لكلِّ مقامٍ مقال، ولكلِّ زمانٍ رجالٌ: للجاحظ

قراءة في حكمة الجاحظ وسياقها الثقافي

«لكلِّ مقامٍ مقال، ولكلِّ زمانٍ رجالٌ
… ورجالُ الجدِّ غير رجالِ الهزْل، وقد يحسُن بالشَّبابِ ويقبُح مثلُه من الشيوخ، ولولا التحصيلُ والموازنَة، والإبقاء على الأدب، والدَّيانة بشدَّة المحاسبة، لما قالوا: لكلِّ مقامٍ مقال، ولكلِّ زمانٍ رجالٌ، ولكلِّ ساقطةٍ لاقطة، ولكلِّ طعامٍ أكلة.»

الحيوان – للجاحظ

يُقدّم الجاحظ في هذا المقطع واحدة من أعمق القواعد الثقافية والأخلاقية في التراث العربي، وهي أن القول والسلوك لا يُقاسان بمعيار واحد ثابت، بل بسياقهما ومقامهما وزمانهما وأهلهما. فالكلمة التي تُحمد في موضع، قد تُذم في موضع آخر، والخلق الذي يُستحسن من فئة عمرية، قد يُستقبح من غيرها.

حين يقول الجاحظ «لكل مقام مقال»، فهو لا يتحدث عن البلاغة اللفظية فقط، بل عن بلاغة السلوك والعقل. فالمقام يشمل:

أما قوله «ولكل زمان رجال» فيحيل إلى فكرة مركزية:
أن الأزمنة تُنتج أنماطًا بشرية مختلفة، وأن محاولة إسقاط معايير زمن على زمن آخر هو نوع من الجهل بالتاريخ والاجتماع.

يلفت الجاحظ النظر بذكاء إلى أن بعض الأفعال:

وهذا ليس ازدواجًا في المعايير، بل وعيٌ باختلاف الأدوار والمسؤوليات. فالعمر، في نظر الجاحظ، ليس رقمًا زمنيًا فقط، بل موقع أخلاقي واجتماعي.

تكمن قوة هذا النص في راهنيته؛ إذ يمكن إسقاطه على:

كثير من الأزمات المعاصرة سببها الخلط بين المقامات، أو تجاهل اختلاف الأزمنة والسياقات، وهو ما نبّه إليه الجاحظ قبل أكثر من ألف عام.

هذه العبارة ليست مجرد مثل شائع، بل قاعدة حضارية في فهم الإنسان والكلام والتاريخ. وهي تذكير دائم بأن الحكمة ليست في كثرة القول، بل في ملاءمته لمقامه وزمانه وأهله.

Exit mobile version