
يُعد كتاب «خزانة الأدب وغاية الأرب» من أبرز المؤلفات الموسوعية في التراث العربي، وأحد أهم المراجع الكلاسيكية التي جمعت بين علوم البلاغة والنقد والأدب والتاريخ والتراجم. وقد ألّفه الأديب والناقد تقي الدين أبو بكر بن علي بن عبد الله الحموي، المعروف بابن حجة الحموي (767-837هـ/1366-1434م)، وهو من كبار أعلام الأدب في العصر المملوكي وصاحب إسهامات بارزة في فن البديع والشعر والإنشاء.
نشأ هذا الكتاب في الأصل بوصفه شرحا موسعا لـ البديعية الشهيرة التي نظمها ابن حجة الحموي في مدح النبي ﷺ، والتي حملت عنوان «تقديم أبي بكر»، مقتفيا فيها أثر بديعية عز الدين الموصلي ومستفيدا من التجربة الفنية لـ صفي الدين الحلي في هذا اللون الأدبي الذي يقوم على تضمين كل بيت نوعا أو أكثر من أنواع المحسنات البديعية. وقد حرص المؤلف على الإشارة داخل أبياته إلى المصطلحات البلاغية ذاتها، حتى بلغ عدد الأنواع التي تناولها أكثر من 142 نوعا، في محاولة لإبراز ثراء التراث البلاغي العربي وتنوع مدارسه.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في البديعية وحدها، وإنما في الشرح الضخم الذي وضعه المؤلف عليها، والذي اختار له اسم «خزانة الأدب وغاية الأرب». فقد تجاوز هذا الشرح حدود التعليق البلاغي التقليدي ليغدو موسوعة أدبية متكاملة، حشد فيها المؤلف ثروة كبيرة من النصوص والشواهد الشعرية والنثرية، واستطرد في عرض أخبار الأدباء والشعراء، وقضايا اللغة والنقد، ومسائل البلاغة، وتراجم الأعلام، فضلا عن إيراد النوادر والأمثال والمواليا والأزجال والقطع الأدبية التي تعكس ثراء الحياة الثقافية في عصره.
ويكتسب الكتاب أهمية خاصة لدى الباحثين في تاريخ الأدب العربي، لأنه يقدم صورة دقيقة عن البيئة الفكرية والأدبية خلال العصر المملوكي، وهي مرحلة شهدت ازدهارا ملحوظا في علوم البلاغة والإنشاء والدراسات اللغوية. كما يضم بين صفحاته عددا كبيرا من النصوص الشعرية التي حفظت نتاج شعراء تلك الحقبة، وبعضها لا يكاد يُعرف إلا من خلال ما نقله ابن حجة في مؤلفه.
ومن الناحية العلمية، يصنف الباحثون «خزانة الأدب وغاية الأرب» ضمن المصادر الأساسية لدراسة تطور علم البديع وفنون البلاغة العربية، إذ يجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي، ويقدم أمثلة حية على توظيف المحسنات البديعية في الشعر والنثر. كما يبرز تفاعل الأدب العربي مع مختلف الأجناس التعبيرية في ذلك العصر، ويكشف عن طبيعة الذوق الأدبي السائد وطرائق التأليف والتلقي.
ولا تزال قيمة هذا الكتاب حاضرة في الدراسات الجامعية والبحوث المتخصصة، حيث يعتمد عليه الباحثون في مجالات الأدب العربي القديم، والبلاغة، والنقد، وتحقيق التراث، بوصفه مرجعا أصيلا يختزن مادة معرفية واسعة يصعب العثور على نظيرها في كثير من المؤلفات الأخرى.
كتاب «خزانة الأدب وغاية الأرب» لتقي الدين الحموي – من أمهات كتب البلاغة والأدب العربي
إن «خزانة الأدب وغاية الأرب» ليس مجرد شرح لبديعية شعرية، بل هو مكتبة أدبية مصغرة وموسوعة ثقافية متكاملة، تجمع خلاصة معارف عصرها وتضع بين يدي القارئ والباحث كنزا من النصوص والتحليلات التي أسهمت في حفظ جانب مهم من التراث الأدبي والحضاري العربي الإسلامي.