فن تشكيلي

هل هناك حركة تشكيلية في المغرب؟

ندوة حول الفن التشكيلي بين المغرب والمشرق

“هذه الندوة (عُقدت العام 1978) حول الفن التشكيلي المغربي، والعربي عامة، اشترك فيها ثمانية من الفنانين واستغرقت أكثر من سبع ساعات، أثيرت فيها مسائل كثيرة تتصل بواقع الفن التشكيلي المغربي والعربي وما يرتبط به من صميم الإشكاليات المطروحة في المغرب والبلاد العربية.

اشترك فيها: ميلود أبيض، عبد الله الحريري، عزيز سيد، لطيفة التيجاني، فؤاد بلاّمين، عز الدين دويب، بغداد بنعاس ومحمد القاسمي. وقد عكست مجمل الاتجاهات والتيارات والمناحي التي يندرج ضمنها التشكيل المغربي. انطلقنا من طرح سؤال عام يمكن أن يُشكّل مدخلاً إلى حوار مُتشعّب: هل يمكن القول أن هناك حركة تشكيلية في المغرب؟” ب.ش

محمّد القاسمي

محمّد القاسمي: الحركة التشكيلية موجودة في المغرب، لكن السؤال هو: هل هي ذات شخصية خاصة تتميز بها؟ الحركة عندنا عمرها 30 سنة تقريبا، كل الفنانين درسوا في أكاديميات أروبية(إيطاليا، باريس، أروبا الشرقية)، والتأثر  أو التفاعل مع الحركة التشكيلية في العالم واضح في ملامح التشكيلي في المغرب.

لكن المطروح الآن هو: كيف السبيل إلى التوجه إلى هذه الخصوصية من ضمن مجمل التفاعلات؟ أو إيجاد رموز تميز أو تعطي نكهة خاصة للفن التشكيلي بالمغرب؟ وباعتبار الفن تابعا لكل التحركات الاجتماعية والسياسية…. ولهذا فإن مجتمعنا مضطرب التكوين لا يمكن أن يعطي إلا فنا مضطربا.  هناك ناحية ثانية ومهمة، وهي ما يقال بأن الفن التشكيلي في المغرب تابع للغرب.

أنا أعتقد أن الغرب نفسه كلما وقع في أزمة كلما وصل إلى حد الاستنزاف، عاد رأسا إلى الحضارات الأخرى. التاريخ يؤكد كل هذه الأشياء، حتى في العصور الحديثة، نجد أن التكعيبية انطلقت من الأقنعة الأفريقية، هناك عدة فروع مرتبطة بالخط الصيني أو العربي أو الحضارة العربية. هذا الغرب نفسه، الذي غرف من الحضارات الأفريقية والشرقية، درج نقاده على ربط كل فنان عربي بفنان غربي، لماذا نعيب على فنان مغربي أن يتفاعل مع الحضارات الأخرى، والغربي يعطي الحق لنفسه كي يأخذ كل الأشياء الموجودة في العالم. لابد من إنصاف الحركة التشكيلية في المغرب.

فؤاد بلاّمين: أظن أننا وصلنا إلى المرحلة التي يجب أن نقوم فيها ما فعلنا بعد حوالي ربع قرن من التشكيل. وهذا يلتقي مع السؤال الذي طرحه بول: هل بدأ المغرب يبلور شخصية تشكيلية معينة؟ الحقيقة، هذا سؤال يصعب على الفنان المغربي الجواب عنه.

يمكن أن نعطي فكرة عن تجارب احتكاك بتجارب غربية. والفنانون الذين درسوا في المغرب يطرحون وبإصرار مشكلة الأصالة. ف رأيي أن أول انتفاضة تشكيلية في المغرب تمت في 1965.

وكانت المرة الأولى التي يطرح فيها الفنان المغربي السؤال على نفسه: إلى أين أذهب؟ أين أسير؟ بدأ يطرح مشكلة الجمهور، مشاكل السوق…. الأصالة في التركيب وفي الانسجام…  الألوان والخطوط والمسافات بعد 1956… طرحت هذه المشاكل من قبل بعض الفنانين في الدار البيضاء، بعد السبعينيات عشنا انتفاضة أخرى وتجارب أخرى.

بول شاؤول: والآن في 1978، السؤال أصبح ممكنا: ماذا استفادت هذه التجربة بالنسبة إلى سابقاتها… أفضل ألاّ أجيب.

ميلود الأبيض

ميلود الأبيض: أريد أن أتكلم عن تأثير الفن الإفريقي… إذا كنا في العالم العربي متأثرين بالغرب، فإنّ من تأثرنا بهم، أتوا بمعظم نتاجهم من إفريقيا أو الشرق الأوسط: نرى مثلاً نفس الشكل في الفن الإغريقي لوجوه مصر القديمة… نحن إذن أثرنا في الغرب,.. لكن الرسم، لأسباب كثيرة، ومنها الأسباب الدينية، كان ممنوعاً… نحن هنا نعي كل هذه المشاكل، ونحسّ أننا نُصَوَّرُ أحياناً وكأننا ضحايا الفن الغربي… طبعا، لا يمكن إنكار التأثر بالغرب، لأن التجربة التشكيلية هناك كانت أنضج وسابقة في استيعابها وتحديثها وإبداعها، لكننا متأثرون بالفن الإفريقي أكثر…

عز الدين دويب: إذا كان ميلود يتكلّم عن أزمة، فيمكن القول إنّ الأزمة موجودة. ليس في المغرب وحده، بل في العالم كله. ماذا يفعل الأوروبيون في التشكيل… يعانون من أزمة إبداع حقيقيّة. أما بالنسبة إلى التشكيل المغربي والعربي، فأقول بصراحة، أنه غائب.

عزيز سيد: أنا لم يكن عندي احتكاك بالفنانين المغاربة، لا أعرفهم، قضيت السنوات الأخيرة في بولونيا، درست في بلد أجنبي تختلف فيه الحضارة جذريا عن حضارتنا… أنا أجهل الفن المغربي… ولا أستطيع الكلام عنه.

عبد الله الحريري: سؤال السيدد بول، يمكن أن يُطرح على مستوى العالم العربي والعالم الثالث. لا يمكن فصل الفن التشكيلي عن الثقافة عامة. من خلال التحولات في كل بلد… من خلال التناقضات… لـأن هذه العلاقات هي التي تحدد الأطر التي يتحرك فيها كل فن وكل فكر… بالنسبة للعالم الثالث، تطرح مشكلة الاستعمار كمشكلة تاريخية كي يطرح الغزو الأوروبي للدول الأفريقية والعربية.

هذا الغزو هو الذي جعل العرب والأفارقة يحتكون بحضارات أخرى… لكن ما يميز المغرب، أن هذا الاحتكاك يتجاوز تلك الاحتكاكات الحضارية المباشرة إلى احتكاك أكثر قربا والتصاقا وهو الاحتكاك الجغرافي. نحن في المغرب، في وسط أوروبا، وهذا أثر كثيرا على نمو الثقافة المغربية والفن التشكيلي خصوصا.

 بغداد بنعاس: أريد أن أقول أنّ ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات لا تكفي لحل المسألة. لكن قبل كل شيء، أنا أريد أن أسأل: ما هو التشكيل؟ ما هي نواة المسألة، الكلمة تأتي من الشكل. في اليوم الذي نتوصل إليه إلى معرفة ما هو التشكيل، نتوصل إلى حركة تشكيلية مغربية حقيقية.

لطيفة التيجاني: لنحاول التلخيص: في الفترة الأولى، كانت العملية الفنية في المغرب عملية “إفراغ” بعد كبت عميق. ولإفراغ تجربة ومواجهة وإعادة نظر، يليها طرح أسئلة هي أسئلة حول الهوية والالتزام والأصالة.

 

بول شاؤول: الفنانون المغاربة حاليا، عرفوا أن الهوية خصوصية ومحلية بالمقارنة مع التشكيلين العربي والمغربي. تيار الهوية تابع للسؤال على الحركة التشكيلية العالمية. خل الأصالة هي الشعارات؟ هي الأصالة هي التقليد؟ أو أنها البحث عن هوية جديدة لإنسان عربي، أفريقي، ابن ما يسمى بالعالم الثالث.

لا أظنه سؤالا يطرح على الحركة التشكيلية في المغرب ككل، لأني أعتبر أن الحركة الثقافية قائمة على رواد قلائل ومبادرات شخصية وأفراد، أي أنها مناطة بمعاناة أشخاص…

م. القاسمي: أعتقد أن ما يميز مجموعة الفنانين المغاربة عن سواها في العالم العربي، أنها عنيفة مع نفسها، أي أنها تستنزف ولا تقتلع. ما نعيبه على الإخوان المشرقيين أنهم يتحدثون عن البيوغرافيا والكتب، ويطرحون الموضوع وكأن كل شيء تجدد… نحن، نريد أن نجيء من المستقبل بعج أن نكون قد تعرفنا أو احتككنا بالتراث الذي نتكلم عليه بغزارة. فموضوع الأصالة بالمفهوم الذي تكلمت عنه لطيفة لا أتكلم عنه. وموضوع الالتزام لا أعني به الشعارات والديماغوجية. الهوية بمفهومها الشوفيني لا أتكلم عنها أيضا. بكل بساطة أقول أني أجيء من المستقبل.

فؤاد بلامين: (تدخل بسيط): يبدو أن هناك الآن مقارنة للتجربة المغربية بالتجربة العربية. تجربتنا مع العرب بدأت بعد السبعينات. التجارب العربية، أظن أن الفنان المغربي هضمها… أما تجاربنا فيبدو أنها ما زالت بعيجة عنهم…

لطيفة (ردّاً على القاسمي): قيل إن التشكيل المغربي لم ينصف. أظن أننا طامحون، وفي نفس الوقت عندنا ثقة بالنفس ونأمل أن نكون في الواجهة. إن الحركة الفنية عندنا قائمة على تجارب فردية، أي بعيدة عن كل صعيد حكومي أو حزبي. كما أننا نفتقر إلى جمعيات رسمية أو نقابات. ولهذا فإن تجربتنا هي تجربة أفراد يعانون بوسائلهم الفردية.

لطيفة التيجاني

بول شاؤول (إلى لطيفة): لكن ألا تعتبرين أن التبني من ضمن الواقع السياسي العربي قد ينعكس سلبيا على الفنان وعلى إبداعاته؟

لطيفة: مثلا، التجربة العراقية متبناة ماديا ومعنويا: ماديا من طرف الدولة ومعنويا من طرف المثقفين العراقيين. وهذا ما جعل التجربة التشكيلية العراقية في واجهة التشكيل العربي على الصعيدين المعنوي والمادي.

ميلود: ما نعانيه في المغرب جميعا، هو تقصير من المسؤولين: لا متحف، لا مدارس فنية، يشجعون الرسامين الأجانب بدل أن يشجعونا، ويقولون أن المغاربة لا يجيدون الرسم، وهذا غير صحيح.

نحن كفنانين، عملنا كل جهدنا لإعطاء رسم جديد ضد الرسم الاستعماري. في المغرب فنان: فن فطري وفن “تشكيلي”. من هنا، إنه من الصعب أن نبحث عن الأصالة ونحددها. إنها مشكلة عالمية. الأصالة، كنا نبحث عنها، لكنها موجودة في الإنسان. الأصالة هي الإنسان وأينما وجد. سواء كان أمريكيا أو أفريقيا أو شرقيا، ليس عندي فرق. والمشكلة هي في وسائل الإعلام، هناك أشياء كان يجب أن نستغلها قبل الأجانب.. أي كان يجب أن نعرفها.

بعض الإخوان عندنا تنقصهم هذه المعرفة. ليس عندهم كتب أصيلة عن الفن. ثم أن هناك ظاهرة مهمة يجب أن نركز عليها وهي افتقادنا لنقاد فنيين. بعض بعض النقاد لا يحاولون أن يعملوا جهدا. لا اطلاع على الفن ولا على الحركات الفنية لا حتى على الفنانين. ثم هناك العلاقات الخاصة. أي الصداقة أو العداوة في النقد… والناقد عندنا بدل أي يكون جسرا بين اللوحة وبين الجمهور فإنه صار حاجزا.

لطيفة: الأخ ميلود طرح مشكلة النقد. نعم، نحن في المغرب نعاني من هذه المشكلة. ليس عندنا لا نقاد فنيين ول نقد. عندنا بعض المحاولات لبعض المثقفين ثقافة عامة والذين تربطهم علاقات شخصية ببعض الفنانين المغاربة.

م. القاسمي (ردا على ميلود ولطيفة): على الفنان أن يحل مشكلته كفنان، ومن بعدها يأتي النقد، لطيفة(تقاطعه). يمكننا كفنانين أن نعطي رأينا بالنقد.

ميلود(مقاطعا أيضا): قد يأتي نقاد استعماريون.

ب. شاوول: نرجو إفساح المجال أمام محمد القاسمي

م. القاسمي: أريد أن أقول أن الأزمة في فهم العمل التشكيلي تبدأ من الفنان التشكيلي نفسه. الفنان هو الناقد الأول. عندنا القدرة على الرسم ونفتقر إلى الكلمة… مع هذا تبقى قضية الوعي بما نرسم وما نريد أن نقول: قضية الوعي تبقى مطروحة. لا أريد أن أخطط بطريقة عبثية أو أبني عملا فنيا معينا ينطلق من مجموعة آراء أكونها عن هذا الاقتراح. عندما أعي تشكيلي هذا أستطيع أيضا أن أطرحه مع الأصدقاء من النقاد وبهذا أعطيهم المفاتيح. ولهذا أقول لا يجب أن نتناول بالنقد النقد.

ف.بلاّمين: العلاقة مطروحة. هل يجوز لفنان يعاني من قضية أن يقول أن لا علاقة له بأي قضية؟ وأنه في حاجة إلى تزكية ناقد أو مثقف؟ التجربة العالمية تعاني ذات المشكلة. وعندنا بدأت هذه القضية تعاش إلى حد ما. تزكية الأعمال مرتبطة بالسوق الفنية. طبعا لا أقصد فقط السوق كإطار تجاري للوحة. بل كعلاقة بين الجمهور واللوحة. لكن أريد أن أوضح أن الفنان إذا كان ناقدا لفنه (وهذا ضروري)، لا ينفي الحاجة إلى نقاد فعليين، يحللون الأعمال ويعلقون عليها. مازال اللون محتاجا إلى الكلمة.

ب.بغداد: أريد الرجوع إلى السؤال الذي طرحته في البداية: ما معنى التشكيل؟ بالنسبة لي لا أستطيع أن أتكلّم عن الشكيل، لأنه موضوع من الخطأ تناوله بهذه السهولة. إنّه أولاً، أي التشكيل، بمثابة عمل في نظري، والعمل يجب أن يتفوق، سواء كان جماعيّاً أم فردياً. ويجب أن يستجيب لعصره… كلّ المدارس من دون أهمية. أهم شيء هو العمل. لماذا تدور المشكلة إذن حول التشكيل ولا تدور حول العمل.

لطيفة (موجهة كلامها إلى القاسمي): طرحتَ مشكلة الكلمة والوعي، يقال أنه في البدء كانت الكلمة، أقول في البدء كان الوعي، ولهذا تبقى أهم مشكلة للفنان التشكيلي هي قضية الإيصال. يمكن طرح الأعمال على الأصدقاء، كما قال القاسمي، وهذا عظيم.

لكن الفنان يجب أن يطرح أعماله عللا الجمهور… جميل أن نتوصل إلى عمل مزدوج بين الفنان والأديب أو الناقد، لكن أتمنى أن تكون هذه العلاقة من دون انحياز مقصود بتجاوز القيمة الابداعية إلى اعتبارات أخرى أي التركيز على القيمة الذاتية للعمل الفني.

ماذا لو ننتقل إلى دور اللوحة ومكانها. باعتبار أن دورها يتحدد إلى حد كبير بمكانها. من هنا تطرح إشكاليتها من خلال إمكانية “التزامها” أو تفلتها… وهذا يطرح السؤال الدائم: اللوحة لمن؟

عز الدين دويب: هذه القضية مرتبطة بالظروف الاجتماعية والحضارية والسياسية التي يعيشها الفنان والجمهور. ولهذا، فدور اللوحة هنا -وفي هذه المرحلة- يختلف عن دورها في بلد آخر وفي مرحلة أخرى. لبنان مثلا يرسم لوحة ملتزمة، ويستهلكه صالون فخم، إذن ما فائدة هذه اللوحة الملتزمة. عنجنا في المغرب، حصلت عدة تجارب نزلت فيها اللوحة إلى الشارع أيضا، لمنها نزلت إلى الشعب وكأنها أكلة غالية لا يستطيع الحصول عليه، كانت للنظر لا للأكل، ومن بعدها عاد كل إلى مكانه.

م.القاسمي: نتحدث -وفي كثير من الأحيان- عن الفنانين وكأنهم مجموعة خاصة متوحشة خارجة على النظام العام داخل مجتمع معين أو تجربة عامة. مشكلة “اللوحة لمن” سؤال يطرح على الفنان قجر ما يطرح على المهتمين بالفن. لأن القضية لا تتعلق بالفنان وحده.

يبقى أن نتحدث عن مصير العمل: العمل ينتهي غالبا في صالون. الغلطة في رأيي لا يتحملها الفنان. المسؤولية تقع على النظام الحلزوني الذي تتحرك فيهه الأشياء لتصل إلى قمة الهدف. لنقل إن شاعرا يطبع ديوانا، لا يطبع أكثر من 2000 نسخة، كم نسخة ستباع منه وكم هي المرتجعات؟ من هم الذين يقرأون الشعر؟ فلنقل إنها بيعت كلها: 2000 نسخة على 18 مليونا (عدد سكان المغرب).

المسؤولية ليست على الشاعر، بل على هذا النظام الحلزوني. يجب إعادة النظر في توزيع الإنتاج الاقتصادي إذا طلبنا التعادل في الفرص الاجتماعية. يجب تثوير النظام. أنا شخصيا متفرغ للعمل الفني، ليس بإمكاني أن أنتج أكثر من 25 عملا في السنة. ماذا سيفعل الفنان بهذه اللوحات كي يعيش وهو متفرغ؟ إذا تكفل بي المجتمع فأنا أعطيه كل ما أنتج، فليعرضه في المعرض أو في الشارع أو فليرمه في البحر…

لطيفة: تكلمنا على مناخ العرض والالتزام بالجمهور. هل الالتزام يتعلق بالمضمون أو بمناخ العرض أو بالسعر؟ نحن في المغرب، ما زلنا في إطار العمل النخبوي، لأن قاعات العرض خاصة، وجمهور المثقفين خصوصي، الجمهور الثقافي خاص جدا. الأخ القاسمي قال إن قضية “لمن يرسم الفنان؟” ليست مهمة، أظن أنه في بلاد كبلادنا لا يستطيع الإنسان أن يعيش كفنان فقط، وإنما كمثقف مسؤول عن التغيير.

إذا لم يستطع التغيير فالمطالبة به، وهذا أضعف الإيمان. المسؤولية تقع على الفنانين المغاربة الذين يملأون الساحة المغربية بشعارات حول ضرورة تقرب الفنان التشكيلي من الجمهور، وهم أبعد ما يكون عن ذلك في ممارساتهم.

بلاّمين: المشكل مطرح على الثقافة ككل، لا أريد أن أطيل، أو أتناول الموضوع تاريخيا، سأحاول أن أذكر بعض الأمثلة التي عشناها على صعيد وطني وعلى صعيد عالمي. كنا نعرف أن الثقافة تتوجه إلى فئة معينة. حتى على صعيد الشعر، فقد عاش الشعراء العرب في القصور وليس بين الجمهور. المثقف الغربي، إذا لم يعش في الكنيسة عاش في القصور في القرن التاسع عشر.

الطباعة حلت هذه المشكلة، وخلقت مشكلة للتشكيل، دائما تطرح مشكلة للتشكيل. دائما تطرح مشكلة تقريب الجمهور من الثقافة. بدأ الرسام يضع أمام نفسه بعض الأسئلة. الاستعانة بآلة لإيصال الفن إلى الجمهور كالليتوغرافيا… وإنما دائما في نطاق سوق وجمهور معينين. ولو حاول أن يفتح حوارا أكبر مع الجمهور يبقى رغم هذا في نطاق جمهور معين.

نفس هذا السؤال طرح عند الطليعية العالمية في كثير من الأوقات وفي وقت معين: كبداية القرن العشرين، خصوصا عند الذين حاولوا أن يتخلصوا في اللوحة ذاتها نحو تجارب مسرحية أو فوتوغرافية أو “فن الفيديو”… أي أن يتخلصوا من اللوحة نفسها نحو تجارب إعلامية… أنا أسأل: هل كل هذه المحاولات المتشعبة حلت مشكلة “التحفة”؟ خناك آخرون لا يعترفون بالتحفة وآخرون يعترفون بها.

هناك نوع من الأنانية. أنا لا أومن بفنان يأتي بأية لوحة على قماش ويقول أن بإمكانه أن يفتح حوارا مع الجماهير، أو يحل مشكلة من المشاكل المطروحة في العالم العربي… أقول أن هناك أنانية.. أكون أنانيا عندما أفتح حوارا مع مجموعة من الناس.

ب.بنعاس: أريد تبديل السؤال الذي طرحته: “لمن اللوحة؟” بسؤال آخر: اللوحة لمن؟ إذا قلت اللوحة لمن فهذا يعني أن هناك عملا، والعمل فيه فكرة وتقنية. وبهذه الطريقة قد تصل إلى الجمهور بالتقنية والفكرة.

ميلود (مقاطعا بنعاس): تتكلم على التقنية و “اللوحة لمن” والفكرة. الفكرة تبقى عند البورجوازيين والنخبة. الجمهور يلحق لقمة عيشه أكثر مما يلحق لوحة. القول أن اللوحة للجمهور ليس معناه أنها تدخل بيئته. فاللوحة في أي بلد كان، مصيرها الحتمي هو الصالون، مثلا: سكان المغرب 18 مليونا، وهناك 5 ملايين منزل مثلا، فلا يمكن بمئات اللوحات والفنانين ملء هذه البيوت.

الطريقة الوحيدة هي أن يتفق المثقفون على شيء، أي يجب أن يكون هناك نوع من التكامل بين المثقفين والمبدعين. وهذا الشيء يمكن أن يوصل الكتاب إلى أي إنسان، واللوحة يمكن تعميم نسخها وتوزيعها.

لطيفة: من أجل هذا نجد أنه ليس هناك في المغرب آلات غرافيك، وكل تجارب الغرافيك تتم خارج المغرب، في المغب لا يوجد إمكانيات غرافيك، لا للتعليم ولا للنشر. مؤخرا فقط تمت تجربة الغرافيك في معمل افتتح في مدينة أصيلة، لمن بدل ان يدعى إليها فنانون مغاربة، أتوا بفنانين أجانب يشك في إمكانياتهم الفنية. تجربة “أصيلة” كان يمكن أن تكون شيئا نافعا لأنها وفرت الآلات لأول مرة، لكنها بكل أسف سلمت للأجانب، وهذه إهانة للفنانين المغاربة.

ميلود أبيض: لنقص عليك الحكاية يا سيد بو ل كما حدثت: قام بعض الفنانين في مدينة “أصيلة” بتجارب فنية على الجدران داخل المدينة، وقد كانت نية الرسامين عندما شاركوا حسنة لتقريب العمل الفني من الجمهور، لكن في النهاية استوعبت الأحزاب هذه التجربة، نحن كرسامين أحرار  لا نهتم بالهوية الحزبية.

بول شاؤول: تكلمتم عن تجربة مدينة “أصيلة” التي كانت تهدف إلى إيصال اللوحة إلى الناس، لكن هل تعتبرون أن مثل هذه التجربة إذا قابلها الجمهور بلا تهيؤ لها، وإذا لم نكن مرتبطة بمجمل نشاطات لاحقة، يمكن أن يكون لها المردود المطلوب أم أنها تقع في نوع من الفولكلورية؟

م.القاسمي: حصلت عدة مهرجانات وعدة نشاطات. أريد أولا كدخول للموضوع أن أفصل ما بين تجربة الرسم على الجدران وبين كل المهرجانات التي نظمت في “أصيلة”. التجربة بحد ذاتها، كان فيها الكثير من الحماس والمغامرة، الحماس كان مصحوبا بحسن نية، وهو إدخال مجموعة نظريات ومفاهيم كانت تروج إلى حيز التطبيق نوعا ما.

عادة الرسام أن يعمل في مرسمه ثم يخرج ليعرض أعماله على الناس بشكل سحري. في هذه التجربة كانت لحل العملية في الشارع: الأدوات، التخطيط، الألوان… كلها أمام الناس، وأحيانا بمشاركة الناس. أهمية هذه العجلة تكمن في كونها أول ظاهرة على مستوى المغرب أو حتى على مستوى العالم العربي.

الآن تأتي مجموعة من الأسئلة: لماذا مدينة “أصيلة”؟ هل الشيء الذي رسم كان يتناسب مع المحيط ومع الشكل الهندسي للمدينة؟ هل تجاوب الناس مع هذه التجربة؟ لا أريد أم اقوم بعمل سوسيولوجي، المهم أني أعطيت إحساساتي للناس دفعة واحدة والباقي لا يهمني.

بول شاؤول: لكن، ألا تظن أنه ليس من المهم أن يعطي الفنان إحساساته دفعة واحدة أو على دفعات، وإنما المهم في النتيجة القيمة الفنية؟

م.القاسمي: قصدت أن النتيجة لم تكن تهمني بقدر ما كان يهمني الفعل كتدخل أولا، كمحاولة استفزاز لعادات معينة… لنظرة تجمدت ولم تعد تستطيع أن تتحرك. لن يتحرك شيء إلا بفعل استفزازي. الباقي لا يهمني، الأهمية هي الفعل نفسه.

ف.بلاّمين: قال القاسمي أن القضية كل القضية تكمن في محاولة “إفراغ نفسي”، ولا يهمه ما قدد يحصل بعد هذا الإفراغ النفسي… وكأنه يقول أفرغت إحساساتي وستنمحي هذه الأعمال بعدي. لكن العمل لا يمحى، يبقى في الجمهور، تجربة “أصيلة” لم تقتصر على الجدران، فالأدوات كانت بتصرف كل الناس، ومع هذا تمت استدعاءات لرسامين أجانب للمشاركة في هذا العمل. هذا معناه -في رأيي- عدم الاعتراف بوجود رسامين مغاربة في الغرافيك، هذه قضايا تبقى بلا جواب. الفنان المغربي، بكل أسف، لم يشارك في العمل.

القاسمي: أكرر ما قلت في البداية وهو أنني أفصل بين عملية الجدرانيات وبين مهرجان “أصيلة” الذي كان يتضمن معمل الغرافيك. الشيء الذي أريد أن أضيفه إلى عملية الجدران هو تحويل الشارع إلى نقطة لقاء، أن تتجول المعرفة في الشارع.

لطيفة: أريد أن أرد على القاسمي بأن تجربة الجدران جيدة، وأعجبني قوله إن رسم الجدرانيات نادر… مع أن تجربة الجدرانيات ليست فريدة: في برشلونة ملصق جداري بكامله.

بول شاؤول (لبنان، 1942)
شاعر ومترجم وناقد أدبيّ لبنانيّ.


المصدر

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى