
- تمهيد إشكالي:
يشهد التقييم الأكاديمي عالميا تحولات عميقة، مدفوعة بتنامي الاعتماد على المؤشرات الببليومترية (Bibliometrics) مثل معامل التأثير (Impact Factor)، ومؤشر هيرش (h-index)، وعدد الاستشهادات، بوصفها أدوات مختصرة للحكم على جودة البحث العلمي. غير أن هذا التوسع الكمي، على الرغم من فوائده الإجرائية، كشف عن اختلالات بنيوية في تقييم المعرفة، خصوصا عندما يُطبّق خارج سياقه الثقافي والمعرفي.
في السياق العربي، تتضاعف هذه الإشكالية، حيث تُستورد أدوات التقييم الجاهزة من بيئات بحثية مختلفة، وتُفرض أحيانا على حقول علمية وإنسانية لا تنسجم مع منطقها الكمي. من هنا تبرز أهمية Leiden Manifesto for Research Metrics ليس بوصفه أداة تقنية، بل باعتباره إطارا معياريا أخلاقيا ومنهجيا لإعادة التفكير في تقييم البحث العلمي.
1- Leiden Manifesto كإطار معياري لا كنظام قياس
1. من المؤشر إلى المبدأ
Leiden Manifesto، الصادر سنة 2015 عن نخبة من علماء القياسات العلمية (Scientometrics)، لا يقدم مؤشرات بديلة بقدر ما يطرح عشرة مبادئ حاكمة تهدف إلى:
- كبح الاستخدام التعسفي للمقاييس الرقمية
- إعادة الاعتبار للتقييم النوعي القائم على الخبرة
- ربط التقييم بسياقه المؤسسي والمعرفي
وهنا تكمن قيمته الكبرى بالنسبة للعالم العربي:
فهو قابل للترجمة والتكييف، لا للاستنساخ الأعمى.
2. الفرق الجوهري بين الترجمة والتبني
من منظور منهجي، ينبغي التمييز بين:
- الترجمة الحرفية للمبادئ
- التبني السياقي للمبادئ
الترجمة وحدها لا تكفي ما لم تُصاحبها عملية إعادة تأويل معرفي تراعي:
- البنية المؤسسية للجامعات العربية
- طبيعة الإنتاج العلمي المحلي
- اللغة العربية كوسيط معرفي غير مهيمن عالميا
التفاوت بين الحقول العلمية والإنسانية – أزمة التقييم الموحّد
1. الإشكال البنيوي
أحد أخطر مظاهر الخلل في التقييم الأكاديمي العربي هو توحيد معايير التقييم بين:
- العلوم الطبيعية والتطبيقية
- العلوم الإنسانية والاجتماعية
في حين أن:
- العلوم التجريبية تعتمد على النشر السريع، والعمل الجماعي، والمقالات القصيرة
- العلوم الإنسانية تعتمد على التراكم النظري، والكتب، والتحليل الطويل الأمد
استخدام المؤشرات نفسها لكلا المجالين ينتج:
- تهميشا منهجيا للعلوم الإنسانية
- ضغطا اصطناعيا لتغيير طبيعة البحث لا تحسين جودته
2. كيف تعالج Leiden Manifesto هذا الخلل؟
تنص المبادئ صراحة على ضرورة:
“حماية التميز البحثي في السياقات المحلية والحقول المختلفة”
وبناء عليه، يمكن لمنصة «بالعربية» أن تطوّر إطارا عربيا للتقييم التفاضلي يقوم على:
- معايير نوعية خاصة بالعلوم الإنسانية (الأصالة، العمق، الإسهام النظري)
- معايير كمية مرنة للعلوم التجريبية دون تحويلها إلى غاية في ذاتها
التنوع في أنماط النشر – الاعتراف بالمخفي والمهمَّش
1. أزمة «المقالة المحكمة» بوصفها الشكل الوحيد
في العديد من أنظمة التقييم العربية، يُختزل الإنتاج العلمي في:
- مقالات مفهرسة في Scopus أو Web of Science
بينما يُهمل:
- الكتب الأكاديمية
- الفصول الجماعية
- التقارير البحثية
- الدراسات المرجعية باللغة العربية
وهذا يتعارض جوهريا مع روح Leiden Manifesto التي تؤكد أن:
“المؤشرات لا يجب أن تحل محل الحكم الخبير”
2. دور «بالعربية» في توسيع مفهوم النشر العلمي
يمكن للمنصة أن تلعب دورا رياديا عبر:
- إعادة الاعتبار للكتاب الأكاديمي بوصفه وحدة تقييم
- الدفاع عن النشر باللغة العربية كإنتاج علمي كامل
- اقتراح أوزان تقييم مختلفة لأنماط النشر
هذا التوجه لا يخدم فقط العدالة الأكاديمية، بل يعزز السيادة المعرفية في العالم العربي.
دعم التقييم النوعي جنبا إلى جنب مع الكمي
1. وهم الموضوعية الرقمية
المؤشرات الرقمية توهم بالحياد، لكنها:
- تعكس تحيزات لغوية
- تفضّل مجلات معينة
- تكافئ الكم على حساب العمق
Leiden Manifesto لا ترفض القياس، بل ترفض تحويله إلى حكم نهائي.
2. نحو نموذج تقييم هجين
يمكن صياغة نموذج عربي مستلهم من Leiden Manifesto يقوم على:
- مرحلة أولى كمية: بيانات النشر، الاستشهادات، الانتشار
- مرحلة ثانية نوعية:
- قراءة خبراء
- تحليل الإسهام العلمي
- تقييم الأثر المعرفي الحقيقي
هذا النموذج يعيد للباحث مكانته بوصفه منتج معرفة لا مجرد رقم في قاعدة بيانات.
الأثر الاستراتيجي لاعتماد هذا الإطار عربيا
اعتماد إطار تقييم مستلهم من Leiden Manifesto يحقق:
- رفع جودة البحث بدل مطاردة المؤشرات
- تحسين صورة البحث العربي دوليا
- تمكين الجامعات العربية من التفاوض المعرفي مع المؤسسات العالمية
استنتاج:
إن ترجمة مبادئ Leiden Manifesto وتبنيها في التقييم الأكاديمي العربي ليست خطوة تقنية، بل مشروع إصلاحي معرفي يعيد الاعتبار للسياق، وللتنوع، وللحكم الخبير. ومن خلال هذا المدخل، تستطيع منصة «بالعربية» أن تؤسس لمسار علمي طويل الأمد، يعيد تعريف معايير الجودة والتميّز في البحث العربي، ويمنحه صوتا شرعيا في النقاش الأكاديمي العالمي.
2- ما بعد معامل التأثير: نحو نموذج عربي بديل لتقييم الأداء البحثي في ضوء Leiden Manifesto وDORA وأطر العلم المفتوح
لم تعد إشكالية تقييم البحث العلمي اليوم مرتبطة بندرة المؤشرات، بل على العكس، بتضخمها وتحولها من أدوات مساعدة إلى آليات ضبط خفية للسلوك الأكاديمي. فقد أدى الاعتماد شبه المطلق على مؤشرات مثل Impact Factor وh-index إلى إعادة تشكيل أولويات الباحثين، وأنماط النشر، بل وحتى موضوعات البحث نفسها.
في هذا السياق، يكتسب النقاش حول بناء نموذج عربي بديل لتقييم الأداء البحثي أهمية استراتيجية، لا بوصفه خروجا عن المعايير الدولية، بل بوصفه إعادة تموضع معرفي داخلها، مستندا إلى أطر نقدية راسخة مثل Leiden Manifesto، وإعلان DORA، ومبادئ العلم المفتوح (Open Science).
- أزمة معامل التأثير – من أداة إحصائية إلى سلطة معرفية
1. الأصل الوظيفي لمعامل التأثير
وُضع Impact Factor في الأصل كأداة:
- لمساعدة المكتبات في اختيار الدوريات
- وليس لتقييم الباحثين أو المؤسسات
غير أن الاستخدام المتوسع له أدّى إلى:
- اختزال جودة البحث في سمعة المجلة
- فصل التقييم عن مضمون العمل نفسه
2. الآثار البنيوية لهذا الاستخدام
في السياق العربي، يترتب على هذا الخلل نتائج أكثر حدّة، منها:
- تهميش البحث باللغة العربية
- إقصاء الكتب والدراسات طويلة النفس
- تشجيع “الهجرة المعرفية” نحو مجلات لا تعكس أولويات المجتمعات العربية
وهنا تتقاطع انتقادات Leiden Manifesto وDORA في نقطة مركزية:
لا يجوز استخدام مؤشرات المجلات لتقييم الأفراد.
- إعلان DORA وإعادة الاعتبار لمحتوى البحث
1. DORA كتصحيح لمسار التقييم
إعلان San Francisco Declaration on Research Assessment (DORA)، الصادر سنة 2012، مثّل نقطة تحول في نقد منظومة التقييم السائدة، حيث دعا بوضوح إلى:
- تقييم البحث بناء على محتواه العلمي
- عدم استخدام معامل التأثير كبديل للحكم الأكاديمي
- الاعتراف بتعدد أشكال الإنتاج العلمي
2. التقاطع مع Leiden Manifesto
رغم اختلاف السياقين، إلا أن هناك تقاطعا بنيويا بين الإطارين:
- Leiden Manifesto يقدّم مبادئ حاكمة للاستخدام المسؤول للمؤشرات
- DORA يقدّم موقفا معياريا صارما ضد إساءة استخدامها
وهذا التقاطع يسمح ببناء نموذج تركيبي لا يستنسخ أيا منهما، بل يستفيد من كليهما.
العلم المفتوح وتوسيع مفهوم الأثر العلمي
1. من الاستشهاد إلى الأثر المجتمعي
أطر Open Science أعادت تعريف مفهوم “الأثر” ليشمل:
- إتاحة البيانات
- إعادة الاستخدام
- التأثير في السياسات العامة
- الانخراط المجتمعي
وهذا البعد يكاد يكون غائبا في أنظمة التقييم العربية الحالية، رغم أهميته القصوى في:
2. الأثر المفتوح كرافعة للبحث العربي
اعتماد هذا المنظور يتيح:
- إبراز قيمة البحوث المحلية
- ربط الجامعة بالمجتمع
- تجاوز عقدة “الاعتراف الخارجي” وحده
ملامح نموذج عربي بديل لتقييم الأداء البحثي
انطلاقا من Leiden Manifesto وDORA وأطر Open Science، يمكن اقتراح نموذج عربي هجين يقوم على أربعة مستويات مترابطة:
1. المستوى الكمي المسؤول
- استخدام المؤشرات بوصفها بيانات وصفية لا أحكاما نهائية
- مراعاة الفروق بين الحقول العلمية
- رفض المقارنات العابرة للسياق
2. المستوى النوعي الخبير
- لجان تقييم متخصصة حسب الحقل
- قراءة الأعمال لا عناوين المجلات
- تقدير الإسهام النظري والمنهجي
3. مستوى الأثر العلمي والمجتمعي
- تأثير البحث في السياسات
- إسهامه في حل مشكلات محلية
- حضوره في النقاش العام الرصين
4. مستوى التنوع اللغوي والمعرفي
- الاعتراف بالنشر العربي
- إدماج الكتاب والفصل العلمي
- عدم ربط الجودة بلغة واحدة
دور منصة «بالعربية» في بلورة هذا النموذج
هنا تنتقل «بالعربية» من منصة نشر إلى فاعل معياري عبر:
- إنتاج وثائق تحليلية مرجعية حول تقييم البحث
- اقتراح أطر تقييم بديلة قابلة للاعتماد المؤسسي
- توفير محتوى عربي عالي الجودة يستوفي المعايير الدولية دون الذوبان فيها
- بناء جسر معرفي بين النقاشات العالمية والواقع الأكاديمي العربي
بهذا المعنى، لا تكتفي المنصة بنقد النموذج السائد، بل تساهم في تصميم بديل معرفي قابل للتداول.
- استنتاج:
إن تجاوز هيمنة معامل التأثير لا يعني القطيعة مع المعايير الدولية، بل يعني تحريرها من سوء الاستخدام. ومن خلال الجمع الذكي بين Leiden Manifesto وDORA وأطر العلم المفتوح، يصبح من الممكن بناء نموذج عربي لتقييم الأداء البحثي أكثر عدالة، وأكثر علمية، وأكثر اتصالا بالواقع المعرفي والاجتماعي.
هذا النموذج، إذا ما نُظّر له بعمق واعتمد تدريجيا، يمكن أن يشكّل نقطة تحول في مستقبل البحث العلمي العربي.
3- تحيّزات المؤشرات العالمية (Scopus وWeb of Science) وأثرها البنيوي على البحث غير الغربي: قراءة نقدية في ضوء Leiden Manifesto
تُقدَّم قواعد البيانات العالمية مثل Scopus وWeb of Science (WoS) في الخطاب الأكاديمي السائد بوصفها أدوات محايدة لقياس الإنتاج العلمي العالمي. غير أن هذا التصور التقني الظاهري يُخفي وراءه تحيزات بنيوية ومعرفية ولغوية تؤثر بعمق في تمثيل المعرفة غير الغربية، وفي مقدمتها البحث العلمي العربي.
لا تنبع الإشكالية من وجود هذه القواعد في حد ذاتها، بل من تحويلها إلى مرجعية معيارية مطلقة في التقييم الأكاديمي، وهو ما يتعارض صراحة مع أحد المبادئ المركزية لـ Leiden Manifesto:
“لا توجد مؤشرات محايدة خارج سياقها”.
وهم الحياد في المؤشرات العالمية
1. المؤشر بوصفه نتاجا مؤسسيا
المؤشرات الببليومترية لا تُنتج في فراغ، بل داخل:
- مؤسسات تجارية (Elsevier، Clarivate)
- سياقات لغوية محددة
- أولويات بحثية غربية بالأساس
وعليه، فإن قواعد مثل Scopus وWoS تعكس:
- تاريخ تطور البحث الغربي
- أنماط النشر السائدة في الشمال العالمي
- تصورات معينة لما يُعد “علما مرئيا”
2. من الأداة إلى المعيار الإقصائي
عندما تتحول هذه القواعد إلى شرط ترقية أو تمويل في جامعات غير غربية، فإنها:
- تُقصي أنماط إنتاج معرفي محلية
- تفرض إعادة توجيه قسرية للأجندات البحثية
- تخلق فجوة بين البحث والمجتمع
التحيّز اللغوي وإقصاء المعرفة غير الإنجليزية
1. اللغة بوصفها بوابة الاعتراف
تشير التحليلات الببليومترية إلى أن:
- الغالبية الساحقة من المجلات المفهرسة تنشر بالإنجليزية
- النشر بلغات أخرى يُعد استثناء لا قاعدة
في السياق العربي، يترتب على ذلك:
- تهميش البحث المكتوب بالعربية
- ضعف استشهاده بغض النظر عن جودته
- تحفيز الباحثين على التخلي عن لغتهم العلمية
2. موقف Leiden Manifesto
أحد مبادئ Leiden Manifesto ينص بوضوح على:
“حماية التميز البحثي المحلي”
وهو مبدأ يتناقض مع:
- ربط الجودة بلغة واحدة
- تجاهل القيمة المعرفية للأبحاث الموجهة لسياقات محلية
تحيّز الحقول العلمية وأنماط النشر
1. تفضيل العلوم القابلة للقياس السريع
تعتمد Scopus وWoS على:
- المقالات القصيرة
- الإنتاج المتسارع
- الاستشهادات الكثيفة
وهي خصائص:
- تناسب العلوم الطبيعية والتطبيقية
- ولا تنسجم مع العلوم الإنسانية والاجتماعية
2. أثر ذلك على البحث العربي
في كثير من الجامعات العربية:
- يُقيَّم أستاذ الفلسفة أو التاريخ بمعايير الفيزياء أو الطب
- تُهمَّش الكتب والدراسات المطوّلة
- يُختزل الإسهام العلمي في أرقام
وهو ما يتعارض جذريا مع:
- روح البحث الإنساني
- ومعايير التقييم التفاضلي التي يدعو إليها Leiden Manifesto
التحيّز الجغرافي وتمركز المعرفة
1. الجغرافيا الخفية للمؤشرات
رغم الطابع “العالمي” المعلن، تُظهر خرائط النشر أن:
- الشمال العالمي يهيمن على المجلات المفهرسة
- الجنوب العالمي ممثَّل بشكل محدود
هذا التمركز يؤدي إلى:
- ضعف تمثيل القضايا البحثية المحلية
- خضوع أجندات البحث لأولويات خارجية
- إعادة إنتاج علاقات معرفية غير متكافئة
2. من التقييم إلى الهيمنة الناعمة
حين تُستخدم هذه المؤشرات كأداة تقييم إلزامية، فإنها تتحول إلى:
- آلية ضبط معرفي
- أداة هيمنة ناعمة
- وسيلة لإعادة ترتيب القيمة العلمية عالميا
القراءة النقدية في ضوء Leiden Manifesto
Leiden Manifesto لا يدعو إلى رفض المؤشرات، بل إلى:
- فهم حدودها
- كشف تحيزاتها
- استخدامها استخداما مسؤولا
ومن هذا المنطلق، فإن التعامل العربي الرشيد مع Scopus وWoS يقتضي:
- نزع الطابع المعياري المطلق عنها
- إدماج التقييم النوعي الخبير
- الاعتراف بالسياق اللغوي والمعرفي
- حماية البحث الموجَّه محليا
نحو استراتيجية عربية واعية في التعامل مع المؤشرات العالمية
1. من التبعية إلى التفاوض المعرفي
بدل القبول السلبي، يمكن للمؤسسات العربية:
- التفاوض على معايير التقييم
- اعتماد أطر هجينة
- الدفاع عن خصوصية البحث العربي
2. دور منصة «بالعربية»
في هذا السياق، يمكن للمنصة أن تقوم بـ:
- تفكيك الخطاب التقني حول المؤشرات
- نشر تحليلات مرجعية بالعربية
- تمكين الباحثين من فهم آليات التقييم لا الخضوع لها
- المساهمة في بناء وعي مؤسسي نقدي
استنتاج:
إن التحيّزات الكامنة في المؤشرات العالمية ليست خللا تقنيا عابرا، بل مسألة بنيوية تمس جوهر العدالة المعرفية. ومن دون قراءة نقدية واعية، يتحول التقييم الأكاديمي إلى أداة إقصاء لا أداة جودة.
يوفّر Leiden Manifesto إطارا فكريا يسمح بإعادة ضبط العلاقة مع Scopus وWeb of Science، لا عبر الرفض، بل عبر الاستخدام النقدي المسؤول. وفي هذا الأفق، يمتلك العالم العربي فرصة حقيقية لإعادة تعريف موقعه داخل النظام المعرفي العالمي.
4- نحو إطار عربي مؤسسي لتقييم البحث العلمي: من النقد المنهجي إلى السياسات التطبيقية
كشفت لنا المحاور الثلاثة السابقة؛ أن أزمة التقييم الأكاديمي في السياق العربي ليست تقنية ولا إجرائية، بل أزمة نموذج. نموذج مستورد، يُطبّق خارج سياقه، ويُستخدم بوصفه سلطة معيارية لا أداة تحليل.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إطار عربي مؤسسي لتقييم البحث العلمي، لا يقوم على القطيعة مع المعايير الدولية، بل على إعادة هندستها بما يراعي:
- السياق المعرفي
- التنوع الحقولي
- العدالة اللغوية
- الحكم الخبير
من المبادئ إلى السياسات – الفجوة المفقودة عربيا
1. غياب التحويل المؤسسي
تعتمد كثير من الجامعات العربية:
- خطابات جودة متقدمة
- لكن دون سياسات تقييم متماسكة
فتبقى:
- المبادئ معلنة
- والتقييم فعليا خاضعا لمؤشرات جاهزة
Leiden Manifesto يشدّد على أن القيمة الحقيقية للمبادئ لا تتحقق إلا بتحويلها إلى سياسات قابلة للتطبيق.
2. خطورة الفراغ التنظيمي
في غياب إطار واضح:
- تتفاوت معايير التقييم داخل المؤسسة الواحدة
- تسود القرارات الفردية
- يضعف الإنصاف الأكاديمي
مكونات الإطار العربي المقترح لتقييم البحث العلمي
1. المكوّن المعياري (Normative Framework)
يرتكز على:
- مبادئ Leiden Manifesto
- إعلان DORA
- مواثيق النزاهة الأكاديمية
ويؤكد على:
- أولوية التقييم النوعي
- نسبية المؤشرات
- حماية التنوّع المعرفي
2. المكوّن الحقولـي (Field-Sensitive Evaluation)
يقوم على:
- معايير مختلفة لكل حقل علمي
- لجان تقييم متخصصة
- رفض المقارنات العابرة للتخصصات
مثال:
- الكتاب في الفلسفة = وحدة تقييم
- المشروع التطبيقي في التربية = أثر علمي
- المقال في الفيزياء = إنتاج قياسي
3. المكوّن اللغوي والمعرفي
يعترف بـ:
- النشر باللغة العربية
- البحث الموجّه للسياق المحلي
- الإنتاج غير المفهرس دوليا ولكن المؤثّر علميا
هذا المكوّن أساسي لتحقيق السيادة المعرفية دون الانغلاق.
4. المكوّن الإجرائي الشفّاف
يشمل:
- وثائق تقييم منشورة
- معايير معلنة مسبقا
- حق الباحث في معرفة منطق التقييم
وهو شرط أساسي لبناء الثقة المؤسسية.
الأثر الاستراتيجي لاعتماد هذا الإطار
اعتماد إطار عربي مؤسسي للتقييم يؤدي إلى:
- تحسين جودة البحث لا شكله
- تقليص التحيّزات الهيكلية
- تمكين الجامعات العربية من التفاوض مع التصنيفات العالمية
- تحويل البحث العلمي إلى أداة تنمية لا مجرد مؤشرات
الدور المرجعي لمنصة «بالعربية»
في هذا السياق، لا تكون «بالعربية» منصة محتوى فقط، بل:
- وسيطا معرفيا بين النقاش العالمي والسياق العربي
- مُنتجا لإطارات تحليلية معيارية
- مرجعا يُستشهد به في قضايا تقييم البحث
- فاعلا في بناء وعي أكاديمي نقدي عربي
استنتاج:
يمثّل الانتقال من نقد المؤشرات إلى بناء إطار مؤسسي للتقييم الخطوة المفصلية في إصلاح البحث العلمي العربي. وبدون هذا التحول، سيبقى التقييم أداة ضبط لا أداة جودة.
- خلاصة:
تُظهر هذه الدراسة أن أزمة تقييم البحث العلمي ليست أزمة أرقام، بل أزمة تصوّر معرفي.
لقد أتاح Leiden Manifesto للعالم فرصة إعادة التفكير في معنى الجودة، والإنصاف، والسياق.
ويمتلك العالم العربي اليوم فرصة تاريخية لتبنّي هذا التحول لا بوصفه تابعا، بل بوصفه مشاركا في صياغة المعايير.
أبرز الأسئلة الشائعة حول Leiden Manifesto:
ما هو Leiden Manifesto؟
إطار معياري عالمي يقدّم مبادئ لاستخدام مسؤول للمؤشرات في تقييم البحث العلمي، مع إعطاء أولوية للحكم الخبير والسياق.
لماذا تُعد المؤشرات العالمية متحيّزة؟
لأنها تعكس أنماط نشر ولغات وأولويات بحثية غربية، ولا تمثل بالضرورة جودة البحث في السياقات غير الغربية.
هل يدعو هذا الطرح إلى رفض Scopus وWoS؟
لا، بل إلى استخدامها استخداما نقديا مسؤولا ضمن أطر تقييم أوسع.
كيف يمكن للجامعات العربية الاستفادة من هذه المبادئ؟
عبر بناء سياسات تقييم محلية هجينة تجمع بين الكمي والنوعي وتحترم الخصوصية المعرفية.
قائمة مراجع:
-
Leiden Manifesto for Research Metrics
https://www.leidenmanifesto.org - Hicks, D. et al. (2015).
The Leiden Manifesto for research metrics. Nature.
https://www.nature.com/articles/520429a - San Francisco Declaration on Research Assessment (DORA)
https://sfdora.org - Wouters, P. et al. (2019).
Rethinking impact factors. Research Evaluation.
https://academic.oup.com/rev - UNESCO – Open Science Recommendation
https://www.unesco.org/en/open-science - Clarivate – Web of Science methodology
https://clarivate.com/webofsciencegroup -
Elsevier – Scopus Content Policy
https://www.elsevier.com/solutions/scopus/how-scopus-works