فكر وفلسفة

إسكاتُ الحملان.. مجاز الخراف من هوميروس لهايدغر وما بعده

[ترجمة: سارة حبيب]

بروس جِ. كرايفسكي: كاتب، مترجم، محرر، مقيم في تكساس. حاصل على دكتوراه في اللغة الإنكليزية. من كتبه: “السفر مع هيرمس: تأويلية وبلاغة” (1992). ومن الكتب التي ترجمها وشارك في تحريرها: “الرجل في القلعة العالية والفلسفة: تقارير هدّامة من واقع آخر” (2017)، “غادامير متحدثًا عن سيلان: من أنا ومن أنت؟ ومقالات أخرى”(1997).


“وكيف كان شعورك مع وجود هذا الخروف داخل جسدك؟

“لا شيء مميزًا، في الواقع. شعرتُ أن الخروف داخلي وحسب. شعرتُ به في الصباح. استيقظتُ وكان هذا الخروف في الداخل. شعورٌ طبيعيٌّ تمامًا”.
(هاروكي موراكامي، مطاردة الخراف البرية)

نأخذ هنا بعض الوقت، في عصر الذئاب الرأسمالية، لنتأمل البنى التاريخية طويلة الأمد لفكرة الخراف. في سنة 2021؛ السنة التي قال فيها المضلِّلون إن لقاح  كوفيد-19 يحوِّل الإنسان إلى شمبانزي، السنة التي قتل فيها رجلٌ أطفالَه لأنه اعتقد أنهم سيتحولون إلى ما يُدعى “البشر السحالي”، في تلك السنة عادت فكرة “القطيع” (البشر بوصفهم قطيعًا خاضعًا) إلى الحياة من خلال الفيلم الأيسلندي “حَمَل”.

في ذلك الفيلم، لا يبدو أن الصبي (وتعني كلمة “Kid” أيضًا صغير الماعز، والتلاعب اللفظي مقصود هنا) الخروفيّ الشبيه بالبشر والمثير للقلق هو نتيجة تقنية كريسبر للتعديل الجيني. فالإطار الرعوي للفيلم يعاكس ذلك النزوع، وإنْ كان يفسح المجال للإمكانية التي جرى استكشافها في مسرحية إدوارد ألبي “العنزة، أو من هي سيلفيا؟”، إن صور الفيلم تهيّئُنا للسؤال التالي: ما الذي يمكن احتسابه إنسانًا؟

يعرف بعض الفلاسفة مشاكل الخراف الصوفية من خلال دراستهم لديكارت. لقد تصارع ديكارت مع أنطوان أرنولد حول زعم أرنولد المتجذر في كتابات ابن سينا، والقائل بأن للخراف روحًا حسية، وأن ذلك يرجع في جزء منه إلى حقيقة أنها تهرب من الذئاب.

قد يعرف بعض الفلاسفة كذلك غوصَ ﻫﺎﻧﺰ ﺑلوﻣﻨﺒﻴﺮغ في الحكاية الرمزية السياسية الخالدة التي تشمل الخراف والذئاب من خلال ما عَنونه: “الحلم المتخيَّل لغياب الأسد” (وهو فصل من كتابه “أُسُود”). تقوم فكرة ﺑلوﻣﻨﺒﻴﺮغ، المستوحاة من ألفرد بولغار، على أن الخراف، على الخشبة على الأقل، لا تظهر مسرحيًا على نحو اعتباطيّ إنما، في حالة ألمانيا، خلال أوقاتِ السلم؛ أي عندما يكون الأسد غائبًا.

وترجمة ذلك هي أن الأمة الألمانية بوصفها أسدًا أصبحت عاجزة بفعل معاهدة فرساي. في ذلك السياق، يمكن لبلوﻣﻨﺒﻴﺮغ أن يولي أهميةً للمسرحية الألمانية “الجنة الجديدة” (1932) التي “تنادي بتسليح الحملان”. يفضح تاريخ المسرحية (1932) التأويلَ السياسي، على الرغم من أنه قبل وجود دولة الأمة ألمانيا، توقعَ شخص ما أن حمَلًا سيربح الحرب الأخيرة (سفر الرؤيا 17: 14).

في الحقيقة، إن الرموز المشحونة في الكتاب المقدس المسيحي، والتي وظفها باخ بفعالية كبيرة في أوركسترا “آلام القديس متّى”، تتيح للمسيح أن يبدّل موقعه بين الحمل والراعي. والقديس متّى هو من ينبّه القرّاء إلى هذه التبدلات في الهيئة (سفر الرؤيا 7: 15) بما أن أنبياءَ مزيفين ذئاب سوف يتنكرون كخراف. هل كل التنكر المسيحي هو نتيجة تكريس؟

تمعن مارتن هايدغر في مسألة الخراف مبكرًا، على الأقل منذ عام 1939 في سلسلة من المحاضرات حمل قسم منها عنوان “ثغاء الخراف”

على الأرجح، يدرك فلاسفة آخرون أيضًا أن عنوان كتاب كريستين كورسغارد “رفاقنا في الخلق” يمكن تحديد موقعه في محاضرة ضمن ما يسمى “محاضرات تانر” للإنسانيات ألقتها كورسغارد عام 2004. تفتتح كورسغارد المحاضرةَ باقتباس عن كانط يدور حول شخص يتحدث إلى خروف: “عندما قال [الرجل] أول الأمر للخروف: ‘الفرو الذي ترتديه لم تعطهِ لك الطبيعة لتستخدمه أنت، بل لأستخدمه أنا’، ثم أخذه من الخروف ليرتديه هو، أصبح مدركًا للامتياز… الذي تفوّق به على سائر الحيوانات؛ وهو الآن لم يعد يعتبرهم رفاقه في الخلق، بل وسائلَ وأدوات يستخدمها كيفما يشاء لأجل الحصول على ما يبتغيه من غايات”.

يؤكد هذا المونولوج المصغّر سيطرة الإنسان على الخراف. وجون لانجشو أوستن كان ليدعو هذا المونولوج “فعلَ كلامٍ تأثيريّ”. في حين أن فيتغنشتاين كان ليعتبره إعلاءً لمنزلة الخراف في ضوء ملاحظته الشهيرة: “لو كان بوسع الأسد الكلام، لما أمكننا فهمه”. إن البشر عاجزون عندما يتعلق الأمر بفهم حديث الحيوانات، إلا أن خروف كانط كما هو واضح لا يجد صعوبة في فهم اللغة العبرية التوراتية. ووفقًا لكانط الذي يقتبس عن سفر التكوين (3: 21)، إن الشخص الذي يتحدث إلى الخروف هنا هو آدم. وفي آخر الأمر، يقوم الخروف بالرد (أنظر رواية توماس مان “الآثم المقدَّس”).

إن أخذَ الجلد من الخراف في سفر التكوين ليغطي جسدي آدم وحواء (3: 21) ليس شيئًا مقارنةً بما يحدث للخراف في الإصحاح (22) عندما يصبح الخروف بديلًا عن الأضحية البشرية. تتذكرون ذلك بالطبع. إنها حفلة شواءٍ عالية القداسة؛ وهي موضوع حديث شالوم أوسلاندر على الراديو الوطني العام (NPR).

ثمة أيضًا الوصف التالي من بحثِ بيتر فردريك ستراوسن وجورج بيلر المعنون “عدم اتساقِ التجريبية”: “افترضْ أن شخصًا ما كان يقود سيارته لأميالٍ عابرًا بما يبدو مثل قطعان من الخراف. في عدة نقاط على طول الرحلة، ‘يعتقد’ هذا الشخص أن هنالك خروفًا في المرعى”. لسبب ما، من الاتساق وضعُ مثالٍ عن خروف في بحث عن التجريبية.

تخيلوا مجموعة الحيوانات والنباتات التي كان من الممكن أن تحطَّ رحالها في هذا الوصف، غير أن عالم الصوف كانت له الغلبة. كان من الممكن أن يكون الوصف على الشكل التالي: “افترضْ أن شخصًا ما كان يقود سيارته لأميال عابرًا بما يبدو مثل عثّ البودل الفنزويلي المُحتجِب. في عدة نقاط على طول الرحلة، ‘يعتقد’ هذا الشخص أن هنالك عثة بودل في الحقل”.

علاوة على ذلك، وفي حين يقود الفلاسفة مسافاتٍ ليعثروا على الخراف، ينتظر المحللون النفسيون مجيء الذئاب إليهم، كما في الحلم الأكثر شهرة في عالم التحليل النفسي؛ الحلم الذي رواه “الرجل الذئب”. رأى المريض ذئابًا بيضاء تجلس على شجرة أمام منزل العائلة. حدقت الذئاب في المريض – الخروفِ الفزِع- عبر نافذة غرفة النوم.

يقول مخرج فيلم “حمل” فالديمار يوهانسون: “عندما يولد حمل ويكون ثمة خطب ما فيه، يقتلونه قتلًا رحيمًا.. ما هو “طبيعي” يتوقف على التكرار. وقتلُ ما يبدو غير سليمٍ يعتبر أمرًا طبيعيًا، بنتيجة “ممارسات متوارثة”

يحب الفلاسفة الخرافَ على ما يبدو، لكنهم ليسوا وحدهم في ذلك. على سبيل المثال، يتناول فيلم “حمل” مادة مألوفة للمجموعة الأدبية التي تقرأ “الذئب والعنزات السبع” في حكايات الأخوين غريم، “نسل ليليث” لـِ أوكتافيا بتلر، “دكتور جيكل والسيد هايد” لـِ روبرت لويس ستيفنسون، “نحن الخراف” لـِ إيثان كوين، “الانمساخ” لـِ كافكا، “مطاردة الخراف البرية” لـِ موراكامي، أو رواية “إليزابيث كوستيلو” لـِ جي إم كويتزي التي تقرّ الشخصية الرئيسية فيها قائلةً: “لا حدود لمخيلتنا التعاطفيّة: تمامًا كما بوسعنا أن نحوّل أنفسنا إلى شخصية في رواية ونختبر تجارب تلك الشخصية، كذلك بوسعنا أن نحوّل أنفسنا إلى أيّ كائن حي، سواء أكان خفاشًا أو شمبانزي أو محارة” أو خروفًا.

إن مثل ذلك التحوّل (تحول الإنسان إلى حيوان أو هجين حيوان- إنسان: حوريات بحر، مستذئبون، مينوتور (رجل وثور)، هاربي (امرأة وطير) قناطر (بشر وحصان)) يمكن أن يكون مُجفِّلًا. حتى المسيحيون ليسوا مستعدين لذلك النوع من “تحويل الجوهر”. ويمكن أن تكون ردود الفعل عنيفةً. يقول مخرج فيلم “حمل” فالديمار يوهانسون: “أمضيتُ الكثير من الوقت مع رعاة الأغنام.

عندما يولد حمل، أو حيوان آخر، ويكون ثمة خطب ما فيه، يقتلونه قتلًا رحيمًا”. نحن نريد أن نرى ما قد رأيناه على الدوام. ما هو “طبيعي” يتوقف على التكرار. وقتلُ ما يبدو غير سليمٍ يعتبر أمرًا طبيعيًا، بنتيجة “ممارسات متوارثة”، كما يقول يوهانسون. (من شأن هذا أن يفسّر تصنيف فيلم “حمل” كفيلم رعب). إن المخيلة التعاطفية يمكن أن تبدو للآخرين “غير طبيعيةٍ” على نحو مخيف.

وفي معظم الحالات، بالنسبة لبعض الناس، لا يستطيع حتى المتخيَّل اليومي أن يتقبّل خروفًا روتينيًا أو روتينَ خروفٍ. فكروا بالاستخدام اللاذع لكلمة “قطيع” لأجل وصف البشر الخاضعين أو بالقول المشهور للسلطان تيبو سحاب: “إن يومًا واحدًا من العيش كنمر أفضل بكثير من ألف سنة من العيش كخروف”.

تاريخيًا، وفي مناسبة واحدة على الأقل، بدا تبادل المواضع الذي انطوى عليه زعم تيبو سحاب منشودًا. “عزيزي المسكين، لطالما أكلت الذئابُ الخرافَ؛ هل ستأكل الخرافُ الذئابَ هذه المرة؟”، هذا الاقتباس الذي استشهد به إلياس كانيتي في كتابه “الحشود والقوة” هو من رسالة كتبتها روزالي دوكرولي، المعروفة أيضًا باسم “مدام جوليان”، إلى ابنها عام 1791.

كانت روزالي دوكرولي تأمل أن تُنتج الثورة الفرنسية حالة “عكس للطبيعة”، مُفضيةً، على سبيل المثال، إلى منح حقوق متساوية للناس من جميع الأعراق، كما اقترح فيلسوفٌ التقت به، نيكولا دو كوندورسيه، وأصبح “صديق العائلة”.

إن مجاز الخراف في المجال السياسيّ عميقُ الجذور في التاريخ البشري، فهو يعود على الأقل إلى زمن إلياذةِ هوميروس. إن “نموذج الملك (باسيليوس) كراعي غنم نموذجٌ متأصلٌ في الثقافة الإغريقية من خلال الإلياذة”، كما تشير ميليسا لين. وقد تتذكرون خطة أوديسيوس بإخفاء رجاله تحت الخراف ليهرب من كهفٍ يحرسه بوليفيموس (الأوديسة 445-425).

ليس واضحًا بالطبع فيما إذا كانت الخراف قد تطوعت لأجل تلك الخدعة. ولا يبدو في النشيد التاسع أن أوديسيوس ممتنٌ للخراف المنقذة للحياة، لأنه في النشيد الحادي عشر يلعب دور مستحضر الأرواح، مالئًا حفرةً بدماء خروف مذبوح حديثًا لكي يتواصل مع الموتى الذين، وفق المؤرخ فرانسوا هارتوج، يتصرفون مثل مصاصي دماء (قبل أن يُسَّك هذا التعبير)؛ الموتى “ينجذبون للدماء”. إن دم الحمل يجذب الموت وينفّره. ودم الحمل هو مثل طارد للموت الذي يحدث في البيوت (أنظر سفر الخروج: 12).

يوظّف فلاسفةٌ مثل أفلاطون وهايدغر – نيتشه كذلك في “جنيالوجيا الأخلاق”- مجازَ “الخراف والراعي” المعمّر من أجل تبرير سياسات “الرجل القوي”؛ أو الحكم الاستبدادي

مثل هوميروس، يستمد أفلاطون من نموذج الخروف/الراعي في عمله “رجل الدولة”. وما تسميه فولفيا دي لويز “الإله الراعي” في “رجل الدولة” يتحول إلى نسخة من الملك-الفيلسوف. وفي أسطورة سياسية رواها الغريب الإلياتي (في الحوار الأفلاطوني “السفسطائي”)، تظهر صورة البشر الشبيهين بالخراف والذين يحكمهم راعي قطيع عطوف. وهي صورة رعوية متناغمة تعود إلى زمن كرونوس، إلا أنها تناقض فترة أفلاطون التي توقف فيها البشر عن التصرّف كخراف.

لكن، على الرغم من هذا التغيير، يحتفظ أفلاطون بمجاز الخراف وأجزاء من أسطورة الغريب، مثل ربط راعي قطيعٍ عطوف برجلِ دولةٍ خيّر. كما أن ضرورةَ وجودِ حكّامٍ ووجود من يُحكَمون تستمرّ في الصورة السياسية عند أفلاطون، حتى بالنسبة إلى أولئك الذين يختلفون حول كيفية تلقي القراء لأسطورة الغريب الإلياتي.

كذلك، وبالبناء على الإطار المفهوميّ الغنميّ الهوميري والأفلاطوني، تمعن مارتن هايدغر في مسألة الخراف مبكرًا، على الأقل منذ عام 1939 في سلسلة من المحاضرات حمل قسم منها عنوان “ثغاء الخراف”. وكان هذا القسم ردًا على الفيلسوف هيردر (ويعني الاسم “الراعي”، كما لو أن التلاعبات اللفظية هنا تحدث من تلقاء نفسها) الذي كان عليه على ما يبدو أن يكون هابيلًا (الراعي) لقابيلِ هايدغر (المزارع) في هذه الحالة.

وفي نص يُرجعه هايدغر إلى عام 1936، يكتب هايدغر في “رسالة في النزعة الإنسانية” (1946/1947) العبارة المشهورة “الإنسان راعي الوجود”. ينحاز الفلاسفة إذًا إلى الرعاة. فالخراف حيوانات، و”الحيوانات عند هايدغر تُصوَّر دائمًا على أنها ناقصة؛ ضعيفة في العالم، من دون لغة، من دون تاريخ، من دون قدرة، من دون سكن، من دون مكان”. ومن السهل نسيان الدرس الذي تعطيه فيكي هيرن عن إسكات الحملان الحقيقي: بقدر ما يتمكن [الفيلسوف] من إنكار أي إيمانٍ بقدرة [الخراف] على الاعتقاد، الاعتزام، النيّة، إلى آخره، لن يكون هنالك تدفق للاعتزام، النية، الاعتقاد، الأمل”.

علاوة على ذلك، يوظّف فلاسفةٌ مثل أفلاطون وهايدغر – نيتشه كذلك في “جنيالوجيا الأخلاق”- مجازَ “الخراف والراعي” المعمّر من أجل تبرير سياسات “الرجل القوي”؛ أو الحكم الاستبدادي. (تذكروا فكرة الملك-الراعي). إن بعض دارسي أفلاطون وهايدغر دفاعيون حول هذه المسألة، في حين أن آخرين ممن يقرّون بالأجزاء المتعلقة بالدليل الاستبدادي يقدمون أعذارًا.

على سبيل المثال، بعض حرّاس أفلاطون يصورونه كديمقراطيٍّ يعرض “ديمقراطية مثالية” بوصفها أداةً يمكن للجميع استخدامها، كما لو أن أفلاطونَ “الكذبةِ النبيلة” يعتبر أن كل المواطنين يتمتعون بقدرات متساوية وقيمة متساوية. ونحن نعرف أعذار هايدغر التي يتعلق أحدها بالنازية. قد يقول بعض الباحثين، بمن فيهم مؤلف كتاب “هايدغر، الأخلاقيات والسياسة: التشكيك براعي الوجود”، أن هايدغر لديه “الكثير من الأخطاء والنقاط العمياء”، مع إصرارهم على أن عمله لا يزال قيّمًا ويستحق الاهتمام.

بالتالي، “الأخطاء والنقاط العمياء”، مثل دفاعه العلني المستمر عن الاشتراكية القومية (النازية) على الأقل حتى عام 1966، تصبح أوسمة شرف، علاماتَ تعقيدٍ وجدارة، لا مسبّباتِ نفور مطلقًا. إن الباحثين الذين يبرّرون لا يرون أنفسهم غالبًا شركاء في تلك “الأخطاء والنقاط العمياء”. ومن غير المحتمل أن يوافقوا ستيفن أونجر في قوله “إننا دومًا مدنَّسون مقدَّمًا من خلال هايدغر”.

إن ولاءُ هايدغر للراعي في ترتيب منزلةِ الكائنات أزعج الفيلسوفَ برونو لاتور حدّ أنه كتب: “من أخبرك أن الإنسان هو راعي الوجود؟”   

إن ولاءُ هايدغر للراعي في ترتيب منزلةِ الكائنات أزعج الفيلسوفَ برونو لاتور حدّ أنه كتب: “من أخبرك أن الإنسان هو راعي الوجود؟ الكثير من القوى قد ترغب بأن تكون راعيًا. على أية حال، ليس ثمة من راعٍ. بما أنك تُسكِت الأشياء التي تتحدث عنها، لماذا لا تدعها تتحدث بنفسها؟” يعرف لاتور أن هايدغر يريد أن يطمس الثغاء، أن يختزل صوت الخراف إلى صرخةِ شعورٍ غريزية، أو كما تصف كيلي أوليفر تعليق هايدغر: “يصبح الخروف مجردَ مثالٍ عن الوجود”.

مع هذا، أخفق رفضُ لاتور لعبارة هايدغر. كما أن معظم المواجهات مع الهايدغريين خابت. ولعلّ الفرصة أكبر، مثلًا، بإقناع بوريس جونسون أن انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي لم يكن اللمسة الأخيرة على حلواه الوطنية. “هل قرأتَ كل كلمة كتبها هايدغر؟” “هل تعرف الألمانية؟” “هل قتل هايدغر أحدًا؟” “ألا تعرف أن هايدغر كان له أصدقاءٌ يهود؟” “إن هايدغر هو الفيلسوف الألماني الأكثر أهمية، لذلك يجب أن تقرأه وتحترمه بغضّ النظر عن أخطائه ونقاطه العمياء”. “الأفكارُ أكثر أهمية من الشخص”. “كما قال غادامير، هايدغر لم يكن نازيًا حقيقيًا”. “أنت لا تعرف كيف كانت الأمور في تلك الأيام؛ الضغط الأيديولوجي، العقوبات المحتملة”، وغيرها من الردود.

وفوق هذا، ينسج الهايدغريون هذه الأيام بطلهم على هيئة “ظاهراتيّ بيئيّ”؛ كشخصٍ يمكن له أن يعلّمنا “أخلاقيات الأرض”. كما أن الهايدغرية الصديقة للبيئة تيرا كينيدي لا يرفّ لها جفنٌ حين تكتب: “ربما يكون صحيحًا أنه لا حاجة بنا لأن نأكل الخراف، لكننا بحاجة لأن نأكل شيئًا ما.

بحاجة لأن نرتدي شيئًا ما. إن تلبية بعض الحاجات الأساسية مثل المأوى، اللباس، الطعام، والشراب، ضروريةٌ لأجل النجاة ويترتب عليها دائمًا بعض الأثمان بالنسبة إلى الكيانات الأخرى”. من هو مصاص الدماء الآن؟ في عودة لما حدث تقريبًا مع إسحاق، “الإنسان” الهايدغري هو الكائن الأعلى الذي تُبذَل له الأضاحي.

تقترح كينيدي عالمًا يستخدم فيه المنشغلُ بالبيئة “الاستدامةَ” على أنها مرادفٌ لغريزة الحفاظ على النفس. أما موت الكيانات الأخرى فيندرج ضمن “بعض الأثمان” ومن دون تقديم أيّ اعتذار. إن كينيدي ببساطة تتصرف مثل أحد أولئك الرأسماليين “الذين ربّتهم الذئاب”، وفق جوزيف فوغل الذي يعرّف الرأسمالية على أنها نظامٌ “مسؤوليتنا الوحيدة فيه هي ألا نكون مسؤولين عن أي شيء أو أي أحد سوى أنفسنا”.

من ناحيته، يأخذ الكاتب توماس بِرنهارد مسارًا مختلفًا فيما يخصّ هايدغر والخراف. يؤكد برنهارد على مركزية الخراف في مشهدٍ يتذكره، من غير أن يركزّ على هايدغر بقدر تركيزه على المرأة التي اعتبرتْها حنّا آرندت “مروّعة بكل معنى الكلمة”، وهي إلفريد، زوجة هايدغر. بالنظر إلى الوصف التالي، كان من الممكن أن يبدّل برنهارد اسم إلفريد إلى السيدة ديفارج (من قصة مدينتين).

آخر استعارة سنتناولها فيما يخص الخراف تعود إذًا لبرنهارد: “لطالما تخيلتُه جالسًا على مقعد خشبي أمام كوخِ غابته السوداء [الذي بنته إلفريد من مالِ إرث]، إلى جانب زوجته التي بحماسها العنيد للحياكة تحيك باستمرار جواربَ شتوية بصوفها المجزوز من خروفهم الهايدغري [Heideggershafen].

لا أستطيع أن أرى هايدغر على أي نحو آخر سوى هذا؛ جالسًا على مصطبةِ كوخِ غابته السوداء، إلى جانبه زوجته التي تحكمت به تمامًا طوال حياته والتي حاكت كل جواربه ونسجت كل قلنسواته”. إن وصف برنهارد لإلفريد على أنها شبيهةُ مدام ديفارج يشير إلى أن الخراف لم تكن الكائنات الوحيدة التي جُرِّدَت من إنسانيتها ضمن أفق هايدغر.


رابط النص الأصلي


ضفة ثالثة

بروس جِ. كرايفسكي

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات