
دخلت امرأةٌ من بقايا آل برمك على أمير المؤمنين هارون الرشيد، وكان مجلسه يومئذٍ غاصًّا بأهل الدولة من وزرائه وندمائه وأصحاب رأيه، فسلّمت سلام الواثقين، ثم أقبلت عليه بلسانٍ يقطر ثناءً، فقالت:
يا أمير المؤمنين، أقرّ الله عينك، وفرّحك بما أتاك، وأتمّ سعدك، لقد حكمتَ فقسطت.
فنظر إليها الرشيد مليًّا، ثم قال في تؤدة:
— من تكونين أيتها المرأة؟
قالت، من غير جزع ولا تهيّب:
— أنا امرأةٌ من آل برمك، ممن قتلتَ رجالهم، وصادرتَ أموالهم، وسلبتَ نوالهم.
فقال الرشيد، وقد ظهر على وجهه أثر الهيبة:
— أمّا الرجال، فقد جرى فيهم حكم الله، ونفذ فيهم قضاؤه، وأما الأموال فمردودةٌ إليك.
ثم التفت إلى من حضر من جلسائه، وقال:
— أتدرون ما قالت هذه المرأة؟
قالوا جميعًا:
— ما سمعنا منها إلا دعاءً حسنًا وثناءً جميلاً.
فابتسم الرشيد ابتسامة العارف، وقال:
— ما أظنكم فقهتم مقصِدها، ولا وقفتم على بليغ إشارتها.
أما قولها: «أقرّ الله عينك»، فليس كما تظنون؛ فإن العين إذا قَرّت سكنت، وإذا سكنت عن الحركة عميت.
وأما قولها: «فرّحك بما أتاك»، فمأخوذ من قوله تعالى:
﴿حَتّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: 44].
وأما قولها: «أتمّ الله سعدك»، فذلك من قول الشاعر:
إذا تمّ شيءٌ بدا نقصُهُ
ترقّب زوالًا إذا قيل تمّ
وأما قولها: «لقد حكمت فقسطت»، فالقِسط غير العدل، وقد قال الله تعالى:
﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15].
فعجب القوم، وبهتت الوجوه، وتبيّن لهم أن المرأة البرمكية لم تكن مادحة، بل كانت داعيةً عليه، غير أن دعاءها جاء في حُلّة البلاغة، واستتر خلف ألفاظ الثناء، فلم يفطن له أكثر أهل المجلس.
وهكذا مضت المرأة، وقد قالت ما أرادت، وأوصلت رسالتها، وأثبتت أن البلاغة قد تكون أوقع من السيف، وأن اللسان إذا أحسن المكر، جاوز الحراس والفقهاء والوزراء.
- لمحة تاريخية:
هارون الرشيد: خامس خلفاء بني العباس، وأشهرهم ذكرًا، بلغ عصره ذروة الازدهار العلمي والأدبي والفكري، وفي أيامه تأسست نواة بيت الحكمة ببغداد، وازدهرت حركة الترجمة والتأليف، حتى صار عصره رمزًا لما يُعرف بالعصر الذهبي للحضارة العباسية.