة تسليح لا تُقاس بوجودها الفيزيائي، بل بقدرتها على الاندماج داخل منظومة تشغيل متكاملة تشمل التدريب، الصيانة، الإمداد، والاستخبارات.

وهنا تحديدا تبدأ الفجوة بين “الامتلاك” و“القدرة العملياتية”، وهي الفجوة التي تُعد مركزية في معظم تقييمات وزارة الدفاع الأمريكية وتقارير المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR)، والتي حذرت مرارا من أن جزءا كبيرا من المعدات الأمريكية المقدمة لأفغانستان لم يكن قابلا للاستخدام المستقل دون دعم خارجي مستمر.

إن الخطأ التحليلي الأكثر شيوعا في تناول ملف أفغانستان يتمثل في اختزال الترسانة العسكرية في كونها “مخزونا من الأسلحة”، بينما هي في الواقع منظومة متعددة الطبقات. فكل مركبة مدرعة، وكل طائرة، وكل جهاز اتصال، لا يعمل بشكل منفصل، بل داخل شبكة من العناصر المترابطة.

فعلى سبيل المثال، مركبات مثل Humvee وMRAP التي تُعد من أكثر ما تم الحديث عنه في سياق “الاستيلاء”، ليست وحدات قتالية مكتفية بذاتها، بل تحتاج إلى:

وبغياب هذه الحلقة اللوجستية، تتحول هذه المركبات تدريجيا من أصول قتالية إلى أعباء تشغيلية، حتى لو كانت صالحة من الناحية الشكلية.

يُعد المجال الجوي الأكثر حساسية في هذا الملف، لأنه يمثل أعلى درجات التعقيد التكنولوجي في الجيش الأفغاني السابق. فطائرات مثل UH-60 Black Hawk وA-29 Super Tucano ليست مجرد وسائل نقل أو قصف، بل أنظمة متكاملة تعتمد على:

وفق تقارير وزارة الدفاع الأمريكية، فإن جزءا كبيرا من هذا النظام كان يُدار عمليا عبر دعم خارجي مباشر أو شبه مباشر. وبالتالي، فإن انتقال الطائرات إلى طالبان لم يكن يعني انتقال “القوة الجوية”، بل انتقال أصول مادية فقدت بيئتها التشغيلية.

وهذا يفسر لماذا لم تتحول هذه الطائرات إلى عنصر حاسم في إعادة تشكيل ميزان القوة بعد الانسحاب، رغم قيمتها الاسمية العالية.

على النقيض من المنظومات المعقدة، فإن الأسلحة الفردية والذخائر تمثل الجزء الأكثر “قابلية للتوظيف الفوري”. فبنادق مثل M16 وM4، والرشاشات الخفيفة، لا تتطلب سوى الحد الأدنى من التدريب والصيانة، وهي بطبيعتها قابلة للاستخدام داخل أي تنظيم مسلح دون حاجة إلى بنية تقنية معقدة.

لكن حتى هنا، فإن التحليل العسكري الدقيق يميز بين وفرة السلاح وبين توحيد الاستخدام. فغياب منظومة قيادة وسيطرة موحدة يحد من تحويل هذا الكم الكبير من السلاح إلى قوة منظمة بالمعنى الكلاسيكي للجيوش النظامية. بمعنى آخر: توفر السلاح لا يعني تلقائيا توفر القدرة على إنتاج قوة عسكرية منضبطة.

من أكثر النقاط التي أُسيء فهمها في الخطاب الإعلامي الدولي مسألة المعدات الحساسة مثل:

هذه الأدوات، رغم خطورتها التقنية، تعتمد على منظومات تشغيل أوسع تشمل:

وبغياب هذه المنظومة، تتحول هذه الأجهزة إلى أدوات محدودة الفاعلية، أو تستخدم بشكل جزئي خارج نطاقها الأصلي. وهذا لا ينفي أهميتها، لكنه يضعها في سياقها الحقيقي: أدوات تحسين الأداء داخل نظام قائم، لا أدوات خلق نظام مستقل.

أحد أهم إشكاليات هذا الملف يتمثل في الفجوة بين التقييمات الأمنية والتحليلات الإعلامية. فبينما ركزت بعض التغطيات على فكرة “استحواذ طالبان على ترسانة أمريكية ضخمة”، فإن التقارير الرسمية الأمريكية، خصوصا SIGAR، كانت أكثر تحفظا، مشيرة إلى ثلاث نقاط أساسية:

  1. أن جزءا من المعدات تم تدميره أو تعطيله قبل الانسحاب
  2. أن جزءا آخر فقد وظيفته التشغيلية بسبب غياب الصيانة
  3. أن ما تبقى يمثل مزيجا من أصول قابلة وغير قابلة للاستخدام الفوري

هذا التباين بين الخطاب العام والتقارير الرسمية يعكس اختلافا في زاوية النظر:

الإعلام يتعامل مع “الكم”، بينما التحليل العسكري يتعامل مع “القدرة التشغيلية”.

يمكن تلخيص الوضع الذي نشأ بعد الانسحاب في معادلة دقيقة:

لم تنتقل قوة عسكرية جاهزة، بل انتقلت معدات عسكرية خرجت من نظامها التشغيلي الأصلي.

وهذا الفارق هو ما يفسر لماذا لم يتحول سقوط الحكومة الأفغانية إلى تغيير فوري في طبيعة القوة العسكرية على الأرض، رغم ضخامة ما تم تركه خلفها. فالترسانة، مهما كانت متقدمة، لا تعمل خارج البيئة التي صُممت لها، وهذه قاعدة جوهرية في كل التحليلات العسكرية الحديثة.

إذا كانت الأجزاء السابقة قد بيّنت أن انتقال المعدات العسكرية الأمريكية في أفغانستان لم يكن انتقال قوة مكتملة بقدر ما كان انتقال “أصول منفصلة عن نظامها التشغيلي”، فإن السؤال في هذه المرحلة يتجاوز توصيف ما سقط بيد طالبان، إلى تحليل ما استطاعت فعلا تحويله إلى قدرة ميدانية قابلة للاستخدام.

وهنا تحديدا تتغير زاوية النظر: من منطق “كم سلاح تم الاستيلاء عليه؟” إلى منطق أكثر تعقيدا تقرره الأدبيات العسكرية الحديثة، وهو: كيف يُعاد توظيف العتاد داخل منظومة قتالية مختلفة جذريا عن البيئة التي صُمم فيها؟

إن أبرز خطأ في كثير من القراءات الإعلامية يتمثل في افتراض أن المعدات العسكرية المتقدمة تعمل أو تتعطل بشكل فوري بمجرد تغيير الجهة المالكة. بينما تشير التقارير التحليلية لوزارة الدفاع الأمريكية وملخصات SIGAR إلى أن الواقع أكثر تعقيدا: فجزء من المعدات يمكن إعادة إدخاله في الخدمة جزئيا عبر “خفض مستوى الاستخدام التقني” أو إعادة توظيفه في مهام أقل تعقيدا.

هذا يعني أن طالبان لم تكن بحاجة إلى امتلاك القدرة الكاملة لتشغيل كل منظومة كما كانت تعمل سابقا، بل يكفيها إعادة توزيع الاستخدامات بما يتناسب مع قدراتها اللوجستية والتقنية المحدودة.

بعبارة أخرى: لم يتم تشغيل الترسانة كما هي، بل تم “تفكيكها وظيفيا”.

تشكل المركبات المدرعة الخفيفة مثل Humvee، إضافة إلى مركبات مقاومة الألغام (MRAP)، المثال الأكثر وضوحا على هذا التحول. فبحسب التقييمات الأمريكية، ورغم أن عددا كبيرا من هذه المركبات بقي في البلاد بعد الانسحاب، فإن استخدامها لم يعد مرتبطا بوظائفه الأصلية داخل جيش نظامي يعتمد على وحدات متكاملة، بل أعيد إدماجه ضمن وظائف أبسط وأكثر مباشرة:

هذا التحول يكشف أن القيمة الحقيقية لهذه المركبات لم تعد “تكتيكية متقدمة”، بل أصبحت “وظيفية ميدانية”، أي أنها تعمل ضمن مستوى أقل تعقيدا من النظام الذي صُممت له. وهنا تظهر نقطة حاسمة تهم أن: إعادة الاستخدام لا تعني إعادة إنتاج نفس القدرة العسكرية الأصلية.

في المجال الجوي، تبدو الصورة أكثر وضوحا من حيث القيود. فحتى مع وجود عدد من الطائرات مثل UH-60 وA-29 داخل البلاد، فإن تقارير وزارة الدفاع الأمريكية تشير إلى أن القدرة التشغيلية الفعلية لطالبان ظلت محدودة للغاية.

ومع ذلك، لا يعني ذلك غياب الاستخدام كليا، بل إعادة توظيف جزئية داخل إطار شديد التقييد، حيث أمكن استخدام بعض الطائرات في:

لكن العامل الحاسم هنا هو أن الطيران العسكري لا يُقاس بوجود الطائرة، بل بوجود “سلسلة الطيران”، وهي سلسلة تشمل: الطيار، الصيانة، الوقود، القطع، البرمجيات، والدعم الأرضي. وبغياب هذه السلسلة المتكاملة، تصبح القدرة الجوية أقرب إلى “طاقة كامنة” أكثر منها قوة عملياتية مستقرة.

على عكس الأنظمة المعقدة، فإن الأسلحة الخفيفة مثل البنادق الهجومية والرشاشات والذخائر تمثل المجال الأكثر سهولة في إعادة الإدماج. وهنا، وفق التقديرات الأمريكية، لم يكن هناك عائق تقني حقيقي أمام الاستخدام الفوري.

لكن الأهمية التحليلية لا تكمن في سهولة الاستخدام، بل في أثره البنيوي، فانتشار هذا النوع من السلاح داخل أي تنظيم مسلح يعزز:

ومع ذلك، فإن هذا النوع من القوة يظل “قوة مشاة صرفة”، لا ترقى إلى مستوى التفوق العسكري النظامي الذي يعتمد على تنسيق بين سلاح الجو والمدرعات والاستخبارات.

5- المعدات الحساسة – الاستخدام الانتقائي لا الشامل:

تتخذ المعدات الحساسة مثل أجهزة الرؤية الليلية وأنظمة الاتصال المشفرة موقعا وسطا بين التعقيد العالي وقابلية الاستخدام الجزئي.

فبحسب التقارير الأمريكية، لم تؤدِ هذه المعدات إلى “نقل كامل للتفوق التكنولوجي”، بل إلى استخدام انتقائي داخل نطاقات محدودة، وذلك لسببين رئيسيين:

  1. غياب البنية الشبكية التي تربط هذه الأجهزة بمنظومة قيادة وسيطرة متكاملة
  2. اختلاف بيئة التشغيل بين الجيش النظامي والتنظيمات غير النظامية

وبالتالي، فإن القيمة الفعلية لهذه المعدات لم تتحول إلى “تفوق تقني شامل”، بل إلى تحسينات موضعية في الوعي الميداني والاتصال داخل نطاقات محدودة.

تكشف هذه المرحلة من التحليل عن نتيجة مركزية تتجاوز الحالة الأفغانية نفسها، وهي أن:

القوة العسكرية الحديثة ليست مجموع معدات، بل نظام تشغيل متكامل.

فما حدث في أفغانستان لم يكن انتقال جيش إلى طرف آخر، بل انتقال أجزاء من منظومة عسكرية فقدت سياقها البنيوي، ثم أُعيد توظيف جزء منها داخل منظومة مختلفة تعمل بمنطق أقل تعقيدا وأكثر مباشرة.

وبهذا المعنى، فإن السؤال لم يعد: ماذا امتلكت طالبان؟ بل أصبح: ماذا تستطيع هذه المعدات أن تفعل خارج النظام الذي صُممت له؟ والإجابة، كما تكشفها المعطيات الرسمية، هي أن القدرة الفعلية أقل بكثير من القيمة الاسمية للترسانة.

عند هذه المرحلة من التحليل، تصبح المسألة أقل ارتباطا بما تمتلكه طالبان من معدات، وأكثر ارتباطا بما إذا كانت هذه المعدات قد أعادت تشكيل ميزان القوة فعليا داخل أفغانستان أو خارجها. وهنا تحديدا، تكشف التقارير الرسمية الأمريكية (خصوصا تقديرات وزارة الدفاع (DoD) ومراجعات SIGAR) عن مفارقة جوهرية: الحجم الهائل للعتاد لا يتحول تلقائيا إلى قوة استراتيجية مكافئة له.

هذه الفجوة بين “الكمّ” و“الأثر” ليست تفصيلا ثانويا، بل هي لبّ الإشكال كله، لأنها تضع حدودا صارمة أمام القراءة التي تفترض أن الانسحاب الأمريكي ترك “جيشا مجهزا بالكامل” في يد طالبان.

أحد أكثر الأخطاء شيوعا في تناول هذا الملف هو التعامل مع المعدات العسكرية بوصفها “رصيدا تراكميا” يمكن تحويله مباشرة إلى قوة. بينما تؤكد الأدبيات العسكرية الأمريكية أن قيمة أي منظومة تسليح لا تُقاس بعدد القطع، بل بثلاث طبقات متداخلة:

ومن دون هذه الطبقات، يصبح السلاح أقرب إلى “أصول جامدة” أكثر منه أدوات حرب فعالة. وهذا ما يفسر لماذا، رغم التقديرات التي تشير إلى ترك آلاف المركبات ومئات الطائرات وآلاف الأنظمة الفردية، لم يظهر تحول نوعي في ميزان القوى الإقليمي بعد 2021.

في الإحاطات الرسمية للبنتاغون، يتم تجنب صيغة “كل المعدات أصبحت بيد طالبان”، لصالح توصيف أكثر دقة: أن جزءا كبيرا من المعدات بقي داخل أفغانستان بعد الانسحاب، لكن قابلية تشغيله الفعلية تختلف بشكل كبير. هذا التمييز ليس لغويا، بل جوهريا. فهو يعني عمليا أن هناك ثلاث فئات من المعدات:

  1. معدات صالحة جزئيا للاستخدام الفوري
  2. معدات تحتاج صيانة أو إعادة تأهيل كبيرة
  3. معدات خرجت فعليا من الخدمة العملياتية

وما يهم هنا هو أن الفئة الأولى—وهي الأكثر تداولا إعلاميا—ليست بالضرورة الأكبر من حيث القيمة العسكرية، بل الأكثر وضوحا بصريا فقط (مثل المركبات).

إذا كان هناك مجال يكشف بوضوح حدود “إعادة التوظيف”، فهو القوة الجوية. فحتى وفق أكثر التقديرات تحفظا، فإن تشغيل طائرات مثل UH-60 Black Hawk أو A-29 Super Tucano يتطلب منظومة معقدة لا يمكن اختزالها في امتلاك الطائرة.

وهذه المنظومة تشمل:

غياب هذه العناصر لا يؤدي إلى “تراجع الأداء”، بل إلى شيء أكثر حدة: انقطاع القدرة التشغيلية نفسها. ولهذا، فإن التقييمات الأمريكية لا تشير إلى تحول هذه الطائرات إلى قوة جوية فاعلة بيد طالبان، بل إلى استخدامها بشكل محدود، غير منتظم، وفي نطاقات لا ترقى إلى مستوى “سلاح سيادي”.

المركبات مثل Humvee وMRAP تمثل المثال الأكثر وضوحا على التحول من “سلاح نظامي” إلى “أداة حركة داخلية”. فهذه المركبات صُممت ضمن سياق عملياتي أمريكي يعتمد على:

لكن عند نقلها إلى بيئة غير مماثلة، تتغير وظيفتها بشكل جذري. فهي لا تفقد قيمتها بالكامل، لكنها تفقد “تفوقها النوعي”، وتتحول إلى وسيلة نقل مسلحة أكثر من كونها منصة قتال متكاملة.

وهنا يكمن الفارق الحاسم فـ:السلاح لا ينهار، بل يتغير دوره.

على عكس الأنظمة المعقدة، فإن الأسلحة الفردية هي الأكثر “استقرارا وظيفيا” في أي انتقال سياسي أو عسكري. لكن هذا الاستقرار يخفي حقيقة أخرى: سهولة الاستخدام لا تعني تحولا استراتيجيا. فحتى مع توفر مئات آلاف البنادق والذخائر، تبقى القدرة الناتجة عنها محصورة في:

ولا ترتقي إلى مستوى تغيير ميزان القوى الإقليمي أو تهديد جيوسياسي واسع.

عند مراجعة التقارير الأمريكية بشكل متكامل، يظهر أن القلق الرسمي لا يتمحور حول “امتلاك طالبان للسلاح الأمريكي” بحد ذاته، بل حول ثلاث نقاط أكثر دقة:

  1. إمكانية الاستخدام الجزئي غير المنضبط لبعض الأنظمة الحساسة
  2. إمكانية إعادة توزيع السلاح الخفيف داخل بيئة غير مستقرة
  3. احتمال تسرب بعض المعدات إلى أسواق غير رسمية أو أطراف مسلحة أخرى

لكن في المقابل، لا توجد في الوثائق الرسمية إشارة إلى أن هذه الترسانة—بصورتها الحالية—تشكل تهديدا عسكريا منظما خارج أفغانستان. وهذا فرق جوهري بين “مخاطر انتشار” و“تحول استراتيجي في ميزان القوى”.

ما تكشفه هذه المرحلة من التحليل هو أن التقدير الحقيقي لقوة طالبان العسكرية لا يمكن بناؤه على “قائمة المعدات”، بل على قدرتها على تحويل هذه المعدات إلى نظام تشغيل متماسك. والنتيجة التي تتكرر في كل طبقات التحليل هي:

الترسانة التي تركتها الولايات المتحدة في أفغانستان لم تتحول إلى جيش مكافئ، بل إلى مخزون عسكري محدود الفاعلية خارج نظامه الأصلي.

وهذا ما يفسر التناقض الظاهري بين الحجم الهائل للمعدات، وبين محدودية أثرها الاستراتيجي الفعلي بعد الانسحاب.

عند الوصول إلى هذه المرحلة من التحليل، لم يعد السؤال الحقيقي متعلقا بما إذا كانت طالبان قد حصلت على معدات عسكرية أمريكية متقدمة، ولا حتى بمدى قدرتها على تشغيل جزء منها، بل بالسؤال الأعمق الذي يسبق كل ذلك: كيف انهار جيشٌ قُدِّرت كلفته بما يقارب 80 إلى 90 مليار دولار خلال فترة قصيرة نسبيا، رغم أنه كان يبدو، من حيث الأرقام، واحدا من أكبر مشاريع بناء الجيوش في العالم الحديث؟

الإجابة التي تقدمها تقارير المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR)، إلى جانب تقييمات وزارة الدفاع الأمريكية، لا تشير إلى عامل واحد، بل إلى تداخل بنيوي معقد بين طريقة البناء نفسها، وطبيعة البيئة السياسية والاجتماعية، ونمط الاعتماد الذي تأسس عليه الجيش منذ البداية. وبمعنى أدق، فإن الانهيار لم يكن حدثا مفاجئا، بل نتيجة منطقية لنموذج تأسيسي حمل داخله شروط ضعفه منذ اللحظة الأولى.

أحد أكثر عناصر الضعف عمقا في التجربة الأفغانية هو أن الجيش لم يتشكل كنتاج طبيعي لدولة مستقرة، بل كـ”مشروع موازٍ” تم تمويله وإدارته خارجيا. وهذا الفارق ليس تقنيا بل بنيوي. ففي النماذج التقليدية لبناء الجيوش، تنشأ القوة العسكرية داخل إطار دولة يمتلك:

لكن في الحالة الأفغانية، كان مصدر الشرعية والتمويل والتخطيط والتدريب خارجيا في جزء كبير منه. وهذا ما جعل الجيش، في جوهره، أقرب إلى “امتداد وظيفي للدعم الدولي” منه إلى مؤسسة سيادية مكتملة. وبالتالي، فإن المشكلة لم تكن في حجم الجيش (نحو 300 ألف عنصر)، بل في طبيعة العلاقة بينه وبين الدولة التي يُفترض أنه يحميها.

تشير تقارير SIGAR إلى أن جزءا كبيرا من الإنفاق الأمريكي في أفغانستان لم يكن موجها فقط للتسليح، بل لتمويل منظومة تشغيل كاملة: رواتب، تدريب، صيانة، وبنية تحتية. لكن هذا النموذج أنتج مفارقة خطيرة:
بدلا من أن تبني الدولة قدرة مالية ذاتية، تم خلق اقتصاد أمني يعتمد على التدفق الخارجي المستمر.

وهنا تظهر الإشكالية الجوهرية: كلما زاد التمويل الخارجي، قلّ الحافز لبناء قدرة داخلية مستقلة. وهذا لا يتعلق بالفساد فقط، بل بمنطق اقتصادي-سياسي يجعل بقاء النظام نفسه مرتبطا باستمرار الدعم الخارجي، لا بتراكم قدرة ذاتية.

من السهل تفسير انهيار الجيش عبر “الفساد”، لكن تقارير SIGAR تقدم قراءة أكثر تعقيدا: الفساد لم يكن مجرد انحراف عن النظام، بل كان جزءا من طريقة عمله.

فقد وثقت التقارير:

لكن الأهم من ذلك هو أن هذه الاختلالات لم تُعالج جذريا طوال سنوات، لأنها كانت تتغذى من طبيعة النظام نفسه: نظام يعتمد على التمويل الخارجي، ويصعب فيه ربط الموارد بالرقابة المحلية الفعلية. وبذلك، تحول الفساد من ظاهرة هامشية إلى عنصر مدمج داخل بنية المؤسسة العسكرية.

من العوامل الحاسمة أيضا ضعف منظومة القيادة والسيطرة داخل الجيش الأفغاني. فحتى مع وجود تدريب أمريكي واسع، ظلّ القرار العسكري في كثير من الأحيان مشتتا بين مستويات مختلفة من النفوذ السياسي والعسكري.

وفي غياب مركز سياسي مستقر، تصبح المؤسسة العسكرية عرضة لثلاثة أنماط من الضعف:

وهذا ما ظهر بوضوح خلال انهيار صيف 2021، حين انهارت وحدات كاملة دون قتال يُذكر في بعض المناطق، ليس فقط بسبب التفوق العسكري لطالبان، بل بسبب فقدان الثقة في استمرار الدولة نفسها.

عند لحظة الانسحاب الأمريكي، لم يكن الجيش الأفغاني يواجه خصما جديدا بقدر ما كان يواجه غياب “النظام الذي كان يضمن عمله”. ومع تراجع الدعم الجوي، وانقطاع سلاسل الإمداد، وتراجع التمويل، بدأت طبقات القوة تتفكك بسرعة.

وهنا تكشف التجربة عن قاعدة أساسية في بناء الجيوش:

القوة العسكرية لا تُختبر عند ذروتها، بل عند انقطاع الدعم عنها.

وفي الحالة الأفغانية، كانت نتيجة هذا الاختبار حاسمة: انهيار سريع وغير متدرج، لأن البنية لم تكن مصممة للعمل بشكل مستقل.

لا تقتصر دلالات التجربة الأفغانية على أفغانستان وحدها، بل تمتد إلى سؤال أوسع في السياسات الدفاعية الدولية: هل يمكن بناء جيش مستقر عبر التمويل الخارجي والتدريب التقني دون وجود قاعدة سياسية واقتصادية داخلية صلبة؟

الإجابة التي تلمح إليها التقارير الأمريكية ليست مطمئنة: النموذج يمكن أن ينتج قوة مؤقتة، لكنه لا يضمن استدامة مؤسسية. فالجيوش ليست مجرد معدات وتدريب، بل هي انعكاس مباشر لبنية الدولة نفسها. وعندما تكون الدولة هشة، فإن الجيش —إذا كان مجهزا جيدا— يبقى هشا بالقدر نفسه.

ما تكشفه تجربة أفغانستان، في مجملها، هو أن الانهيار لم يكن نتيجة خطأ تكتيكي أو فشل عسكري لحظي، بل نتيجة تراكم طويل لنموذج بناء اعتمد على الخارج أكثر مما اعتمد على الداخل.

ومن هذا المنظور، فإن الأسلحة التي تُركت خلف الانسحاب —بكل ما تحمله من رمزية— ليست سوى عرض جانبي لخلل أعمق: خلل في تصور كيفية بناء الدولة والجيش معا. وبذلك، تصبح القضية أقل ارتباطا بسؤال: ماذا حصلت عليه طالبان من سلاح؟ وأكثر ارتباطا بسؤال أكثر جوهرية:

ما الذي يحدث عندما يُبنى جيش كامل داخل بيئة لا تستطيع إنتاجه بنفسها؟

الإجابة التي يقدمها الواقع الأفغاني، كما تعكسها الوثائق الرسمية، هي أن القوة العسكرية، مهما بلغت كلفتها أو تطورها، تظل مرتبطة ارتباطا عضويا بالدولة التي تنتجها، وأن غياب هذه الدولة كمنظومة مستقلة يجعل أي ترسانة —مهما كانت ضخمة— عرضة للتحول السريع من قوة نظامية إلى مخزون غير مستقر.

تفصيل المخزون العسكري الأمريكي السابق في أفغانستان وفق تقارير SIGAR – وزارة الدفاع الأمريكية – Government Accountability Office (GAO)

يمثل هذا الملحق محاولة لإعادة بناء الصورة الرقمية للعتاد العسكري الأمريكي/الأفغاني السابق اعتمادا على مصادر رسمية فقط، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام ليست “جردا نهائيا دقيقا” بسبب انهيار أنظمة التتبع الأفغانية قبل 2021، وهو ما أكدته تقارير SIGAR مرارا.

تشير وثائق SIGAR (Special Inspector General for Afghanistan Reconstruction) إلى أن قاعدة البيانات الأساسية لتتبع معدات الجيش الأفغاني (Core IMS) تعرضت لانقطاع وفقدان بيانات جزئي في 2021، ما جعل وزارة الدفاع الأمريكية تعتمد على:

مصدر توثيقي:
(Task & Purpose)

1) المركبات البرية (Ground Vehicles)

الصنف العدد التقريبي الحالة عند الانسحاب المصدر الرسمي
Humvee (مركبات تكتيكية) ~22,000 مركبة جزء منها غير صالح / جزء متروك DoD / SIGAR
MRAP (مضادة للألغام) ~9,000 مركبة جزء كبير غير عامل أو مدمّر SIGAR 2022/2023
مركبات تكتيكية متنوعة ~50,000+ مختلط (تشغيلي/متضرر) GAO + DoD
شاحنات دعم لوجستي غير محدد بدقة متروك جزئيا SIGAR

ملاحظة:
التقارير تؤكد أن جزءا كبيرا من المركبات لم يكن “جاهزا للقتال” لحظة الانهيار، بل كان يحتاج صيانة غير متوفرة.

2) الطائرات (Aircraft Inventory)

النوع العدد التقريبي الحالة عند الانسحاب الملاحظات التشغيلية المصدر
UH-60 Black Hawk ~60–80 غير مكتمل التشغيل يعتمد على صيانة أمريكية SIGAR / DoD
Mi-17 ~30+ بعضها خارج الخدمة صيانة خارج البلاد SIGAR
A-29 Super Tucano ~20–25 محدود التشغيل تدريب طيارين ناقص DoD
MD-530 Helicopters ~50+ جزئي التشغيل فقدان دعم فني SIGAR
C-208 / C-130 محدود غير مستقر دعم لوجستي خارجي DoD

خلاصة: معظم الطائرات غير قابلة للتشغيل المستقل بعد الانسحاب بسبب فقدان منظومة الصيانة.

3) الأسلحة الفردية والذخائر (Small Arms)

الصنف العدد التقريبي الملاحظة المصدر
بنادق هجومية (M16 / M4 / AK variants) 300,000 – 400,000 تفاوت كبير في التوثيق SIGAR + GAO
مسدسات 100,000+ غير دقيق بالكامل GAO
رشاشات خفيفة ومتوسطة 50,000+ تقديري DoD
ذخائر متنوعة ملايين الطلقات غير قابلة للحصر الكامل SIGAR

تنبيه توثيقي:
تقارير SIGAR تؤكد أن أرقام الأسلحة الفردية “غير دقيقة بالكامل” بسبب ضعف أنظمة التسجيل قبل الانهيار.

4) المعدات الحساسة (Sensitive Equipment)

النوع الحالة الاستخدام المحتمل بعد 2021 المصدر
أجهزة رؤية ليلية متروكة جزئيا استخدام محدود SIGAR
أنظمة GPS عسكرية غير متكاملة تشغيل جزئي DoD
أجهزة اتصال مشفرة فقدان منظومة التشفير استخدام محلي محدود SIGAR
أجهزة ليزر تحديد أهداف غير مؤكدة بالكامل منخفضة الاستخدام GAO

استنتاج: تبقى حالة العديد من المعدات الحساسة غير معروفة بعد الانسحاب.

5) المعدات اللوجستية والدعم

الصنف العدد الحالة المصدر
مولدات كهرباء عسكرية مئات بعضها متروك DoD
معدات طبية ميدانية غير دقيق غير موثق بالكامل SIGAR
معدات هندسية غير دقيق متروك جزئيا GAO
معدات اتصالات ميدانية آلاف الوحدات متضرر جزئيا SIGAR

استنتاج: المشكلة لم تكن في “كمية السلاح”، بل في غياب نظام موحد لتوثيق وتشغيل هذا السلاح.

بمعنى آخر:

وهذا ما يجعل وزارة الدفاع نفسها تعترف في تقاريرها بأن: “لا يوجد رقم نهائي دقيق لما تبقى من المعدات في أفغانستان.”

وفق جميع المصادر الرسمية:

حدود التهديد الاستراتيجي: هل يمكن فعلا أن تتحول هذه المعدات إلى خطر خارج أفغانستان؟

عند محاولة تقييم “الخطر الاستراتيجي” الناتج عن المعدات العسكرية التي بقيت في أفغانستان بعد انسحاب الولايات المتحدة، فإن أول ما ينبغي تفكيكه هو الافتراض الضمني الذي يختزل المسألة في فكرة انتقال سلاح متقدم إلى يد طرف غير دولتي، ثم افتراض أن هذا الانتقال يعني تلقائيا قدرة تهديد ممتدة خارج الحدود الأفغانية. هذا التصور، رغم شيوعه في الخطاب الإعلامي، يتجاوز ما تسمح به المعطيات الرسمية الأمريكية نفسها، ويخلط بين وجود العتاد وبين تحوله إلى قوة إسقاط عابر للحدود.

الوثائق الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية وتقارير المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) لا تقدم في أي موضع منها تقديرا يفيد بأن الترسانة المتروكة قد تحولت إلى قدرة هجومية استراتيجية خارج الإقليم. بل إن المنطق الذي تحمله هذه التقارير يسير في اتجاه معاكس تقريبا: فالقيمة القتالية لهذه المعدات، حتى عندما كانت ضمن الجيش الأفغاني نفسه، كانت مرتبطة بسياق تشغيلي شديد الخصوصية، يعتمد على شبكة دعم لوجستي وصيانة وتدريب لا يمكن إعادة إنتاجها بسهولة داخل بيئة معزولة أو غير مستقرة.

من هذه الزاوية، يصبح السؤال أكثر دقة: ليس ما إذا كانت المعدات “خطيرة” في حد ذاتها، بل ما إذا كانت قابلة للتحول إلى منظومة تهديد مستقرة ومستمرة. وهنا تظهر أولى حدود هذا الاحتمال، إذ إن طبيعة معظم المعدات المتروكة —وخاصة المنظومات الجوية والإلكترونية— تفترض وجود سلسلة تشغيل متكاملة تبدأ من المصنع ولا تنتهي عند ساحة المعركة. وعندما تنقطع هذه السلسلة، فإن ما يتبقى ليس قوة عسكرية قابلة للتوسع، بل قدرات مجزأة، تتفاوت في الفاعلية وتخضع لقيود تشغيلية صارمة.

حتى في الحالات التي يمكن فيها استخدام بعض المعدات بشكل جزئي، مثل المركبات المدرعة أو الأسلحة الفردية، فإن هذا الاستخدام يظل محصورا ضمن نطاق العمليات الداخلية أو الإقليمية المحدودة، ولا يمتلك الخصائص البنيوية التي تسمح بتحويله إلى تهديد استراتيجي عابر للحدود. فالقوة الاستراتيجية، وفق الأدبيات العسكرية التقليدية، لا تقوم على توفر الوسائل فقط، بل على القدرة على الإسناد المستمر، والتحديث التقني، وإدارة مسارح عمليات متعددة، وهي عناصر لا توفرها الترسانة المتروكة بحد ذاتها.

وتزداد هذه الحدود وضوحا عند النظر إلى الجانب الأكثر تعقيدا في هذه المنظومة، أي المعدات الحساسة المرتبطة بالاتصال والمراقبة والاستطلاع. فهذه الأنظمة، حتى في أفضل الظروف، تعمل داخل شبكات بيانات وبنى قيادة وسيطرة مترابطة. ومع انهيار هذه البنى، تتحول الأجهزة إلى أدوات ذات فاعلية جزئية، لا يمكنها أداء وظائفها الأصلية بشكل كامل. وبالتالي، فإن افتراض استخدامها كرافعة لتطوير تهديد خارجي واسع النطاق يصطدم بعائق بنيوي يتعلق بطبيعة التكنولوجيا العسكرية الحديثة نفسها، لا بملكية الجهاز.

في المقابل، لا تنفي التقارير الأمريكية وجود مخاطر، لكنها تعيد تعريفها ضمن نطاق مختلف تماما. فالمخاطر التي يتم التحذير منها تتعلق أساسا بإعادة توزيع بعض الأسلحة الخفيفة داخل بيئات غير مستقرة، أو تسرب أجزاء من المعدات إلى أسواق غير رسمية، أو استخدامها في صراعات محلية منخفضة الكثافة. وهذه السيناريوهات، رغم أهميتها الأمنية، لا ترقى إلى مستوى “تهديد استراتيجي عالمي”، بل تبقى ضمن نطاقات الأمن الإقليمي وإدارة المخاطر غير النظامية.

ما يتضح من هذا التداخل بين المعطيات التقنية والتقديرات الرسمية هو أن الخطر الحقيقي لا يكمن في “قدرة المعدات على العمل خارج أفغانستان”، بل في هشاشة البيئة التي خرجت منها هذه المعدات. فالمعضلة ليست في أن الترسانة قد تشكل قوة هجومية مستقلة، بل في أن انهيار النظام الذي كان يضبطها خلق فراغا أمنيا وإداريا يسمح باستخدامها بشكل غير منضبط داخل نطاقها الجغرافي الأصلي.

وبذلك، يمكن القول إن الحدود الفعلية للتهديد لا تُرسم بحجم العتاد ولا بتطوره، بل بمدى قدرة أي طرف على تحويل هذا العتاد إلى نظام تشغيل مستدام. ووفق ما تظهره المعطيات الرسمية الأمريكية، فإن هذه القدرة —في الحالة الأفغانية— تبقى محدودة للغاية، ومقيدة بعوامل بنيوية تمنع انتقالها من مستوى “الامتلاك” إلى مستوى “الإسقاط الاستراتيجي الخارجي”.

وفي ضوء ذلك، يصبح الحديث عن “تهديد عالمي مباشر” ناتج عن هذه الترسانة أقرب إلى قراءة سياسية أو إعلامية مكثفة، منه إلى استنتاج مدعوم ببنية تحليلية عسكرية مستقرة.

هل يمكن اعتبار المعدات الأمريكية في أفغانستان تهديدا عسكريا عالميا؟

لا، وفق تقارير وزارة الدفاع الأمريكية وSIGAR، فإن أغلب المعدات فقدت عناصرها التشغيلية الأساسية ولا يمكن أن تشكل قوة إسقاط استراتيجي خارج أفغانستان.

ما نسبة المعدات التي يمكن تشغيلها فعليا؟

لا توجد نسبة دقيقة رسمية، لكن التقارير تشير إلى أن الأسلحة الفردية والمعدات البسيطة هي الأكثر قابلية للاستخدام، بينما الطيران والمعدات الإلكترونية المتقدمة فقدت معظم فعاليتها.

هل استخدمت طالبان الطائرات الأمريكية بشكل فعلي؟

تشير تقارير رسمية إلى استخدام محدود جدا وغير مستقر لبعض الطائرات، دون وجود قدرة جوية منظمة أو مستدامة.

هل وصلت هذه الأسلحة إلى جماعات خارج أفغانستان؟

هناك تقارير أمنية عن تسرب محدود لبعض الأسلحة الخفيفة إلى أسواق غير رسمية وجماعات إقليمية، لكن دون أدلة رسمية على انتقال منظومات متقدمة كاملة.

لماذا لم تُدمَّر المعدات قبل الانسحاب؟

وفق بيانات وزارة الدفاع الأمريكية، تم تدمير جزء من المعدات، لكن الحجم الكبير وسرعة الانسحاب والانهيار الميداني حدّت من إمكانية تدمير أو نقل كل الأصول.

تكشف مجمل المعطيات الرسمية أن الترسانة العسكرية التي خلفتها الولايات المتحدة في أفغانستان لا يمكن التعامل معها كقوة استراتيجية مكتملة، بل كمخزون عسكري فقد جزءا أساسيا من شروط تشغيله. فالقيمة العسكرية لأي منظومة تسليح، كما توضحها الأدبيات الدفاعية وبيانات DoD، لا تتحدد في وجود العتاد فقط، بل في البيئة المؤسسية التي تضمن استمراريته.

وعليه، فإن ما تبقى في أفغانستان بعد 2021 لا يشكل “جيشا بديلا”، ولا حتى منظومة قادرة على إسقاط قوة خارج حدودها، بل يمثل مزيجا من قدرات متفاوتة الفاعلية، تتراوح بين الاستخدام المحلي المحدود والتعطيل الجزئي الكامل لبعض الأنظمة المعقدة.

وبهذا المعنى، فإن التهديد الحقيقي لا ينبع من تحول هذه المعدات إلى قوة هجومية عالمية، بل من هشاشة البيئات الأمنية الإقليمية التي قد تعيد تدوير جزء منها في صراعات منخفضة الكثافة، دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى تغيير في موازين القوى الدولية.

مراجع الدراسة:

Congressional Research Service. (n.d.). Congressional Research Service (CRS) reports. Congress.gov. https://crsreports.congress.gov

Government Accountability Office. (n.d.). Reports and testimonies. U.S. Government Accountability Office. https://www.gao.gov

Government Publishing Office. (n.d.). GAO reports and Comptroller General decisions. GovInfo. https://www.govinfo.gov/help/gaoreports

Special Inspector General for Afghanistan Reconstruction. (2023). Why the Afghan Security Forces Collapsed (Report No. SIGAR 23-16-IP). U.S. Government Publishing Office. https://www.govinfo.gov/content/pkg/GOVPUB-S-PURL-gpo220547/pdf/GOVPUB-S-PURL-gpo220547.pdf

Special Inspector General for Afghanistan Reconstruction. (n.d.). Reports and publications. https://www.sigar.mil

U.S. Department of Defense. (n.d.). Department of Defense. https://www.defense.gov

U.S. Department of Defense. (2020). Enhancing Security and Stability in Afghanistan. Office of the Secretary of Defense. https://media.defense.gov

U.S. Government Accountability Office. (n.d.). Afghanistan: Reports and testimonies. https://www.gao.gov/search?search_api_fulltext=Afghanistan

Exit mobile version