قبيلة “خثعم”: الجذور، التاريخ، والمواقف الكبرى من اليمن إلى الحجاز

تُمثل قبيلة خثعم؛ واحدة من القبائل العربية الأصيلة ذات الحضور البارز في جغرافيا الجزيرة العربية وتاريخها السياسي والديني. لقد كانت هذه القبيلة في صلب أحداث مفصلية من تاريخ ما قبل الإسلام وبعده، بدءًا من مواجهتها لجيش أبرهة الحبشي، وصولًا إلى دخولها الإسلام ووفادتها على النبي محمد ﷺ. في هذا التحليل، نسلط الضوء على أنسابها، فروعها، وأهم أدوارها في السياق العربي والإسلامي.

تُعد ديار خثعم امتدادًا استراتيجيًا بين الحجاز وجنوب الجزيرة العربية، إذ كانت منازلهم تقع على الهضبة الممتدة بين بجيلة والأزد، وبالقرب من الطريق التجاري القديم للقوافل المتجهة من اليمن إلى مكة.
وقد انحدرت مواطنهم أيضًا إلى مناطق بيشة شرقًا، واستمرت هذه المواطن في التوارث حتى العصر الحديث، حيث لا تزال قبائل خثعم معروفة في مركز خثعم التابع لمحافظة بلقرن، وصولًا إلى مركز تبالة في بيشة.

تعددت آراء النسابة حول نسب خثعم، ويمكن تلخيص أبرز الاتجاهات كالتالي:

وهناك روايات متعددة عن سبب تسمية القبيلة بـ”خثعم”:

فروع قبيلة خثعم: شهران، ناهس، وأكلب

يتألف هيكل خثعم القبلي من عدة فروع كبرى، أبرزها:

وقد أورد الأشرف الرسولي هذه التقسيمات بوصفها الفروع المركزية للقبيلة، بينما قال ابن الكلبي إن “العدد والشرف” كانا لدى شهران وناهس تحديدًا، مما يشير إلى هيمنتهما على الحضور السياسي والعسكري لخثعم.

كما العديد من قبائل الجنوب مثل دوس وباهلة وبجيلة، عبدت خثعم الصنم ذو الخلصة، وكان يُعد من أكبر رموز الجاهلية. ومع دخول الإسلام، قام الصحابي جرير بن عبد الله البجلي بهدم الصنم، ما أدى إلى وقوع اشتباك مسلح مع خثعم وقتل عدد منهم، قبل أن تهدأ الأمور ويدخلوا الإسلام.

في السنة العاشرة للهجرة، وبعد حادثة هدم الصنم، وفد عثعث بن زحر وأنس بن مدرك في جماعة من خثعم على النبي ﷺ معلنين إسلامهم. وقد كتب لهم النبي ﷺ كتابًا يحفظ لهم دماءهم وأموالهم، ومنه:

“كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لخثعم من حاضر بيشة وباديتها: إن كل دم أصبتموه في الجاهلية فهو عنكم موضوع… فلكم نشره وأكله، وعليهم في كل سيح العشر، وفي كل غرب نصف العشر، شهد جرير بن عبد الله ومن حضر”.

هذا الكتاب لا يعد فقط وثيقة سياسية، بل يعتبر من أوائل الصكوك التشريعية المتعلقة بحقوق القبائل في الإسلام.

من أبرز المواقف التي خلدها التاريخ لخثعم، تصديهم لجيش أبرهة الحبشي حين زحف نحو مكة لهدم الكعبة.
خرج نفيل بن حبيب الخثعمي مع فرعي ناهس وشهران وقبائل أخرى، لمواجهة أبرهة، إلا أن الأخير تمكن من هزيمتهم وأسر نفيل، وأجبره على أن يكون دليله الجغرافي إلى مكة.
هذه الحادثة تذكرها مصادر كـالطبري، الواقدي، وابن سعد، وتؤكد على مكانة خثعم في خارطة الدفاع القبلي عن المقدسات قبل الإسلام.

تربط خثعم علاقة قربى وصراع وتعاون مع قبيلة بجيلة المجاورة. ويتفق كثير من النسابة على أن القبيلتين من سلالة أنمار، ويشكلان تحالفًا قبليًا كان له وزن عسكري وسياسي في القرون الأولى من الإسلام.

ما يُميز خثعم عن غيرها من القبائل أنها لا تزال تقيم في مناطقها التاريخية الأصلية، في بلاد عسير ومحيط بيشة وبلقرن، رغم التحولات التي مرت بها شبه الجزيرة من العصر الجاهلي مرورًا بالعصر الإسلامي الوسيط وحتى اليوم.

تمثل قبيلة خثعم تجسيدًا لقبيلة عربية تمسكت بهويتها وأرضها عبر القرون، وشاركت في لحظات فارقة من تاريخ العرب القديم والإسلام المبكر. من الوقوف في وجه أبرهة، إلى دخولها الطوعي في الإسلام، حافظت القبيلة على مكانة بارزة في المشهد السياسي والديني. كما أن تعدد الروايات حول نسبها وتفسير اسمها يعكس الغنى الثقافي والتاريخي للقبائل العربية الكبرى.

المراجع العلمية:

  1. ابن الكلبي. جمهرة النسب. تحقيق محمود الفردوس العظم.
  2. الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك. دار الفكر.
  3. ابن عبد البر. الاستيعاب في معرفة الأصحاب. دار الجيل.
  4. ابن سعد البغدادي. الطبقات الكبرى. دار صادر.
  5. الواقدي. المغازي. تحقيق مارسدن جونز.
  6. الترمذي. سنن الترمذي. الحديث عن سبأ، بتحقيق الألباني.
  7. الحاكم النيسابوري. المستدرك على الصحيحين.
  8. صالح أحمد العلي. دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام. دار الفكر العربي.
  9. نشوان الحميري. شرح شمس العلوم. تحقيق جامعة صنعاء.
  10. الأشرف الرسولي. طرف الحجاب في معرفة الأنساب.
Exit mobile version