إصداراتشعر

الأعمال الكاملة لإنسان آلي

إضاءة على ديوان الشاعر المصري "شريف الشافعي"

إعداد: هند زيتوني| سوريا


يعتبر الشاعر والناقد البريطاني ماثيو آرنولد الشعر: هو نقد الحياة. لأنه الطريقة التي يسمح فيها للناس أن تعكس الظروف الإنسانية والعالم من حولهم.

وربما هناك قلةٌ قليلة من الشعراء الذين كتبوا عن هذا المجتمع الحديث و المادي الغارق في بحر التكنولوجيا. الحياة الحديثة والرقمية التي حولت البشر لأفراد آليين مثل الروبوتات؛ حيث أصبحت العلاقات البشرية خالية من أي روابط روحية واجتماعية بسبب طغيان الآلة التي تجتاح العالم بأكمله.

وأذكر الشاعر الإنكليزي ( T. S Eliot 1922) كيف انتقد في قصيدته المشهورة – أرضٍ اليباب – The west land والتي يفضح فيها تداعي المجتمع الأوربي تحت سطوة التكنولوجيا والتصنيع والدمار الكبير التي خلفته الحرب العالمية الأولى.

عندما قرأت ديوان: (الأعمال الكاملة لإنسان آلي) للشاعر المصري شريف الشافعي، وجدتُ أنني أمام مادة مختلفة وفكرة خلاقة. فالشاعر يعرف أن الشعر بدايةً هو أن نأتي بالفكر الجديد وغير المستهلك أو المتداول.

النصوص التي قرأتها تحمل لغة شعرية خاصة بعيدة عن السائد والنمطي. وكما قال الشاعر الكبير أدونيس: عن الديوان “إنه منجز شَعري يفتح به أفقاً آخر للشعر العربي الراهن.

وقد سألَ كيف استطاع الشاعر أن يكون فرداً في هذا العالم العربي، الجمع، الجماعة، الأمة؟ في المعجم الشعري المعاصر”.

إنه شاعر لا تقيده بروتوكولات اللغة، ولا ينساقُ وراء المعاني المستهلكة التي تحاصرنا في هذا الوقت.
والنصوص التي جاءت معجونةً بدماء الحداثة والتجديد لم تفقد شعريتها، وإنما جاءت ترتدي ثوب التمرد الجميل الذي يبحث عن الوجود الإنساني، وأرى أنها ستفرضُ نفسها بقوة في وقت قريب لما تحمله من تميز وطرح جديد وإشارات أدبية مميزة.

الشاعر في هذا الديوان هو إنسان آلي وكأنه يخاطبنا نحن البشر الآليون. إنه عصر الآلة والماكينة والأصابع اللاصقة على (الكي بورد) والجوالات المحمولة، عصر (الميتاڤرس) و(البلوتوث) المزروع في كل أذن بالعالم.

الآلة التي تستعبد الإنسان وتمهّد الطريق لتأخذ مكانه في الحياة. إنه عصر (الروبات) الخالي من المشاعر. والشاعر يحاول أن يستعيد مكانته الإنسانية التي فقدها والتي تتلاشى و تذوب كالجليد تحت جمر الحداثة والتصنيع الالكتروني.

ونيرمانا فتاة المخيلة، التي وقع في عشقها، هو في الواقع لا يبحث عنها، ولكن في الحقيقة يبحثُ عن نفسه التائهة في وسط هذه الهيمنة الالكترونية والمادية، الهائلة. بالرغم من أن Google)) بإمكانه أن يجد أي شيء بكبسة زر، على خارطة الأرض المسيجة بالأسلاك الكهربائية.

وهذا المقطع الذي وجدته في الجزء الأول يشرح لنا تماماً خطر التكنولوجية والسطوة على الحياة الرتيبة، السريعة، والروتينية القاتلة. ومدى تورط الإنسان بسلاسل العصر الحديث الجاف والقاسي. و حياة الوجود بأكمله المسيّرة بالريموت كونترول.

الحضارة الحديثة المزيفة تحول البشر إلى وحوشٍ مغناطيسية تسيطر عليها الآلات المصنعة. إنها ماكنات حديدية، الكترونية من صنع الكائن البشري، لتحوله إلى روبوت مبرمج وتصبح آلهته الجديدة التي يؤدي لها طقوس العبادة اليومية بشكل اتوماتيكي ومبرمج وفق قيودٍ زمنية صارمة.

فهل يصبحُ مبدع الآلة عبداً لها؟ كما صرّح الشاعر الكبير أدونيس؟ يقول الشاعر شريف الشافعي في القسم الأول من الديوان:
إنسان آلي 1/:
في المعبد القديم المتهالك
الذي جدّده المهندسون في -48 – ساعة بحوائط جاهزة
صعدت التكنولوجيا المنبر ممسكة مسبحة
عندما انفرطت حبات الجماهير
وغاب عن الجميع اتجاه القبلة
وحدي أواصل السجود للإله المعبود في غرفتي، خاشعاً، متضرعاً
متمنياً أن تكون كلمات نيرمانا التي ترددها ولا أفهمها تعني: سبحان الله!
هنا نتبين كيف تمّ الانسلاخ الروحي والعاطفي من الحياة الحقيقية والانغماس الكلي في أزرار العصر الحديث طيلة الوقت.

في مقطع آخر جميل يقول:
لا أستمتع عادة بعروض السيرك
فالوحوش تذكرني بذاتي، التي توحشت رغماً عني.
والحركات الصعبة لا تجتذب بهلواناً مثلي
يمشي على الحبال يومياً ويراقص القمر والأفاعي والدخان.
تغلب على المقاطع الشعرية اللغة الساخرة بمفرداتها البسيطة والثائرة والمتمردة على كل سمات العصر الحديث وآليته بأسلوب فلسفي وتهكمي رائع.

في النهاية أحب أن أذكر بأن ديوان “الأعمال الكاملة لإنسان آلي” للشاعر المصري شريف الشافعي صدر عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، في طبعة جديدة في سوريا صيف 2024. ضمن سلسلة إشراقات الشعرية التي يختارها ويشرف عليها الشاعر السوري والفيلسوف الرائع أدونيس، بمنحة خاصة من مؤسسة غسان جديد للتنمية.


إعداد وتقديم: هند زيتوني| سوريا

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى