كتاب: الحِجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة (PDF)

قراءة تحليلية في منطق الإقناع وتحولات البلاغة المعاصرة

  • لماذا الحِجاج اليوم؟

لم يعد الخطاب، في السياقات المعاصرة، مجرد بناء لغوي جمالي أو تركيب بلاغي قائم على الزخرف اللفظي، بل أصبح فعلا حِجاجيا يهدف إلى التأثير، والإقناع، وتوجيه المواقف والتمثلات. في هذا السياق، يندرج كتاب «الحِجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة» للباحثة أمينة الدهري ضمن الجهود العلمية التي تسعى إلى إعادة بناء النظرية البلاغية على أسس تداولية وحجاجية، تستجيب لتحولات الخطاب الحديث في السياسة، والإعلام، والدين، والتعليم.

يمثل هذا الكتاب إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، لأنه لا يكتفي بعرض المفاهيم، بل يعمل على إعادة توطين البلاغة الجديدة داخل السياق العربي، مع مساءلة المفاهيم الكلاسيكية وإعادة تأويلها في ضوء منجزات اللسانيات والتداوليات المعاصرة.

  • 1- البلاغة الجديدة – من الجمال إلى الإقناع

ينطلق الكتاب من التحول الجوهري الذي عرفته البلاغة الحديثة، خصوصا مع أعمال شاييم بيرلمان ولوسي أولبرخت-تيتيكا، حيث لم تعد البلاغة تُفهم بوصفها فنا للتزيين أو تحسين الكلام، بل باعتبارها نظرية عامة للحِجاج والإقناع.

تؤكد أمينة الدهري أن البلاغة الجديدة:

  • تفك الارتباط الحصري بين البلاغة والأدب
  • وتعيد وصلها بالخطاب اليومي، والحجاج العملي
  • وتجعل من المتلقي عنصرا مركزيا في بناء المعنى

وهنا تنتقل البلاغة من سؤال: كيف يُقال الكلام؟
إلى سؤال أعمق: لماذا يُقال؟ ولمن؟ وبأي قصد إقناعي؟

  • 2- مفهوم الحِجاج وبناء الخطاب:

يُعالج الكتاب الحِجاج بوصفه بنية داخلية للخطاب، لا مجرد آلية إضافية. فكل خطاب، بحسب التصور الحجاجي، يحمل في طياته:

  • أطروحة مركزية
  • مجموعة من الحجج
  • مسارا إقناعيا موجّها نحو المتلقي

وتبيّن المؤلفة أن الحِجاج:

  • ليس حكرا على الخطاب الفلسفي أو المنطقي
  • بل حاضر في الخطاب الديني، والإعلامي، والتربوي، والسياسي
  • ويتجلى في اختيار الألفاظ، وترتيب الحجج، واستدعاء القيم المشتركة

وبذلك يصبح بناء الخطاب عملية استراتيجية واعية، تُراعي السياق، والذات المتكلمة، والآخر المتلقي.

  • 3- الحِجاج والبعد التداولي:

من النقاط القوية في الكتاب ربطه بين الحِجاج والتداولية، حيث تُبرز أمينة الدهري أن:

  • الخطاب لا يُفهم خارج سياق الاستعمال
  • والحِجاج يتحدد بظروف المقام
  • وبالعلاقة التفاعلية بين المتكلم والمخاطَب

يظهر هذا بوضوح في تحليل:

  • أفعال الكلام
  • الافتراضات المسبقة
  • المسكوت عنه
  • القيم المشتركة التي يُراهن عليها الخطاب

وهنا يتقاطع الكتاب مع أعمال أوستين، سيرل، وفان دايك، دون الوقوع في النقل أو التكرار، بل عبر إعادة صياغة عربية واعية لهذه المفاهيم.

  • 4- الحِجاج بين البلاغة العربية والبلاغة الجديدة:

لا يتعامل الكتاب مع البلاغة العربية بوصفها تراثا منتهي الصلاحية، بل يسعى إلى:

  • قراءة المفاهيم البلاغية القديمة (الاستدلال، القياس، الإقناع)
  • وإعادة تأويلها حجاجيا
  • والكشف عن إمكانات تحديثها نظريا

وتبرز المؤلفة أن البلاغة العربية الكلاسيكية:

  • كانت حجاجية في جوهرها
  • لكنها حُوصرت لاحقا في بعدها البياني والزخرفي
  • وأن البلاغة الجديدة تتيح فرصة إعادة وصل البلاغة العربية بوظيفتها الإقناعية الأصلية

5- أهمية الكتاب في البحث اللغوي والنقدي:

تتجلى أهمية كتاب الحِجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة في كونه:

كما يفيد الباحثين في:

خلاصة:

يمثل هذا الكتاب نموذجا للبحث البلاغي العربي الجاد، الذي لا يكتفي بالعرض، بل يسعى إلى إعادة بناء المفاهيم وتحديث أدوات التحليل. وهو يؤكد أن الحِجاج ليس تقنية خطابية فحسب، بل منطق تفكير وشرط أساس لفهم الخطاب في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتعدد فيه أشكال التأثير.

Exit mobile version