حمّور لا يكذب

في ليلة مقمرة اختفى الجمل من بين تعداد القطيع، اكتشف حمّور ذلك عندما لم يلحظ وجوده في نهاية قافلة القطيع التي يقودها إلى المرعى، لم يكترث لأمر غيابه في البداية، لكنه بعد عدة أيام سمع همساً  وهمهمة وعواءاً  وثغاءاً ونعيقاً حول مؤامرة دُبّرت في ليلٍ للتخلص من الجمل الذي  جهر بسخطه عند تنصيب الحمار قواداً على القطيع، وعندما تعالت الأصوات وصارت تُسمع بوضوح استدعى حمّور وزيره الخنزير الحكيم، مَثَلَ الخنزير الحكيم أمام حافري الحمار حمّور المغوار، سلّم عليه سلام الحيوانات واحنى رأسه بخنوع ثم  قال  بخوف وخشوع:

قاطعه الحمار برفسة من قائمته الخلفية اليسرى، حدّق في عينيه وخطمه المتسخ وباغته بالسؤال:

ابتسم الخنزير الوزير وزال عنه الخوف، رفع رأسه وأجاب في الحال:

نهق حمّور الحمار المغوار وحرّك رأسه نحو الأعلى فالأسفل تعبيراً عن رفضه لجواب الخنزير الكاذب، نقر بحافره الأيمن معلف البرسيم وقال بصوت غاضب:

قال الخنزير ذلك بلهجة الإقرار لمن يعرف كل الأسرار، مرّغ خطمه بالمزيد من القذارة وأردف قائلاً:

رد حمّور بعد لحظة تفكير بنبرة كلها دهشة واستنكار:

حملق الخنزير بكومة الزبل تحت ذيل الحمار، ثم اقترب منه بخطوات وئيدة وقال بما يشبه الهمس:

فغر الحمار فمه فبانت أسنانه الصفراء، نهق  قائلاً بسرور:

أسرع الوزير الخنزير بالرد ومعالم البهجة ترتسم على وجهه:

حرّك حمّور رأسه ذات اليمين والشمال، وبذات الوقت كشَّ الذباب عن مؤخرته بتحريك ذيله الطويل، قال بفخر واضح:

ضحك الوزير بأدب جمّ، لعق خطمه بلسانه وأردف بالجواب:

أحنى حمّور رأسه للأسفل كنوع من التعبير عن الحزن لنفوق الجمل، استغرق دقيقتين في مضغ الخبر وتابع استجواب الوزير، نهق قائلاً:

لا أظنهم يصدقون مقولة “أكلهُ الذئب” التي نتذرع بها في كل ما نريد التخلص منه، في بداية الأمر سكتت الرعية عن اختفاء الدجاج، وعلى مضض تقبلوا ذريعة اختفاء بعض النعاج، وبصعوبة جمّة بلعوا خبر أكل الذئب للثور الكبير، وبعد هذا كله تريدني أن أقف بين الحيوانات وأعلن موت الجمل بين فكي الذئب البريء؟ هل تريد أن يقال عني كذاب؟

سارع الوزير الخنزير المحنّك بالجواب، لعق خطمه بسرعة خاطفة وأكمل الحديث:

قبل أن يتابع الحمار والخنزير الحوار، قرعَ الجحش البوّاب الباب ودخل عليهما، اقترب من أذن الخنزير ونهق فيها بصوت خفيف، قال له الوزير:

ثم توجّه بالكلام نحو القواد حمّور المندهش، أخبره حالاً:

نهق حمّور بالثناء على فعل الخنزير، أشار له بحافره الأيسر وتابع يقول:

انصرف الآن وتمرّغ بالقذارة كما شئت ونم قرير العين بما نلته من ثنائي عليك.

   يوماً بعد يوم قلّتْ أعداد القطيع المطيع، بعض الحيوانات هجرت الحظيرة خوفاً على حياتها من افتراس الذئب، ثم بدأت الحيوانات تهجر الحظيرة فرادى و زُرافات وغربان وقطعان، ركبوا المركب المتهالك للوصول إلى الضفة الآمنة بينما كان المذياع يردد كلمات حمّور بصوته الجهور:

نهض أبو بريص من قعر المركب وصاح:

وقف الكبش المرياع في مقدمة المركب ونهر أبا بريص بقرنه المعكوف، قال له ماع بصوت وصل لكل الأسماع:

اقعد في جحرك ولا تتهم قوادنا بالكذب، حمّور لا يكذب.

   العجيب في أمر حمّور أنه لو قال: (الفيل يدخل في خرم الإبرة) لصدقه نصف القطيع، أجهزة مختبراته تصنع الأعاجيب، الأرنب يصبح مفترساً، والنملة تغوص في الماء، والفيل يطير في السماء، إذا قال حمّور اللبن أسود تحولتْ ألبان الحيوانات إلى السواد، وإذا قال القرد غزال، لاعترف الغزال بأنه قرد أباً عن جد.

قال حمّور وقال… وما يزال يصدق نفسه، كذلك كان كل من بقي في الحظيرة يصدقه بالفعل، أو يعلن – زوراً وخوفاً – تصديقه أمام الغير، والأغرب من هذا وذاك أن أكثر من نصف المهاجرين، وليس الكبش المرياع وحده، مازالوا يصدقون كلام حمّور ويقولون عنه: (حمّور لا يكذب).


جهاد الدين رمضان – في فيينا ٧ حزيران/ يونيو ٢٠٢١

Exit mobile version