الدراسات الثقافيةفكر وفلسفة

حضارة عربية أم إسلامية ؟

غموض المصطلح وسيلة لتوظيف أيديولوجي

حضارة عربية أم إسلامية؟ قد يبدو التساؤل بسيطًا وعفويًّا، إلا أنه ينطوي في داخله على أمور أكثر تعقيدًا؛ تسببت في مآسٍ كبرى مثل قمع الأقليات الدينية والعرقية واللغوية، وصعود حركات التطرف الديني أو ما يدعى اليوم بالإسلام السياسي. فقد اعتمدت هذه الحركات على تحديد ديني للحضارة لتطالب بتطبيق ما تراه هو التفسير الصحيح للدين.

وباسم الحضارة الإسلامية، تنشر إيران اليوم أيديولوجيا سياسية توسعية تقوم على إبعاد الحضور الغربي من موطن الحضارة الإسلامية بوصفه حضورًا غريبًا عن هذه الحضارة؛ كي يخلو لها السياق للهيمنة على الشعوب التي تشاركها في الانتماء لهذه الحضارة، على ما يذهب المفكر التونسي محمد الحداد، الذي يرى أن الصدام الحقيقي اليوم لم يعد بين الحضارة الغربية والحضارات الأخرى بقدر ما أصبح صدامًا داخل كل حضارة.


ويدعو مفكرون إلى جانب الحداد إلى ضرورة السعي إلى تحديد المفهوم وضبطه، وإلى الحاجة إلى إرساء مفهوم جامع يتسم بالموضوعية والعملية في آنٍ واحد، متخلصًا من الشحنات الأيديولوجية العنيفة، سواء أكانت صريحة أم مضمرة، شعورية أم غير شعورية. فتسميات الحضارات عمل إنساني قابل للحذف والتعديل، بحسب الباحث الجزائري مولود عويمر، فإطلاق اسم الحضارة الفينيقية على حضارة بلاد الشام والحضارة الرومانية على من سكن إيطاليا، في مدة زمنية معينة، وكذلك اليونانية والفرعونية والبابلية، وغيرها، كلها تسميات اجتهد متأخرون كثر من الفلاسفة والمفكرين في ضبط جوانب وأبعاد وحدود تلك المصطلحات.

ولعل اللغط الدائر حول مصطلح الحضارة الإسلامية والحضارة العربية راجع في بعض جوانبه، كما في تصور الباحث المصري عبدالواحد النبوي، إلى أن النقاش يدور حول هذا الموضوع وشعوب الحضارة الإسلامية في أضعف حالاتهم، وهو ما فرض كثيرًا من النقد والنقض الذي لا يتناسب وجوهر تلك الحضارة. ولعل من القضايا المهمة التي يجب أن ننشغل بها، كما يقول النبوي، هي دراسة التداخل بين الحضارات، وإلى أي حد أثّرت وتأثرت كل منها بالأخرى، بعيدًا من البحث في قضايا تثير النعرات القومية مثل غلبة حضارة على أخرى.

ويفضل الكاتب السعودي محمد المحمود النظر إلى قضية الحضارة بوصفها نبوغًا إسلاميًّا؛ وليس عربيًّا؛ لأن العرب في رأيه، لم يسهموا بشكل فارق إلا في الخطوة الأولى، الخطوة غير العلمية وغير الحضارية، التي تتمثل في عَسْكَرة المجتمع العربي زَمنَ الفتوحات الأولى، من أجل وضع اللبنات الأساسية للإمبراطورية الإسلامية الكبرى التي ستكون مهمتها نشر الإسلام.

«الفيصل» تكرس ملف العدد لمفهوم الحضارة، سواء أكانت عربية أم إسلامية أم كلتيهما، وما يصاحب المفهوم من تعقيدات وتوظيف أيديولوجي.


  • نحو رؤية تكاملية وغير صدامية لمفهوم الحضارة

محمد الحداد – كاتب و أكاديمي تونسي

في روايته الشهيرة «الحضارة، أمّاه» الصادرة سنة 1972م، أبرز المغربي إدريس الشرايبي بطريقة أدبية مرحة العلاقة بين الإنسان والحضارة، بوصفها علاقة تحرّر من الهيمنة، لكنها علاقة معقدة. فالأم، بطلة الرواية، تتحرّر من التقاليد المجتمعية البالية التي تكبلها بفضل أبنيها اللذين يطلعانها على الحضارة الجديدة. لكن ما إن تصبح قادرة على التعامل مع هذه الحضارة حتى تتحوّل إلى مناضلة من أجل تحرّر بلدها من استعمار الذين صنعوا تلك الحضارة، من دون أن تشعر بتعارض بين فعل التحرر الأول وفعل التحرر الثاني. لقد عبّرت هذه الرواية التي حققت شهرة عالمية بأفضل طريقة عن العلاقة المعقدة بالحضارة. وربما حان الوقت أيضًا لتجاوز تعقيدات هذا المفهوم ومخاطره الكامنة والمتراكمة من أجل رؤية تكاملية تقطع مع رواسب الهيمنة وعقد التفوق.

لقد قطع هذا المفهوم رحلة طويلة ليصل إلينا ويصبح أحد المفاهيم الأساسية في استعمالاتنا المختلفة. وسنقدم عرضًا سريعًا لهذه الرحلة قبل أن نقدّم مجموعة من المقترحات لتحريره من الهيمنة والتصادمية، أي تجريده مما علق به من توحش.

«الحضارة» في التداول العربي القديم

بالنظر إلى غياب المعاجم التاريخية للغة العربية، يصعب أن نحدّد بدقة متى ظهرت كلمة «حضارة» وكيف تطورت معانيها واستعمالاتها مع مرور الأزمنة واختلاف السياقات، إلا أن المؤكد أن الكلمة في مبناها قديمة وسابقة على مقابلاتها في اللغات الأوربية (civilisation/ civilization). وقد ورد في «لسان العرب» (مادة «حضر») لابن منظور (ت 711هـ/ 1311م) أن «الحضارة: الإقامة في البادية»، استشهادًا ببيت شعر للقطامي (شاعر مخضرم): «ومن تكن الحضارة أعجبته *** فأي رجال بادية ترانا».

ولما كانت العلاقة قوية بين سكنى الحضر والمدن وبين رفاهية العيش والترف والظرف، فهذه من نتائج ذاك. والترف لا يوجد بين سكان البوادي، فقد مال لفظ حضارة إلى الدلالة على الترف. ولذلك نسب للخليفة الثاني عمر بن الخطاب عبارة «اخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم». وبقدر ما تطور العرب نحو الازدهار وانتشر بينهم الترف، استعملت كلمة حضارة أساسًا فيما ندعوه اليوم بالتقدم المادي.

أما الحضارة مفهومًا فلعل ابن خلدون هو أفضل من طورها في الفكر العربي. رأى ابن خلدون أن العمران هو «التساكن والتنازل في مصر أو حلّة للإنس بالعشرة واقتضاء الحاجات». وقسّمه إلى عمران بدوي «هو الذي يكون في الضواحي والجبال وفي الحلل المنتجعة للقفار وأطراف الرمال»، وعمران حضري «هو الذي بالأمصار والقرى والمدن والمداشر»(١). واقتبس من «الحكماء» (أي الفلاسفة) قولهم: «الإنسان مدني بالطبع»، وفسره بأنه «لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية/ المدينة باصطلاحهم، وهو معنى العمران». وبما أن كلمتَي مدينة ومدنية متقاربتان في طريقة الكتابة فالتصحيف وارد بينهما، ويصعب تحديد أيهما كتب ابن خلدون. من جهة، يذهب محقّقو كتابه، مثل كاترمير وإبراهيم شبوح وعبدالسلام شدادي، إلى أن الكلمة هي مدينة. لكن من جهة أخرى يبدو غريبًا أن يقسم ابن خلدون العمران إلى بدوي وحضري ثم يحصره في المدينة أي في الحضر، ولا سيما أن الفقرتين تردان في الموضع ذاته من الكتاب. فالمعنى يكون واضحًا ومستقيمًا لو كانت الكلمة «مدنية»، وعلى هذا ضبطها آخرون لكن قد يكون ذلك بمبادرة منهم. كما يمكن أن يكون النساخ قد استبدلوا مدنية بمدينة لأن الكلمة الثانية هي الرائجة. وفي النهاية، يصعب حلّ الإشكال الذي تطرحه العبارة الخلدونية.

على كل، جمع ابن خلدون في عنوان الفصل الثاني من الكتاب الأول من «المقدمة» بين العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل، كان يراها صنفًا واحدًا بوصفها جميعًا مجتمعات كفاف، تعيش على الحاجي ولا تبلغ الكمالي. ووضع قانونًا للانتقال من البداوة إلى الحضارة، مؤكدًا أن «خشونة البداوة قبل رقة الحضارة»(٢). بل جعل غاية الاجتماع الإنساني تحقيق هذا الانتقال، أي سكنى المدن والتمتع برقة العيش فيها. لكن في الآن ذاته، نبه ابن خلدون إلى أن هذا الانتقال يمثل من جانب آخر تقهقرًا أخلاقيًّا؛ إذ القيم السامية أكثر انتشارًا لدى البدو من الحضر، لأنها قيم فطرية فهي أقرب إلى الوضع الفطري للبشر. وبقدر ما يتعقد نمط حياة الإنسان فإنه يفقد فطريته، «فالحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير»(٣). وربما كان قصد ابن خلدون من إبراز هذا التناقض بين تطور الإنسان نحو عيش أفضل وتراجع أخلاقه وفسادها تبرير وظيفة الدين، فهو الذي يحل محل الفطرة في المحافظة على القيم والأخلاق.

ثمة فكرة ثانية بالغة الأهمية لدى ابن خلدون تتمثل في تمييزه بين التطور السياسي للبشر وتطورهم الحضاري، أو بين تاريخ الدول وتاريخ الحضارات، أو بين الزمن القصير للدولة والزمن الطويل للحضارة. الحضارة بالنسبة إليه أشمل من الدولة. فعمر الدولة لا يتجاوز ثلاثة أجيال؛ جيل البداوة، وجيل الترف، وجيل الفساد والانحطاط. وقد شبه عمر الدولة بعمر الشخص الواحد، أي معدل مئة وعشرين سنة (أربعون سنة لكل جيل). أما الحضارة فيمكن أن تتواصل بعد سقوط الدولة. وكان ابن خلدون واضحًا جدًّا في بيان هذه الفكرة الطريفة: «تنتقل الحضارة من الدول السالفة إلى الدول الخالفة… وعلى قدر عظم الدولة يكون شأنها في الحضارة؛ إذ أمور الحضارة من توابع الترف، والترف من توابع الثروة والنعمة، والثروة والنعمة من توابع الملك»(٤). فالدولة تسقط وتقوم أخرى محلها، أما الحضارة فتتواصل ويضيف كل جيل وكل دولة لبنة منها. هكذا واصل العرب حضارة فارس والروم في عهد الدولتين الأموية والعباسية، وانتقلت الحضارة الأموية إلى الأندلس بعد سقوط دولة بني أمية، وانتقلت الحضارة العباسية إلى الديلم والترك، إلخ.

«الحضارة» في التداول العربي الحديث

اختار العرب في بداية العصر الحديث استعمال كلمة «مدنية» و«تمدن» بدل «حضارة» و«تحضر»، كما يبدو من خلال مؤلفات عدة صدرت في القرن التاسع عشر. وقد يكون أولها كتاب أشرنا في أعمال سابقة إلى أهميته البالغة في توجيه الوعي العربي آنذاك بقضية الحضارة، وهو الترجمة التي أعدّها حنين نعمت الله خوري لكتاب من تأليف الوزير والمؤرخ الكبير فرنسوا غيزو، وقد ورد عنوانها بالصيغة الآتية: «التحفة الأدبية في تاريخ تمدن الممالك الأوربية»، وصدرت بمصر (الإسكندرية) سنة 1881م. ثم أصدر محمد فريد وجدي كتاب «المدنية والإسلام» سنة 1898م، وجورجي زيدان «تاريخ التمدن الإسلامي» بين سنتي 1902م و1906م، ومحمد عبده «الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية» سنة 1903م، ومصطفى الغلاييني «الإسلام روح المدنية» سنة 1908م،… إلخ.

يمكن هنا أن يطرح السؤال الآتي: لماذا لم يستعمل العرب كلمة «عمران» الخلدونية لتكون المقابل للكلمة الغربية civilisation/ civilization؟ على الرغم من وجود مئات الكتاب حول ابن خلدون ومئات أخرى حول النهضة، فإنه لا يوجد، على علمنا، من الدارسين من تفطن إلى أهمية هذا السؤال وقدّم إجابة عنه. وبما أن المقال لا يتسع هنا للخوض المفصل في ابن خلدون ونظرياته، فإننا نكتفي بتقديم ثلاثة عناصر للإجابة:

تصّور ابن خلدون للحضارة والعمران تصوّر قديم، يعود في أصوله إلى الفلسفة الأرسطية. وهو من الصنف الذي كان منتشرًا في أوربا في العصر الوسيط وبدأت تتخلص منه مع عصر الأنوار. هو تصور يربط الحضارة بنمط السكنى والعيش ويقابل بين المدينة والبادية ويصنف شعوب البادية على أنها شعوب متوحشة فاقدة للحضارة. وهذا ما يفسر العبارات التحقيرية التي كتبها ابن خلدون بحقّ عرب البادية «إذا عرّبت خرّبت» وبحق الشعوب الإفريقية «الميل إلى الخفة والطيش». لقد أصبحت المسافة في العصر الحديث بين سكنى العرب ومعاشهم، وسكنى الأوربيين ومعاشهم، بالهوة نفسها التي كانت تفصل مدن العرب عن بواديهم وعن معاشات السود في عهد ابن خلدون. فلم يعد من صالح العرب ربط الحضارة بالسكنى ونمط العيش.

تصوّر ابن خلدون يربط الحضارة بالإقليم. بالنسبة إليه، الإقليم الرابع الذي يضم شمال إفريقيا وجنوب أوربا وجزءًا من آسيا هو إقليم الحضارة لأنه إقليم معتدل. وبقدر ما يبتعد البشر من الإقليم المعتدل فإنهم يعيشون متوحشين ولا يعرفون الدين الصحيح وتكون أحوالهم «قريبة من أحوال البهائم»، كما قال؛ لذلك حكم على سكان إفريقيا السود مثلًا بأنهم خارج الحضارة. لكن في أوربا، كانت نظرية ارتباط الإقليم بالحضارة قد تطورت منذ مونتسكيو وأصبحت تستعمل لتبرير التفوق الأوربي والزعم بأن شدة الحرارة في البلدان العربية أو إفريقيا هي عامل للتخلف. فلم يكن مفيدًا للعرب مسايرة ابن خلدون في هذا التصور.

ج- حملة الثقافة العربية الجدد، مثل حنين نعمت الله والطهطاوي وعبده وغيرهم هم أبناء الريف والبوادي، يمكن أن يعجبوا بأفكار ابن خلدون في كل المسائل المطروحة إلا ارتباط التحضر بسكنى المدن، ولا سيما أنهم في قرارة أنفسهم كانوا يرون الحضارة انحلالًا أخلاقيًّا وعدوانًا على الآخرين، بفعل تحضر مهتز في المدن الإسلامية، وحداثة متعجرفة وغازية في الغرب.

لهذه الأسباب فضّل الكتّاب العرب استعمال كلمة مدنية التي انتشرت بسرعة في القرن التاسع عشر، لكنها تراجعت في حدود الثلث الأول من القرن العشرين، واستبدلت بها كلمة «حضارة» التي أصبحت الطاغية، بل كادت كلمة مدنية تختفي من الاستعمال العام. وقد اختار عادل زعيتر هذه الكلمة ليعرّب، سنة 1945م، كتاب غوستاف لوبون «حضارة العرب» (صدر بالفرنسية سنة 1884م) الذي كان له أثر كبير في توجيه الاستعمال العربي الحديث لمفهوم الحضارة. واستمر هذا الوضع إلى اليوم؛ إذ تستعمل كلمة حضارة بكثافة للتعبير عن معانٍ مختلفة: الحضارة العربية، الحضارة الإسلامية، الحضارة الغربية، صدام الحضارات، حوار الحضارات، تحالف الحضارات، تهديد الحضارة،… إلخ.

والمهم أن نتبين أن العرب، ابتداءً من القرن التاسع عشر، أصبحوا يستعملون كلمة «مدنية» و«حضارة» من خلال مرجعيتين مختلفتين: المرجعية التراثية القديمة والمرجعية الغربية الوافدة. فمن الضروري حينئذ أن نتبين تطور معنى كلمة حضارة في الفكر الغربي لنفهم تأثيراتها في التداول العربي.

«الحضارة» في التداول الغربي

ذكرنا أن كلمة حضارة في العربية سابقة في مبناها على مقابلاتها في اللغات الأوربية (Civilization/ civilisation) لكنها في الاستعمال الحديث متأثرة بالتطور الأوربي لمعنى الكلمة. فما موجهات هذا التطور؟ لم تظهر كلمة «حضارة» في الغرب إلا في حقبة متأخرة. لقد انكب المؤرخ الكبير لوسيان فابر، أحد مؤسسي التاريخ الجديد أو ما يعرف بمدرسة الحوليات، على دراسة هذا الموضوع، ونشر بمعية آخرين كتابًا مرجعيًّا عنوانه «حضارة: الكلمة والمفهوم»(٥). انتهى فيه إلى تحديد ميلاد الكلمة بسنة 1766م، وتدارك آخرون عمله واقترحوا تواريخ أخرى قريبة. ذهب بعضهم إلى أن الكلمة استعملت أولًا لدى بعض رجال الاقتصاد الإنجليز، وأثبت آخرون أن الكاتب الفرنسي فيكتور ريكوتي (Victor Riquetti) المشهور بالماركيز دي ميرابو De Mirabeau (1715- 1789م) هو أول من استعمل هذه الكلمة في مصنف بعنوان «صديق الإنسان»، وذلك سنة 1756م، وهذا هو التاريخ الذي احتفظ به المعجم المرجعي للغة الفرنسية «لي روبارت».

نرى أن الاختلافات طفيفة، لكن المؤكد أن هذه الكلمة استعملت في سياق فلسفة الأنوار، وقد كان ميرابو صديقا لمونتسكيو وروسو، وعدّ مصنفه المذكور ضمن الكتابات التنويرية في ذلك العصر. وانتشرت الكلمة التي اقترحها انتشار النار في الهشيم؛ لأنها كانت تعبر عن حاجة ملحّة. كان هناك إحساس في أوربا بأن عالمًا جديدًا ينشأ مع فكر الأنوار والثورة الصناعية والثورات السياسية في إنجلترا وأميركا وفرنسا، يبشّر بحضارة جديدة تعوض النظام الأوربي القديم وتستبدل أركانه الأساسية مثل الإقطاع والكنيسة والحكم الفردي.

ولم يعد الدين العنصر المحدّد في هذا الشعور بالتفوق، بل الفكر الجديد والفن والصناعات، أو ما ندعوه اليوم عمومًا بالحداثة. ولقد تطورت هذه الفكرة وتبلورت بأكثر قوة في القرن التاسع عشر وانتشرت انتشارًا كبيرًا، وهذا المعنى هو الذي دافع عنه مثلًا الكاتب البريطاني المشهور ستيورات ميل في مصنف عنوانه «الحضارة» (Civilization : 1836)، فقد عرفها بأنها المقابل للتوحش.

وطبعًا، لم يحصل هذا التطور إلا بصورة بطيئة ومتدرجة، وكأنه احتفظ من المسيحية بالفكرة التطورية وبالوظيفة الرسالية وإلى حدّ ما، بالروح الخلاصية. يمثل تيار السانسيمونية مثالًا بارزًا على هذا المنحى، وكان تأثيره في العالم العربي كبيرًا. لقد ذهب مؤسسه كلود هنري دي روفروي الملقب بالكونت دي سان سيمون (1760- 1825م) إلى أن البشرية تودّع المجتمع القديم لتدخل في عصر جديد، العصر الصناعي، وأنّ على المثقفين أمثاله أن يشرحوا للبشر جميعًا مبادئ الصناعة والعلوم الحديثة وينشروا بينهم فكر الأنوار وقيم الحرية والعدل والأخوة كي يستفيدوا جميعًا من هذا الانتقال الحضاري الهائل. وقد كتب في السنة الأخيرة من حياته كتابًا عنوانه «المسيحية الجديدة»، قرئ قراءات مختلفة (هل قصد استبدالها بفلسفة الأنوار أم تجديدها حسب مقتضيات هذا العصر؟).

ولقد ساهمت هذه الحركة في نشر اللبنات الأولى والمبكّرة لمفهوم الحضارة في العالم العربي؛ إذ إن محمد علي لما بدأ إصلاحاته المشهورة في مصر، قرّب أتباع هذا التيار من المهندسين واعتمد عليهم، وقد استفادت منهم مصر في مشاريع مهمة، مثل إنشاء شبكة سكك حديدية وإطلاق مشروع شقّ قناة السويس. كان هذا التيار يشبه في تنظيمه الأخويات المسيحية القديمة، مثل الدومينيك والفرنسيسكان، الذين بدؤوا يدخلون مصر والعالم العربي في الحقبة نفسها، لكن دعوات السانسيمونيين كانت حضارية لا دينية. وكانوا يؤمنون بما ندعوه اليوم بحوار الحضارات ويرون أن العالم سيتوحد في حضارة واحدة هي الحضارة الصناعية التي ستوفر الرخاء لكلّ البشر فيعيشون كالإخوة في الأسرة الواحدة.

لكن الأفكار والأحلام الإنسانية السانسيمونية سرعان ما تبدّدت أمام المشاريع الاستعمارية المباشرة، وقد جاءت هي أيضًا تزعم أنها تنشر الحضارة والعمران (كلمة استعمار في الأصل كلمة ذات مدلول إيجابي، تعني نشر العمران). ومن هنا، بدأ المفهوم يدخل مرحلة اضطرابات معقّدة؛ إذ تداخلت قضايا فكرية وتاريخية بمواقف سياسية توسعية وإرادات للتسلط والهيمنة. ونحتاج اليوم، ونحن ندعو إلى حوار الحضارات بدل صدامها، إلى تدقيق المفهوم كي لا يبقى عامل تفريق بين البشر وتلاعب من جانب المشاريع السياسوية الضيقة.

«الحضارة»: عقدة التفوّق ومشاريع الهيمنة

أغلب الشعوب قديمًا وحديثًا، تنحو إلى الإيمان بتفوقها عندما تكون في وضع قوة وازدهار. فالغرب ليس الوحيد الذي عانى عقدةَ التفوقِ في تاريخه وجزئيًّا في حاضره. لقد شعر اليونان بالتفوق على جيرانهم الفرس عندما كانوا منتصرين في الحروب ضدهم ومزهوّين بتقدمهم العلمي. وكان الرومان يطلقون على جيرانهم لقب المتوحشين عندما أنشؤوا إمبراطورية شاسعة كانت تمثل القوة الكبرى في ذلك العصر. ولم يكن المسيحيون وحدهم الذين وضعوا ديانتهم فوق كل الديانات وعدُّوها الأرقى. لقد عبّر العرب أيضًا في السابق، عندما كانوا في عصور القوة، على تفوقهم اللغوي والعرقي والحضاري والديني. أطلقوا على من يستعمل غير اللغة العربية «أعجميًّا» ومعناه صاحب الكلام غير المفهوم، وهي عبارة تطلق أيضًا على الحيوان («العجماوات»). وآمنوا بتفوق المسلمين على أتباع كل الديانات الأخرى. وكانوا يرون ذلك طبيعيًّا، ولم يترددوا في استعمال عبارات التحقير والتهجين للحديث عن الآخر ووصف عاداته ومعتقداته(٦). لكن القضية تأخذ في العصر الحاضر أبعادًا أكثر خطورة، بحكم تقدم وسائل الهيمنة وتطور أدوات الصراع، بما يدعو إلى ضرورة الحدّ من احتمالات التصادم الناتج عن سوء استعمال كلمة حضارة.

وعلى عكس التيارات المثالية التي كانت تحلم بنشر الحضارة الحديثة بين كل البشر ليستفيد منها كل إنسان، اتجهت المشاريع الاستعمارية نحو الهيمنة على البشر بدعوى نشر الحضارة بينهم. ومن المفارقات أن هذا التوجه لم يقتصر على المفكرين العضويين للحضارة الصناعية بل شمل أيضًا أكبر نقادها. فكارل ماركس مثلًا سخّر حياته لمقاومة الرأسمالية وكشف آليات عملها وتزييفها للوعي، لكنه برّر استعمار الجزائر والهند بدعوى أنه الثمن الضروري لتحضر تلك الشعوب. وبالمثل، دافع ألكسيس دي توكفيل في كتابه «الديمقراطية في أميركا» على نظرة متوازنة بين الدين والحضارة الجديدة، لكنه أقصى الإسلام من إمكانية هذا التوازن بدعوى أنه مناقض لأسس هذه الحضارة.

تجسّدت عقدة التفوق في نظريات عنصرية أيضًا، وهذا موضوع يحتاج إلى بعض التفصيل. لقد راجت مقولة العرق منذ منتصف القرن التاسع عشر، وعُدَّت في حقبة ما حقيقية علمية؛ ذلك أنها ارتبطت بتطوّر علم اللسانيات المقارنة وعلم الأعراق أو الإثنولوجيا، وبدا بديهيًّا للكثيرين آنذاك أنه توجد عقلية بدائية وعقلية متطورة، وعرق آري يضم الهنود والأوربيين، وعرق سامي يضم اليهود والعرب. ثم تحولت هذه التقسيمات إلى أيديولوجيات سياسية، فاشية ونازية واستعمارية ومضادة للسامية، وكانت وراء عمليات الإبادة الفظيعة التي ارتكبها الفاشيون والنازيون ضدّ مجموعات بشرية معينة.

في ظل سيطرة المقولة العرقية، امتزجت فكرة الحضارة بفكرة العرق. وفي هذه الظرفية بالذات، بدأ التلاقح بين الثقافة الغربية وثقافة الشعوب الأخرى، بما جعل هذا الامتزاج مؤثرًا في تحديد مفهوم الحضارة. هذا أمر يدركه جيدًا المتخصصون في الفكر العربي في القرن التاسع عشر، فهم يعرفون مثلًا كم كانت أفكار أرنست رينان (1823- 1892م)، حول التقابل بين الآرية والسامية، وأفكار غوستاف لوبون (1841- 1931م)، حول الاختلاف البنيوي بين الحضارات، مؤثرة في تشكل المفهوم العربي الحديث للحضارة.

وهنا لا بدّ من تقسيم العنصرية إلى قسمين: عنصرية توسعية ترى أن العرق الأعلى ينبغي أن يسيطر على الأعراق الأدنى ويتولّى تمدينها وتحضيرها، وهذا ما قاله رينان مثلًا في محاضرته المشهورة عن «الإسلام والعلم» التي ألقاها سنة 1883م(٧). وعنصرية «نقوية» تؤمن بأنّ العرق الأرقى ينبغي أن يتعايش مع الآخرين دون الاختلاط بهم أو محاولة السيطرة عليهم. لذلك كانت هذه العنصرية مناوئة بقوة للحركة الاستعمارية لأنها تؤدّي إلى الاختلاط العرقي وتدنيس الحضارة الغربية. وليس من المصادفة أنّ إيطاليا وألمانيا، حيث ظهرت الفاشية والنازية، لم تكن بلدانًا استعمارية كبرى، بالمقارنة بفرنسا وإنجلترا حيث كانت نظرية الحضارة الكونية من جهة، والعنصرية التوسعية من جهة أخرى، أقوى حضورًا.

من هنا كان من أكبر المفارقات أن النظرية العنصرية بالمعنى الثاني هي التي ساهمت إلى حد كبير في نشأة المفهوم الجديد للحضارة في الفكر العربي (وفي ثقافات أخرى عدة كانت تعاني الاستعمارَ). فغوستاف لوبون، وقد كان عنصريًّا إلى النخاع، هو الذي أبهر العرب بكتابه «حضارة العرب» وبمواقفه المناوئة للاستعمار. وقد ترجمت كل كتبه تقريبًا إلى اللغة العربية. وفي كتاب «حضارة العرب» الصادر سنة 1883م، قدّم لوبون دراسة تأليفية جامعة ورائعة، فصّلت بدقة علمية ثراء الحضارة العربية وعظمتها. وقد كتب كتابين آخرين، عنوان الأول «حضارة الهند» (صدر سنة 1886) والثاني «الحضارات الأولى» (1889م)، يتجهان أيضًا في ذات الاتجاه. لقد كانت ثلاثتها ردًّا على الأيديولوجيا الاستعمارية التي استعمرت الشعوب «البدائية» في أميركا وأستراليا واستعمرت الهند والعالم العربي بتعلة نشر الحضارة، وكان هذا الردّ قائمًا على إثبات امتلاك هذه الشعوب لحضارتها الذاتية. وكان غوستاف لوبون، مع ذلك، يؤمن بتفوق العرق الآري والحضارة الغربية ومتعاطفًا مع الفاشية حتى إنه كان من الكتاب المفضلين لدى زعيمها موسوليني.

في الواقع، إن هذا التوجه لمعارضة التوسع بحجة المحافظة على التفوق هو توجه مستمر إلى اليوم وإن تخلص من المقولة العرقية. فكتاب صمويل هنتغنتون «صدام الحضارات» (صدر سنة 1996م) لم يقرأ في الغالب قراءة سليمة. لقد ظن كثيرون أنه دعا إلى أن يحارب الغرب الحضارات الأخرى، لكنه في الحقيقة كان يدعو إلى أن ينأى الغرب بنفسه عن الحضارات الأخرى؛ كي لا يفقد تفوقه. فمن وجهة نظر هنتغنتون، يمثل العلم والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان قيم الحضارة الغربية التي لا يمكن أن تصبح مقبولة لدى حضارات أخرى، مثل الإسلام والصين؛ لذلك حذّر من صدام الحضارات إذا ما أصرّ الغرب على فرض قيمه على الآخرين. وفي المحصلة، إن نظريته تستتبع أيضًا أن الحضارات غير الغربية حضارات غير متلائمة مع العلم والحرية وحقوق الإنسان. لقد استبدل هنتغنتون بمفهوم العرق مفهوم الحضارة، وخلط خلطًا متعسفًا بين الحضارة والدين، كي تستقيم له نظريته.

صدام الحضارات والصدام داخل الحضارات

رأينا أن النظرية العنصرية في الحضارة تنقسم إلى صيغتين؛ صيغة توسعية وصيغة نقوية، وإن الظرفية الاستعمارية جعلت العرب والهنود وغيرهم من الشعوب المستعمرة يرحبون بالصيغة النقوية ويعيدون توظيفها لصالحهم، نسفًا لفكرة غياب الحضارة لديهم وحاجتهم إلى الحضارة الغربية، وتمسكًا بما أصبح يدعى في القرن العشرين «الأصالة». لقد اقتبسوا من الغرب مفهوم الحضارة الذي يعني القواسم المشتركة، لا بين البشر ككلّ، ولكن بين مجموعة بشرية محدّدة. فغيّروا مجرى التوظيف الأيديولوجي للمفهوم. ففي حين استعمل بعض الغربيين الحضارة لتبرير الاستعمار والهيمنة، فإن الشعوب المستعمرة حولته ليصبح مستندًا قويًّا لحركات التحرّر من الاستعمار ووظفته توظيفًا قوميًّا (مع العلم أن القومية ذاتها مفهوم غربي في الأساس وظف بدوره لمقاومة الاستعمار الغربي).

ولقد كان لكتاب «حضارة العرب» لغوستاف لوبون دور كبير في عملية التحويل هذه، إضافة إلى أن الشيخ محمد عبده أصرّ، وهو يحمل لقب مفتي مصر، على أن يذهب بنفسه ليشكر لوبون على كتابه. ولعلنا نتوقف هنا على حادثة طريفة. فالشيخ عبده كان رجلًا شرقيًّا متعوّدًا على أن تحصل الزيارات من دون مواعيد مسبقة؛ لذلك لم يتسنّ له لقاء لوبون بعد أن تجشّم عناء التنقل إلى بيته البعيد من باريس. هنا تبرز أيضًا الفوارق الحضارية: هل تحديد الزيارات بمواعيد مسبقة هي خاصة الحضارة الغربية أم يمكن أن تتحوّل إلى سلوك كوني للإنسان بحكم الطبيعة المعقدة للحياة الحديثة؟

حقّق هذا التوظيف القومي للمفهوم فائدة متأكدة في حقبة مقاومة الاستعمار، لكنه طرح بعد ذلك، وإلى اليوم، مشكلات عويصة نكتفي بالإشارة السريعة إلى بعضٍ منها. إذا افترضنا وجود قواسم مشتركة بين مجموعة بشرية معينة، فهل سنتحدث عن حضارة عربية، كما فعل لوبون، وكما اختار عادل زعيتر عندما نشر الكتاب معربًا سنة 1945م، أم نفضّل حضارة إسلامية، كما فعل الإيرانيون عندما ترجموا إلى الفارسية كتاب لوبون (ترجمه إلى الفارسية محمد تقي فهرادي سنة 1935م)؟ فاختيار كلمة عربية قد يفهم منه تهميش مساهمات غير العرب، أي أنه يستبطن نظرة عرقية للحضارةأما اختيار كلمة إسلامية فقد يفهم منه تهميش مساهمات غير المسلمين وما اقتبسه المسلمون عن الحضارات الأخرى، أي أنه يستبطن نظرة دينية للحضارة. بذلك يكون الخطاب القومي حول الحضارة قد ارتطم بالصعوبات ذاتها التي وقع فيها الخطاب الغربي.

ثم ماذا يفعل المصريون بالتراث الفرعوني والأهرامات، والعراقيون بالتراث البابلي والسومري، والتونسيون بقرطاج والقائد العظيم حنبعل، هل هو جزء من حضارتهم؟ إذا عددناه كذلك فلا يصحّ عليه صفة العروبة ولا صفة الإسلام بما أنه سابق على كليهما. وإذا لم نعدّه كذلك ألغينا جزءًا مهمًّا من الذاكرة القومية ومن التراث الحضاري التليد.

ليست المسألة مجرّد مماحكات فكرية وترف مثقفين، فهي في الحقيقة قد تسببت في مآسٍ كبرى، مثل قمع الأقليات الدينية والعرقية واللغوية، وصعود حركات التطرف الديني أو ما يدعى اليوم بالإسلام السياسي. فقد اعتمدت هذه الحركات على تحديد ديني للحضارة لتطالب بتطبيق ما تراه التفسير الصحيح للدين. وتحولت القومية ذاتها إلى مشروع توسعي، فغُزِيَت الكويت مثلًا سنة 1990م بتبرير من فكرة الوحدة القومية العربية. وباسم الحضارة الإسلامية، تنشر إيران اليوم أيديولوجيا سياسية توسعية تقوم على إبعاد الحضور الغربي من موطن الحضارة الإسلامية بوصفه حضورًا غريبًا عن هذه الحضارة؛ كي يخلو لها السياق للهيمنة على الشعوب التي تشاركها في الانتماء لهذه الحضارة. وباختصار، فإن الصدام الحقيقي اليوم لم يعد بين الحضارة الغربية والحضارات الأخرى بقدر ما أصبح صدامًا داخل كل حضارة. وهذا أمر بارز للعيان في الشرق الأوسط خاصة، لكنه ينسحب أيضًا، وإن بدرجة أقل، على الحضارة الهندية وحضارات أميركا اللاتينية.

لا تتوقف المخاطر عند هذا الحدّ، بل يوجد ما يمكن أن يكون أعظم منها على المدى البعيد. فدعوى وجود حضارة «قومية» منفصلة عن الحضارة الكونية يمكن أن يوظف أيضًا باتجاه الانغلاق على المكتسبات الإنسانية المادية ثم خاصة الفكرية، مثل مكتسبات العلوم أو التجارب العالمية في تنظيم الدولة أو المبادئ الكونية لحقوق الإنسان وغير ذلك. من جهة أخرى، كثيرًا ما استعمل مفهوم الحضارة في تناقض مع مفهوم الوطنية، و«الأمة» في تناقض مع مفهوم الوطن. فالأمة، العربية أو الإسلامية، معرّفة تعريفًا حضاريًّا غائمًا، كانت عاملًا رئيسًا في إضعاف الدولة الوطنية التي ظلت في وضع «الدولة العالقة»(8)؛ لأنه ينظر إليها كمرحلة انتقالية مؤقتة في انتظار تحقق الوحدة العربية من وجهة نظر بعضٍ، أو الخلافة الإسلامية من وجهة نظر بعضٍ آخر. لذلك نجد مراجع كثيرة في الحديث عن الحضارة العربية أو الإسلامية لكن من النادر أن نجد مراجع تتحدث عن حضارة كل بلد عربي وإسلامي على حدة.

مفهوم الحضارة: ضرورة التحديد والتجديد

من الضروري حينئذ، أمام التوظيفات الخطيرة لمفهوم الحضارة، أن نسعى إلى تحديد المفهوم وضبطه، وأن نتخلص من عقد التفوّق بمختلف أصنافها، ومن مشكلات الحقبة الاستعمارية أيضًا وسياقاتها. نحتاج اليوم إلى إرساء مفهوم جامع يتسم بالموضوعية والعملية في آن واحد، متخلصًا من الشحنات الأيديولوجية العنيفة، سواء أكانت صريحة أم مضمرة، شعورية أم غير شعورية.

لا بد من الإقرار أولًا بأن هناك حضارة كونية جامعة، اشتركت البشرية في تشييدها على مدى عشرات القرون، وليست ملكًا لطرف دون آخر. لقد كان ابن خلدون محقًّا عندما فصل تاريخ الدول عن تاريخ الحضارة، مشيرًا إلى أن تطور الحضارة لا يرتبط بمصير الدول والأعراق أو الأديان التي تشكلها. بعبارة حديثة، ميّز ابن خلدون بين المدى القصير والمدى الطويل في التاريخ، فالحضارة هي مدى طويل. وهذه المعاينة تصح على الحضارة المادية، كما كان يقصد ابن خلدون، أي البناءات والمعالم وغيرها، وتصح أيضًا على المكتسبات الفكرية. فلولا الأبجدية الفينيقية لما تطورت اللغات، ولولا تطور اللغات لما تطور الفكر. ولولا اكتشاف النار وتدجين الحيوان لما انتقل الإنسان إلى العصر الزراعي، ولولا العصر الزراعي لما ظهر العصر الصناعي ثم العصر الرقمي الذي نعيشه الآن.

لقد تطورت كل العلوم على مدى طويل جدًّا، فلولا أرسطو لما وجد ابن رشد، ولولا ابن رشد لما وجد كوبرنيكوس، ولولا كوبرنيكوس لما وطئت أقدام الإنسان سطح القمر. إن الباحثين في تاريخ العلوم وفي تاريخ الأديان يسلمون بهذا المعطى أكثر من الباحثين في التاريخ السياسي والاجتماعي لأنهم متعودون بالعمل على زمن طويل جدًّا. والحضارة هي الزمن الطويل الذي استغرقه الإنسان ليصل إلى ما هو عليه اليوم. وخصائص الإنسانية مشتركة بين جميع البشر في كل الأزمنة والأمكنة وهي التي تميّز الإنسان من الحيوان، وتتمثل في الانتصاب على القدمين وتجاوز حجم المخ في الجمجمة 1200 سم3 والقدرة على الترميز واستعمال اللغة. هذه الحقائق ثابتة علميًّا، ومن المسلم به أن أذكى حيوان لا يبلغ حجم مخه حجم المخ لدى أغبى الأغبياء من بني الإنسان، وأنه توجد أنظمة تواصلية بين الحيوانات لكن لا توجد لغات حيوانية.

ولا معنى للقول: إن «رغيف الخبز وإناء الفخار مقياسان أصدق للتقدم الحق من الوصول إلى القمر والعودة بقطع من حجارته؛ لأن رغيف الخبز نعمة لا يتأتى منها إلا الخير، وإناء الفخار اختراع أدخل على حياة الإنسان تيسيرًا بعيد المدى، وكلاهما نقطة تحول في تاريخ الإنسان. أما الأهرام أو قصور فرساي أو ناطحات السحاب أو مركبات القمر فماذا تعني؟»(9)، فهذا القول مردود من نواح عدّة.

أولًا– إن رغيف الخبز ظهر عندما اكتشف الإنسان النار واخترع الحجارة المصقولة، ومنذ اللحظة الأولى التي استعمل فيها الحجارة للطحن والنار للطبخ، فإنه قد استعملهما أيضًا للحرب، بل لا شيء يسمح بأن نفترض أنه اكتشف النار واخترع صقل الحجارة لصناعة الرغيف ثم استعملهما للحرب، من الممكن جدًّا أن يكون الترتيب عكسيًّا وأن الحاجة إلى حماية نفسه كانت سابقة على الحاجة لصناعة الرغيف.

ثانيًا– لو اكتفى الإنسان بالحاجيات من دون الكماليات لَمَا تطورت الحضارة، ولظل الإنسان على عاداته الأولى مثل الحيوانات التي لم تغيّر على مدى التاريخ طرق أكلها أو عيشها؛ فالكمالي هو الذي يحدّد خاصة الإنسانية.

الأهرامات أو قصر فرساي تظل إلى اليوم عنوان هذه المغامرة الإنسانية الرائعة، أما أكل الرغيف، على أهميته، فلا يميّز الإنسان من الحيوان. صحيح أن بناء الأهرامات مثلًا حصل على حساب آلاف من العبيد ماتوا تحت الأنقاض، وأن الأهرامات في ذاتها ليس لها نفع إلا للفراعنة، لكنها ساعدت في تطوير تقنيات البناء التي استفاد منها لاحقًا الجميع. وساهمت أيضًا في شعور العبيد بأنهم بشر وأن عليهم أن يتحرّروا من العبودية، فنشأت بذلك فكرة الكرامة الإنسانية والمساواة بين البشر، إذ يرجّح المؤرخون أن العبيد الذين سخّرهم الفراعنة لبناء الأهرامات هم اليهود الذين خرجوا من مصر بقيادة النبي موسى وتحدّوا الفرعون وعبدوا الإله السماوي بدل عبادته.

لكن هذا الاشتراك البشري في حضارة جامعة لا يلغي حقيقة التنوع والتعدّد في المسارات الحضارية؛ لأن التاريخ لا يسير على خط واحد، ولا يوجد علاقة مباشرة بين الشخص الذي اكتشف النار والشخص الذي اخترع الصاروخ، ولا المجموعة البشرية التي كانت أول من عرف الصفر والمجموعة البشرية التي كانت أول من اخترع الإنترنت. وفكرة هيغل القائلةإن التاريخ يبدأ من الشرق ليحط به الرحال في الغرب فكرة سخيفة، فلا يوجد لا مركز واحد للحضارة ولا مستقر ونهاية لها. وها هو مركز العالم يتحول اليوم إلى اليابان والصين والنمور الآسيوية ولم يعد لأوربا الدور الأكبر فيه، مثلما بدأت الحضارات الكبرى سابقًا في الشرق الأوسط ثم اتجهت نحو الأفول. فلا وجود لنهاية للتاريخ، لا بالمعنى الذي قرّره هيغل في فلسفته للتاريخ، ولا بالمعنى النيوليبرالي الذي دافع عنه حديثًا فرانسيس فوكوياما في كتابه المشهور «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الصادر سنة 1992م. ولا نحتاج إلى أن نختار بين نظرية فوكوياما في «نهاية التاريخ» ونظرية هنتغنتون في «صدام الحضارات»، فهما يجتمعان معًا على الخطأ في قراءة التاريخ والحاضر والمستقبل(10).

الحضارة والدين

لنعد إلى ميرابو وقد ذكرنا أنه أول كاتب غربي يستعمل كلمة حضارة. يوجد أمر مثير للتعجب هو أن العديد من الباحثين سارعوا إلى استنتاج أن الكلمة قد نشأت مع الثورة الفرنسية، لتكون البديل عن الدين الذي ثار عليه الفرنسيون مع ثورتهم على النظام الاستبدادي، بحكم العلاقة الخاصة التي كانت تجمع الملكية والكنيسة في فرنسا. والحقيقة أن هذا بعض ما حصل لاحقًا، كما ذكرنا، لكن لا علاقة لميرابو به. فالعديد من الباحثين ظن أن المقصود بميرابو الثائر الفرنسي المشهور الذي كان أحد أعلام الثورة الفرنسية(11)، والحال أن أول من استعمل الكلمة هو أبوه الذي كان يكرهه كرهًا شديدًا، ولا علاقة له بالثورة الفرنسية فقد توفي قبل انتصارها بأيام (توفي يوم 11/ 07/ 1789م). صحيح أنه كان كاتبًا تنويريًّا وصديقًا لمونتسكيو وجان جاك روسو، لكنه كان أيضًا من كبار النبلاء وشخصًا متدينًا على الطريقة التقليدية. ولم يكن يدور في خَلَدِهِ فكرة إقصاء الدين من مجال الحضارة، بل بالعكس، تحدث في كتابه «صديق الإنسان» عن الدين عنصرًا من عناصر تهذيب الجنس البشري وقادحًا لتطور الحضارة(12).

لم يكن كل فلاسفة التنوير معارضين للدين، وإن كان أغلبهم معارضًا للكنيسة أو ناقدًا لها لأنها ساهمت في تكريس الأفكار القديمة وتقديسها ومنع التجديد والإبداع. على سبيل المثال، رسم المستنير الألماني الكبير ليسنغ في مسرحيته المشهورة «ناتهان الحكيم» المنشورة سنة 1779م، مثالًا للتسامح المنشود وجعل أحد أبطاله صلاح الدين الأيوبي. وقد مثل السلام بين الأديان، اليهودية والمسيحية والإسلام، طموحه الأكبر. وهو موقف مختلف عن فولتير مثلًا صاحب المقولة الشهيرة «اقضوا على هذا الوحش» (يقصد الكنيسة) وصاحب مسرحية «محمد» التي استعار فيها شخصية نبي الإسلام ليهاجم بابا الكاثوليك، وقد تفطنت الكنيسة لحيلته فمنعت المسرحية من العرض. من المرجح أنه كان سيغير رأيه لو عاش في القرن العشرين ورأى أن الحروب لم تعد دينية فقط، فالحرب العالمية الأولى أسفرت عن عشرين مليون ضحية، والحرب العالمية الثانية عن خمسين مليون ضحية، ولم يكن للدين علاقة لا بالأولى ولا بالثانية، بل كانت حروبًا قومية واستعمارية لتقاسم العالم.

بعد القرن الثامن عشر، قرن الأنوار، تدعم مفهوم الحضارة باكتشاف الأوربيين للحضارات الكبرى، الهندية والصينية والإسلامية، وفك شفرات لغات الحضارات الأقدم في التاريخ، مثل السنسكريتية والهيروغليفية والمسمارية. وفي هذا السياق، سياق القرن التاسع عشر، اكتشف الأوربيون «الإنسان البدائي» بفضل البعثات الإثنولوجية في المناطق المعزولة عن العالم، وسط أدغال أميركا وأستراليا. وهناك نتيجة بدت مشتركة من كل هذه الاكتشافات، وهي الحضور القوي للدين في كل الحضارات البشرية، القديمة ومنها والأقل قدمًا، فالدين كان الصانع الأول للإنسان.

لقد اضطلعت الأديان بأدوار تأسيسية في الحضارة الإنسانية، وذلك عبر ترسيخ قيمة الأخلاق، وإن كان مضمون الأخلاق متغيرًا حسب العصور والثقافات. واضطلعت بدور حاسم في تميز المجموعات البشرية وتقوية التضامن بين أفرادها، وتعني كلمة دين باللاتينية التجميع والارتباط (religare/ religio)، وإن ترتب على هذا التضامن أحيانًا شعور بالعدوانية تجاه المجموعات الأخرى. وتواصل الثقافات الحديثة، عن شعور أو بطريقة لا شعورية، الكثير من بنياتها الدينية القديمة، وقد رأينا كيف تَعَلْمَنَتْ كلمة حضارة مع السانسيمونيين لتواصل سمات المسيحية في صياغة حديثة. ويمكن أن نذكر أيضًا الأيديولوجيات الخلاصية مثل الماركسية التي عوّضت الملكوت الإلهي (الفردوس) بالمرحلة الاشتراكية التي تحقق للبشر كل مطالبهم وتمنحهم الحرية والعدل والسلام.

مقترحات على سبيل الخاتمة

الحضارة هي تراكم التطور البشري الذي لا يحمل بالضرورة معنى الأفضلية، ولا يحصل على مسار واحد. وهي أيضًا مجموع المميزات التي تحدّد اختلافات مجموعة معينة عن أخرى في مسارها في هذا التطوّر، مثل الدين واللغة والعادات. وهذه المميزات تتشكل على المدى الطويل ويمكن أن تتغير أيضًا على المدى الطويل. ويمكن أن نقصر كلمة حضارة على المعنى الأول ونطلق على هذا المعنى الثاني كلمة ثقافة. والدين أحد العوامل المؤسسة والفاعلة في الحضارة، وفي تميز الحضارات والثقافات بعضها من بعض، وقد يرتبط بالمجموعة التي تميزت به (الديانات القومية والعرقيةأو يتضمن منحى كونيًّا (الديانات الرسالية أو الدعوية).

وتشترك الحضارة والثقافة، أو الحضارة بالمعنى الأول والمعنى الثاني، في صفة الجماعية. فهما إنتاج جمعي في كل الحالات. وكذلك الدين هو ظاهرة جماعية، ولئن ارتبط بشخصيات تأسيسية أو نموذجية فإنه يميّز المجموعة التي تدين به بعقائد وطقوس مشتركةأما الإنتاج الفردي فهو الفكر. فنقول مثلًا الفكر الفلسفي لأنه من إنتاج أشخاص محدّدين. أو ننسب الفكر لشخص بعينه فنقول مثلًا الفكر السياسي لهيغل.

وقد انتشر في الخطاب العربي منذ سبعينيات القرن العشرين استعمال كلمة تراث. وقد أشار الجابري، وهو من أشهر العاملين في حقله، إلى أن الكلمة لا تجد لها مقابلات دقيقة في اللغات الأخرى. وميّز بين الموروث والتراث، وعرّف التراث بأنه الجزء الذي يظلّ فاعلًا في الحاضر، لكنه سمح لنفسه بأن يختار ما ينبغي أن يكون فاعلًا ومتواصلًا(13). فإذا أخذنا التراث بالمعنى الأول، أي ما ظل حاضرًا بذاته، فإنه يكون مرادفًا لكلمة ثقافة. وإذا ما أخذناه بالمعنى الثاني، أي ما يراد له أن يكون حاضرًا، فإنه يكون مرادفًا لكلمة فكر. وعليه، لم تعد لكلمة تراث فائدة. وقد استعملت أيضًا كلمة «عقل» في المعنى ذاته (نقد العقل العربي لدى الجابري، نقد العقل الإسلامي لدى أركون)، وهي ترادف أيضًا كلمة ثقافة. ويمكن أيضًا الاستغناء عنها. فالدراسات التراثية هي جزء مما يطلق عليه بالدراسات الحضارية أو الثقافية.

نرى هذا التحديد التكاملي كفيلًا بأن يوفّر أدوات الضبط المنهجي لمصطلحات ومفاهيم ظلت تستعمل بطرق مضطربة وتستبطن كثيرًا من المسلمات، بعضها يؤدّي إلى سوء الفهم وتأجيج الصراع، وبعضها يستعمل للمغالطة والهيمنة أو الانغلاق والتعصب.


هوامش:

(١) ابن خلدون (عبد الرحمن)، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، الكتاب الأول: المقدمة، تحقيق إبراهيم شبوح، تونس، الدار العربية للكتاب، 2006م، ج 1، ص 67.

(٢) المرجع الساق، ص 218.

(٣) المرجع السابق، ص 221.

(٤) المرجع السابق، ص 291.

(5) Febvre (Lucien) et autres, Civilisation : Le mot et l’idée. Paris, la Renaissance du livre, 1930.

(٦) يراجع كتاب: العظمة (عزيز)، العرب والبرابرة، المسلمون والحضارات الأخرى. بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 1991م.

(٧) نشرنا النص معربًا وكاملًا لأول مرة في كتابنا: قواعد التنوير، بيروت، دار الطليعة، 2009م، ص 47- 67.

(٨) الحداد (محمد)، الدولة العالقة: مأزق المواطنة والحكم المدني في المجتمعات الإسلامية، تونس، دار التنوير، 2018م.

(٩) مؤنس (حسين)، الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، ط2، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، الكتاب 237، 1998م، ص 11 (ط 1: 1978م). وللإشارة، فإن هذا الكتاب الذي افتتحت به سلسلة كتب «عالم المعرفة» من أول الدراسات المعمقة والجيدة لمفهوم الحضارة الصادرة باللغة العربية، كما أن سلسلة كتب «عالم المعرفة» تمثل أقدم مشروع ثقافي عربي متميز يتواصل إلى اليوم، وقد صدرت ضمنه العديد من الترجمات لكتب مفيدة في موضوع الحضارة.

(١٠) يراجع فصل: ضد فوكوياما وهنتغتون معًا، من كتابنا: الدولة العالقة، مرجع مذكور، ص 255- 262.

(١١) انظر مثلًا: مازليش (بروس)، الحضارة ومضامينها، تعريب عبدالنور خرافي، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، الكتاب 412، مايو 2014م، ص 23.

(١٢) يراجع حول حياته وأعماله: Henry (Gilles) ; Mirabeau père. Paris, Tallandier, 1989.

(١٣) الجابري (محمد عابد)، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2015م.


نبوغ عربي أم إسلامي

محمد علي المحمود – كاتب سعودي

هو -في تقديري- نبوغ إسلامي؛ وليس عربيًّا؛ لأن العرب لم يسهموا -بشكل فارق- إلا في الخطوة الأولى، الخطوة غير العلمية وغير الحضارية، التي تتمثل في عَسْكَرة المجتمع العربي زَمنَ الفتوحات الأولى، من أجل وضع اللبنات الأساسية للإمبراطورية الإسلامية الكبرى التي ستكون مهمتها نشر الإسلام بالترغيب والترهيب، في عملية متعددة المستويات: واعية وغير واعية بالنسبة للفاعلين، صريحة وغير صريحة بالنسبة للفعل. وسيعمل الإسلام حينئذٍ على تشكيل وحدة مُبَاطِنة للوحدة السياسية، وستندمج فيها الغالبية الساحقة من الأعراق ذات الإرث الحضاري العريق، وسيعيد هذا الإرث الحضاري السابق تشكيلَ الإسلام ذاته؛ ليصبح أفقًا تواصليًّا لأبناء الإمبراطورية الناشئة، وبالتالي فضاءً للإبداع العلمي والحضاري.

إذن، «عربية الإسلام» لا دور لها في المنجز الإبداعي الحضاري، بل ربما كان دورها في الاتجاه المضاد الذي تَمثَّل في «التيار النقلي»، حيث التمسك بالمستويات الدنيا للتعقل الديني، أي حيث الأثري الفوضوي والحشوي، خالقًا منها «وَعْيًا عامًّا»، وَعْيًا دينيًّا أحاديًّا. لكن، ومع دِينِيّته الخالصة؛ يُرَاد له أن يتجاوز المجال الديني الخاص إلى كل المجالات، بوصفه «حقيقة الحقيقة»، أو «الحقيقة الشاملة المطلقة» التي لا حَقَّ وَرَاءها: نهاية تاريخ الحقيقة!

هذا الوعي العام الذي أراده التيار النقلي هو «الوعي السلفي» الذي كان يَتَمثّله أصحابه كرؤية لاهوتيّة، وكرؤية وُجُودية، وكمنهج عملي في التعامل مع الأشخاص والأشياء، مع عالم الشهادة ومع عالم الغيب. وَعْي كهذا، من الطبيعي أن يصبح الإبداع في تصوره مجرد ابتداع وضلال. ولكمال الحقيقة عنده، ولاستنفاد طاقتها على يَد مُحَرِّرِيها الأوائل/ السلف؛ يُصبح كل جهد يتجاوز فهمَ هؤلاء السلف عبثًا في أحسن الأحوال، وهَدْمًا مُتَعمَّدًا في أسوأ الأحوال.

من هنا نفهم لماذا بدأ «النبوغ الحضاري» في الزمان اللاعربي، وأيضًا، في المكان اللاعربي. في العصر الأموي العروبي، كان الجمود/ تقليد الأسلاف فضيلة، أو دعوى فضيلة يدعمها زَهْوُ الانتصار العسكري. في الحقبة العربية الخالصة/ الأموية، لم يكن ثمة إبداع. ليس هناك أي مظهر نبوغي/ حضاري؛ قبل أن تندمج الأجناس/ الأعراق الأخرى في المدى الإسلامي، قبل أن يتكلم العقل الأممي/ غير العربي بلسان عربي، ويأخذ طريقه إلى مفاصل اتخاذ القرار السياسي، قبل أن يصبح أبناء الحضارات العريقة السابقة على الإسلام هم عصب الدولة الإسلامية في دواوينها/ وزاراتها وفي مراكز الإشعاع العلمي.

حتى عندما بدأ تنافسُ مُدُنِ العلم في أرجاء الإمبراطورية العباسية يستحث الهِمَمَ لتحقيق المنجزات، لم يكن للبلاد العربية الخالصة/ جزيرة العرب أي نصيب في غير المنقول/ المرويات. فالتدوين الذي هو الخطوة الأولى للتدبّر العقلي، لم يبدأ إلا مع بداية الدولة العباسية، تلك الدولة التي لم يكن العرب عمادها، بل كانت -في جوهرها- ضد العرب، أو انقلابًا على العرب. والروح العربية الخالصة لم تكن تميل للتدوين، وابن حنبل رمز التيار النقلي كان يُعَبِّر صراحة عن كراهيته لكتابة الكتب. وأشهر المؤلفات في حدود المكان العربي الخالص/ جزيرة العرب، وهو موطأ الإمام مالك، لم يكن أكثر من سرد للمنقولات الأثرية، ثم التعليق العفوي عليها، أي لم يكن كتابًا بالمعنى الحقيقي! 

حتى الإمام الشافعي «العربي» الذي وضع أسس علم أصول الفقه، لم يضع ذلك إلا بعد خروجه إلى العراق ودخوله في جدال طويل مع المتكلمين ومتعاطي الفلسفة، ومع تيار أهل الرأي (وجلهم من الأعاجم).

هذا في الشأن الديني إبان بداياته ذات الملامح العربية. وأما علوم اللغة والبلاغة (وهي الأشد خصوصية بالعرب) فسدنتها الكبار من غير العرب. ليس سيبويه وأبو علي الفارسي وابن جني والسيرافي وابن فارس…إلخ العمالقة في النحو والتصريف فحسب، وليس الجاحظ والجرجاني… إلخ الرواد الكبار في البلاغة فحسب، بل حتى العربي/ الخليل بن أحمد إنما تَخلّق في وسط علمي غير عربي، ويستحيل تصوّر الخليل قد وضع ما وضع وكتب ما كتب؛ لو لم يخرج من عُمان ويستوطن العراق.

هذا في علوم الدين وعلوم اللغة. وأما علوم العقل من فلسفة وطبيعيات، فالأغلبية الساحقة من المترجمين والمبدعين (الفارابي، وابن سينا، وأبو سيلمان المنطقي، ومسكويه، ويحيى بن عدي…) كانوا من غير العرب. وفي العموم، كانت «الروح العلمية» التي تسري في مفاصل الإمبراطورية الإسلامية روحًا غير عربية. وهذا ما لاحظه أحد أهم مؤرخي الفكر العربي/ أحمد أمين في كتابه «ظهر الإسلام» عندما ذكر تعدّد الأجناس، وقارن بينها في اهتماماتها وخصائصها، فنصّ على اهتمام الفرس بالعلم، في مقابل اهتمام العرب بالأدب والشعر، دون الفلسفة والعلم، إلا أن العرب -كما يقول أمين- يستعينون بغيرهم من الموالي في تجميل دولتهم بالفلسفة والعلم. وطبعًا، كلام ابن خلدون أشهر من أن يستعاد في هذا السياق.


الانتماء الحضاري في أبعاده الكونية.. أسئلة التعدد والاختلاف

أسامة الزكاري – باحث مغربي

ظل سؤال هوية الحضارة العربية الإسلامية مرتبطًا بقضايا مركزية في رسم معالم مرجعياتها ومنطلقاتها وروافدها وعطائها. ويعود هذا التناسل المسترسل لأسئلة تفكيك خطابات العرب الراهنة، إلى النزعة الاحتوائية المطلقة التي ظلت تختزل حصيلة عطاء هذه الحضارة في بعد عرقي ضيق يتمثل في الأصل العربي، بموازاة مع تمركز صارم وتشبث قطعي بالإحالة إلى المرجعية الدينية الإسلامية. وعلى الرغم من أن كل الآراء المهتمة بالموضوع ظلت تُجمِع على أهمية الدور الكبير الذي كان للعناصر غير العربية، مثل الفرس والأكراد والأمازيغ والهنود، في صنع عناصر النبوغ الذي ميز التراث العربي الإسلامي، فالمؤكد أن سمة التصنيف النمطي المتمركز حول يقينيات العرق والدين، ظل يؤطر كل مجالات التصنيف وحقول العطاء وخلاصات الاجتهاد.

عطاء الأقاصي

لقد أضحت هذه الخاصية تحمل عناصر التنافر غير المقبول وغير المبرر لاعتبارات متعددة، يتداخل فيها الانتماء الهوياتي مع المحددات التاريخية والإثنوغرافية التي تصنع الطابع الفرداني للهوية الحضارية للشعوب وللأمم. فعلى المستوى المجالي، ظل عطاء الأقاصي خصبًا، غزيرًا، ومتنوعًا، ومحتضنًا لمجمل المجالات الجغرافية الواسعة التي وصلها المد الإسلامي خلال فجر العصر الوسيط. وفي مجمل العلوم الدقيق، والتأملات الفلسفية، والمدونات الجغرافية، والتصانيف التاريخية، والاستيهامات الإبداعية، كانت لصيغة «العجم» دلالتها المركزية في تحنيط توهج الحضارة العربية الإسلامية. وبهذه الصفة، نجح الفاتحون في احتضان إسهامات فكرية إنسانية رائدة وتكييفها مع ضرورات الشرط التاريخي الذي فرض تصنيفًا تنميطيًّا خلق تطابقًا هلاميًّا بين الانتماء العرقي العربي والديني الإسلامي من جهة، وبين التجديد والابتكار الحضاريين بالنسبة لكل المناطق التي انتشرت فيها العقيدة الإسلامية من جهة ثانية. ففي مجالات علمية دقيقة، مثل الرياضيات والفلك والطب والفيزياء والكيمياء، وفي المجالات الرحبة للعلوم الإنسانية مثل الفلسفة والآداب وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم اللغة واللسانيات، برزت أسماء من خارج دوائر الانتماء العرقي والديني الضيق الحصري، لتقدم إسهامات نسخت هوية الأصل، وأعادت تركيب نظيمة الخلق والإبداع والعطاء بشكل اختزالي يلغي عبقرية الأمم «الأخرى» المتساكنة داخل ضفاف مجالات العالم الإسلامي الرحبة. نسوق هذه الملاحظة، ونحن نستحضر أسماءً كان لها وزنها وأثرها الفعال في إثراء رصيد الحضارة العربية الإسلامية من خارج الدوائر الهوياتية الضيقة التي أشرنا إليها آنفًا، من أمثال البيروني، وابن المقفع، وابن ميمون، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وسيبويه،…

تثير هذه الملاحظة نقاشًا مركزيًّا حول البعد التفاعلي في عطاء حضارات الأرض على اختلاف فروعها ومظانها وينابيعها. فكيف يمكن قراءة التراث الفلسفي لابن رشد -على سبيل المثال لا الحصر- من دون العودة لينابيع التفكير الفلسفي الأرسطي الإغريقي؟ وكيف نقرأ علم اللوغاريتمات التي طورها الخوارزمي من دون العودة للوقوف عند معالم النبوغ الهندي في علم الرياضيات؟ وكيف نستلهم قواعد الجبر والهندسة من دون الانفتاح على قاعدة طاليس الهندسية؟ وهل كان بمقدور الشريف الإدريسي إنجاز خريطته الشهيرة للعالم من دون النهل من مدونات بطليموس؟ وهل يمكن فهم بنية التفكير لدى المتصوفة من دون استحضار الأبعاد الروحانية العميقة للغنوصية وللتراث المسيحي الشرقي؟ وهل يمكن رسم آفاق التفكير داخل معالم «المدينة الفاضلة» للفارابي من دون القراءة المتأنية المستلهمة لتفاصيل «جمهورية أفلاطون»؟ وفي العصر الحديث، هل يمكن استيعاب الأفق الفكري والسياسي لعبدالرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد» من دون العودة للتأمل في مضامين كتاب «العقد الاجتماعي» لروسو وكتاب «روح القوانين» لمونتسكيو؟…

الهويات القاتلة

من المؤكد أن التفاعل الحضاري في إطار مبدأ الأخذ والعطاء، يظل أمرًا ثابتًا وتؤكده الابتكارات الإنسانية، قديمها وحديثها. أضف إلى ذلك، أن تطور مناهج العلوم الحديثة أضحى يبعدنا -أكثر من أي وقت مضى- من مداخل تصنيف العلوم حسب انتمائها العرقي أو الديني. فلا وجود لرياضيات عربية، ولا لرياضيات فارسية، ولا لرياضيات صينية، ولا لرياضيات سلافية،… ثمة علم للرياضيات ساهم في تطويره كل حضارات الأرض. والشيء نفسه ينطبق على باقي العلوم الأخرى…

لا يمكن أن نسمي الإبداع الحضاري باللغة المستعملة في التعبير عن المضامين، ولا بالعقيدة الدينية للمبدع، كأن نقول -مثلًا- كيمياء إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو بوذية… فكل اختزال للإبداع البشري داخل خانة هوياتية ضيقة، يشكل خنقًا له وتقزيمًا لمضامينه الإنسانية والكونية الواسعة. ولعل هذا ما دفع بمؤرخ كبير من وزن فرنان بروديل، رائد مدرسة الحوليات بفرنسا، للحديث في أطروحته العلمية، عن الحضارة المتوسطية، نسبة إلى البحر الأبيض المتوسط، بروافدها المتعددة، الإغريقية والرومانية والمصرية والفينيقية والمسيحية والإسلامية… بمعنى، أنه دافع عن الانتماء الأرحب لمجال إنساني واسع يتجاوز العقائد المحلية و«الهويات القاتلة» حسب التعبير الأثير للمفكر أمين معلوف، وهي العقائد والهويات التي ربطها بروديل بالبنيات الطويلة المدى والممتدة في الزمن، بشكل يتجاوز اللحظة السياسية والحدثية الحصرية الضيقة التي تربط عطاء حضارة ما بقوة الدولة في مجالات سياسية واقتصادية مهيمنة. ولعل عجز العقل العربي عن فهم وعن استيعاب هذه المحددات، مسؤول عن حالة الرفض المعمم تجاه الإبداعات «الأخرى» التي رأت النور داخل الدولة الإسلامية، مما كان يوصف بنعوت «جاهزة» تمتح منطلقاتها من ثنائية الكفر والإيمان، من قبيل الزنادقة، وأهل البدع، والشعوبيين، والمهرطقين،… وهو الأمر الذي شكل/ ويُشكل حجرًا على العقل العربي نفسه الذي أُرِيدَ له أن يتنكر لروافده السابقة على الإسلام وأن ينسخها من حصيلة تراكم التميز في مجال الإبداع الإنساني، مثل التراث الأمازيغي والكردي والقبطي والعبري والفارسي… فالتراث العلمي والإنساني يظل تراثًا علميًّا وإنسانيًّا بغض النظر عن محدداته الهوياتية المرتبطة بالأصل أو بالعرق أو بالجنس أو باللغة أو بالدين.

إنه عقل الإنسان الذي ينتج المعرفة، ومداركه التي تصنع الإبداع، وملكاته التي تصقل الهوية الجماعية، ومخياله الذي ينثر قيم الجمال والمحبة. ليست هناك حضارة أرقى من أخرى، ويكفي العرب والمسلمين فخرًا أنهم أضافوا أرصدة ثرية داخل سجل الإبداع البشري، وتلك ميزة لا يقدر قيمتها الاعتبارية إلا من اختار استثمار نبل العرق وسماحة العقيدة من أجل تعزيز قيم الانتماء للإنسان، كل الإنسان.


حضارة عربية أم إسلامية أم عربية إسلامية

الريح حمد النيل أحمد الليث – أكاديمي سوداني جامعة أم القرى

الجدل الذي يظل يثار منذ مدة حول مصطلح الحضارة الإسلامية في مناسبات علمية وثقافية وفكرية وفي أوقات وأماكن مختلفة والدفع به إلى الواجهة على حساب الحضارة العربية بهدف نفي الصلة بين الحضارتين، انطبق عليه نفي النفي إثبات، إثبات أن العرب وهم مادة الإسلام كانوا ذوي حضارة قبل أن يسلموا، وعلى حضارتهم قامت حضارة الإسلام بعد أن أسلموا، فتوسع محتواها واتسع مداها فدخلت في إطارها حضارات الشعوب غير العربية المسلمة وثقافاتها، فنهلوا من لغتها العربية، لغة القرآن الكريم، لغة الوحدة الحضارية المتعددة المتنوعة، فتمازجت الحضارتان فكانت الحضارة العربية الإسلامية.

فالحضارة مثار النقاش الموصوفة بالعربية أو الإسلامية يجب ألا تدعونا إلى أخذ اللفظين بمعناهما الحقيقي، حيث إن وصفها بالعربية أو الإسلامية، لا يعني إطلاقًا أنها نتاج محض لسكان جزيرة العرب الذين اعتنقوا الإسلام وهم وحدهم الذين أسهموا فيها، بل هما إشارة إلى جميع الشعوب والأمم التي تكلمت اللغة العربية، وعاشت في دار الإسلام في ظل حكم الخلافة الإسلامية، بصرف النظر عن الجنس أو الدين، من ثم فهي إسهام شاركت فيه شعوب أخرى مع العرب، الفرس والمصريون والسوريون والمغاربة والإسبان والأرمن، هذا من جهة اللغة، أما من جهة الدين يدخل في مصطلح الحضارة (الإسلامية) مع المسلمين (ليس العرب فقط) النصارى واليهود وكذلك المجوس والصابئة.

بيد أن هذا التعدد والتنوع الذي أدى إلى ثراء الحضارة الإسلامية العلمي والمعرفي لا ينفي أن العرب الذين تنسب إليهم الحضارة الإسلامية كانت لهم حضارتهم الخاصة بهم قبل الإسلام، إلا أنهم لم يكونوا على علم بها. الجديد أن الدين وهو الإسلام أسهم في إنشاء حضارة ذات طابع عربي إسلامي، وهو ما يتناغم مع إسهام الجزيرة العربية في الحضارة عن طريق الأديان قبل الإسلام، وهو مؤشر إلى أن قيام الحضارة الإسلامية التي لم تظهر في القرن السابع الميلادي، حيث انشغل العرب بالفتوحات أكثر من انشغالهم بالحضارة، جاء نتيجة لعوامل مزج بطيء شأن كل حضارة، على رأسها عامل اللغة العربية التي أصبحت لسانًا حضريًّا لما أقبلت الشعوب غير العربية على تعلمها وهجرت لغاتها(١).

ولا مندوحة عن القول: إن الحضارة الإسلامية هي الحضارة العربية قبل أن تكون الإسلامية عطفًا على أن الإسلام رسالة العرب، وأن العرب مادة الدولة الإسلامية، وأن الشعوب التي دخلت في نطاق دولتهم أخذت منهم قبل أن يأخذ العرب منهم، اللغة العربية، فكان الرجل المسلم يتكلم اللغة العربية ويكتبها بدرجة تجعله عربيًّا خالصًا، متخطيًا الحواجز السياسية للبلاد المختلفة فأين ما ذهب يجد نفس اللغة والدين، فظل العلماء المسلمون لقرون طويلة بمختلف أجناسهم يكتبون اللغة العربية التي اغتنت وأغنت الفكر وعملت الترجمات العربية للعلوم والفلسفة اليونانية على انتشار الأفكار واللغة انتشارًا لا نظير له(٢).

يبرز بجلاء هنا العمق العربي للحضارة العربية والامتداد الإسلامي لها الذي شكل قوة الدفع والطاقة اللذين لم يتوافرا لحضارة غيرها، وهو ما جعلها قادرة على الاستمرار وتجاوز عوامل تدهور الحضارات وتراجعها وانتهائها لاعتمادها على عنصر واحد عند النشأة، وعناصر عدة عند البناء والتأسيس ومسايرة الحضارات الأخرى ومنافستها والتفوق عليها بفضل التنوع الحضاري والثقافي للشعوب التي اعتنقت الإسلام، فصارت عامل وحدة وتماسك حضاري بدلًا من أن تكون عامل تمزق وتفتت.

وإن لم يذكر التاريخ الشيء الكثير عن حضارة العرب قبل الإسلام إلا أن الشواهد الأثرية في جنوبَيِ الجزيرة العربية وشمالَيْها، وما كانت عليه مكة من الحضارة في المجال التجاري، تؤكد أن العرب لم يكونوا كما ظلوا يوصفون به من تخلف مطلق، فكانوا يتشاورون ولهم دار للشورى أشبه بالبرلمان، وأفادتهم خبرتهم التجارية الكبيرة ومعرفتهم بالناس وأحوالهم واختلطوا بأقوام أهل حضارة وكان لهم نظام شبه قضائي، وأمثال حكم جامعة وأيام عرفت باسمهم وتاريخ ملك قبل الإسلام، وثقافة تفردوا بها، وعلم بأوقات مطالع النجوم ومغاربها والأنواء والكواكب ومطالعها، وعادات وديوان أخبار، وسجل حروب وأحداث، وكنز لغة وبلاغة هي لغة القرآن هو شعرهم، وآداب ناضجة ولغة راقية قبل الإسلام، وأخلاق كريمة عرفوا بها كالشجاعة والنجدة والصبر على المكاره وغيرها يسّرت لهم القيام بنشر الدعوة الإسلامية والدفاع عنها قبل ظهور الإسلام وبعده، فاستطاعوا في أقل من قرن إقامة دولة عظيمة وحضارة من أنضر الحضارات التي عرفها التاريخ(٣)، فأسهموا إسهامًا كبيرًا في تقدم الحضارة الإسلامية، ضابطهم في ذلك ألّا إكراه في الدين، ومن ثم لا إكراه في الحضارة، فلم يُؤْثَرْ عنهم إجبارهم أحدًا على ترك دينه أو التخلي عن حضارته أو أنهم هدموا أثرًا حضاريًّا، بل حافظوا على ما وجدوه من حضارات في البلاد التي فتحوها، وهو ما يدل على أنهم قوم متحضرون قولًا وممارسة، وأن حضارتهم أصل.

بتعبير أدق يمكن وصف الحضارة العربية أنها البوتقة التي انصهرت فيها حضارات الشعوب غير العربية التي دخلت في الإسلام، وأسهمت تلك الشعوب فكريًّا مع العرب في إنتاج مكون حضاري علمي ثقافي فكري هو الحضارة الإسلامية، وللتوفيق بين دعاة الحضارة الإسلامية وأنصار الحضارة العربية، مزج الحضارتين في حضارة واحدة هي الحضارة العربية الإسلامية بالنظر إلى القاسم المشترك وهو اللغة، والباعث الموحد وهو العلم، والأصل الجامع وهو الإسلام.


هوامش:

(١) عبدالمنعم ماجد. تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2004م، ص9-20.

(٢) نبيلة حسن محمد. في تاريخ الحضارة الإسلامية. دار المعرفة الجامعية، 1997م، ص8-14.

(٣) أبو زيد شلبي. تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي. القاهرة: مكتبة وهبة، 1433هـ/2012م، ص60-62.


حضارة واحدة وهويات متعددة

صابر عرب – باحث وأكاديمي

لا توجد حضارة عربية خالصة أو ضاربة في عمق التاريخ، فهي حضارة بلدان دخلت الإسلام واكتسبت الثقافة الإسلامية، ببعدها العربي والتاريخي سواء حضارة الرافدين أو اليمن أو مصر، كل هذه الحضارات تبلورت في الحضارة العربية الإسلامية، وهي لها جذور ممتدة في هذه البلدان، واكتسبت البعد الإسلامي، وهي في عمقها حضارة متعددة الروافد والهويات، والحضارة العربية الإسلامية التي دخلت بلدانًا ذات خلفيات تاريخية وتعمق بالبعد اللغوي، فقد كانت اللغة هي العمود الفقري لنشر الحضارة، حتى حين ذهبت الحضارة العربية إلى الأندلس انتقلت إليها اللغة، فاللغة بكل صياغاتها وجمالياتها وأبعادها البلاغية كانت إحدى الوسائل المهمة لنشر الحضارة العربية.

كتاب كبير

لن نستطيع أن ننزع الحضارة الإسلامية من بعدها التاريخي، والدليل على ذلك أن مصر في القرنين المنصرمين (التاسع عشر والعشرين) كانت ترتدي عباءة إسلامية، لكن في جانب منها الحضارة العربية، وفي العمق وفي الدم كانت الحضارة المصرية القديمة ذات سبعة الآلاف عام التي لم تخرج من ثقافة المصريين ولا سلوكهم، وهذا ما حدث في أبناء حضارات العراق والشام والأندلس وفارس، فحين نقول الحضارة العربية الإسلامية نعني الحضارة العربية الإسلامية، وهي حضارة ليست منزوعة السياق، فكل قطر كان له بعده وعمقه التاريخي، وهو أمر أشبه بالغطاس الذي ينزل إلى أعماق الماء، بينما الظاهر على السطح هو البعد العربي الإسلامي.

ويمكن القول: إن مصطلح الحضارة العربية الإسلامية أشبه بعنوان كتاب كبير، والعنوان الذي يندرج تحته هو التعدد، فكل حضارة تشكل هوية وثقافة مختلفة، ومن ثم قامت الحضارة العربية الإسلامية على أكتاف علماء ومفكرين من بلدان عدة، وكل هؤلاء جاؤوا من ثقافات متباينة، ولا نستطيع أن نختزل الحضارة الإسلامية في شكل واحد من هذه الثقافات، وإلا فإننا نكون قد تنازلنا عن هؤلاء الأفذاذ الذين أضافوا إلى الحضارة الإسلامية، فأشهر مَنْ كَتَبَ في اللغة والتفاسير كانوا من الفرس والأتراك والمستعربين؛ لذا لا يمكن القول: إن الحضارة العربية الإسلامية، ذات بعد واحد، فهذا المصطلح أشبه بكتاب كبير تحته فصول متنوعة.

التراث العبء

لكننا الآن نعيش ما نسميه بالتراث العبء، ذلك الذي يكبل المرء من قدميه ورجليه، فما زلنا نعيش بين مفهومين متناقضين، العقل أم النص، فبعضٌ يرى أن كل ما جاء في القرنين الأولين من الإسلام مقدس، وهذا غير صحيح، فقيمة الحضارة بما كتب عنها في مجالات الحضارة والآدب والفن والهندسة بجانب ابن عربي والغزالي وابن رشد، نعتبر ذلك كله في سلة واحدة، ويجب أن نفرق بين ما يمكن أن نسميه التراث البناء، والتراث العبء، الذي به قدر من التزيد واختزال النص، ونفرق بين الشفافية البناءة بالمعنى الإنساني، إذا قرأت ما قال به ابن رشد وأبو حامد الغزالي ومحمد عبده ومحمود شلتوت ومصطفى عبدالرازق وغيرهم ممن فهموا الإسلام بالمعنى الحقيقي، وصولًا إلى الشيخ عبدالمتعال الصعيدي الذي أعتقد أنه واحد من أكثر من فهموا الإسلام والشريعة والحضارة الإسلامية، وهو تلميذ الشيخ محمد عبده، أقول: إن هؤلاء شكلوا فهمًا حقيقيًّا للنص، وصاغوا مرحلة مهمة من تاريخنا، إلى أن وصلنا لما نحن فيه من نكسات الآن، حيث الجمل المنزوعة من سياقاتها، والأحاديث غير المتسقة مع سياقها التاريخي، فقد عم الجهل بشكل كبير، وحين نأتي لقضية تتعلق بمصالح الناس نجد الناس عنها غافلة، وهناك العديد من القضايا التي أثيرت بلا معنى ولا أهمية، مثل قضية سلمان رشدي، فلم يكن أحد يعلم من هو سلمان رشدي إلا بعدما حدثت الضجة عليه. لكن مصر في العموم كانت سباقة في سياق الليبرالية الفكرية، فهناك من كان يكتب (لماذا أنا ملحد)، ويرد عليه من يكتب (لماذا أنا مؤمن)، وظل الأمر بهذا الفهم الثقافي الواعي حتى اعتلى المناصب أناس معدومو الوعي بمقاصد الشريعة، وبمقاصد الحضارة.

في النهاية أنا أميل بالطبع إلى مصطلح الحضارة العربية الإسلامية، فالاثنان عملة ذات وجهين، لا نستطيع أن نفصل أحدهما عن الآخر، لو قلنا الحضارة العربية فقط سنقلص من قيمتها، فقد اكتسبت هذه الحضارة قيمتها من اللغة التي عبرت حضارة وتاريخ الشعوب المكونة لهذه الحضارة، حتى المستعربين من هذه البلدان المختلفة لم يكن لهم قيمة إلا حين كتبوا بهذه اللغة، فانتشرت كتاباتهم وعمت، من هنا نقول: إنه لا يمكن نزع الشق الإسلامي بعيدًا من العربي، فكلاهما أضاف للآخر، ولولا الإسلام لما انطلقت كل هذه العلوم، ولما أثريت الحضارة العربية بكل هؤلاء العلماء والمفكرين.


الحضارة العربية والإسلامية.. مقاربة أولية

عبدالواحد النبوي – باحث مصري

بادئ ذي بدء لنا أن نعلم أن تسميات الحضارات عمل إنساني قابل للحذف والتعديل والتغيير، وأن إطلاق اسم الحضارة الفينيقية على حضارة بلاد الشام، والحضارة الرومانية على من سكن إيطاليا في حقبة زمنية معينة، وكذلك اليونانية والفرعونية والبابلية وغيرها كلها تسميات اجتهد متأخرون كثر من الفلاسفة والمفكرين في ضبط جوانب وأبعاد وحدود تلك المصطلحات في غير زمن نشأة حضارة من الحضارات، ولا شك أن عوادي الزمن وتطور التفكير العلمي جعل هناك ضرورة لإعادة ضبط ومراجعة لما في بعض جوانب هذه المصطلحات، ولا نغالي إذا قلنا: إن أهل بعض تلك الحضارات في الأزمنة الأولى وبخاصة في مراحل التأسيس لم يطلقوا على أنفسهم تلك التسميات.

ولأن الأمر دخل في حالة من الجدل وبدت النظرية القومية واضحة بل طاغية في بعض الأحيان في مجالات العلم، وهو ما رفع من درجة حرارة النقاش والتنظير حول مصطلح الحضارة وصبغها بصبغة قومية لتتمايز الشعوب بعضها من بعض، وهو ما يجعل بعضهم يفقد أطراف البدايات الأولى للقضية والأسس التي قامت عليها كل حضارة؛ فحضارة العرب السابقة على ظهور الإسلام التي كانت ضيقة المساحتين المكانية والزمنية علاوة على تركزها في أطراف الجزيرة العربية كانت ذات سمات وقيم استمر بعضها بعد مجيء الإسلام وتلاشى كثير منها بعد ظهوره ودعوته لأسس حضارية ثرية ومتنوعة تمحورت حول أسس بناء الإنسان والعمل على كل ما يرتقي به، وأطلقت العنان للعقل ليقوم بدوره في الرقي بالسلوك الإنساني وإعمار الأرض والإيمان بأن القوة المنشئة للكون ليست بشرية.

فجر الحضارة

لقد ظلت الحضارات القديمة تتحرك وتتغير وتبني وتهدم بحثًا عن أفضل النظم والقيم التي تناسب مجتمعها إلى أن نضجت وأخذت صورتها الأخيرة كنتاج فعل لشعب، بمعنى أن التجربة أنتجت قيمًا ومبادئ ومعالم حضارة شعب من الشعوب، أما الحضارة الإسلامية فقد جاءت أولًا بالقيم والأسس والمبادئ التي بنيت عليها الحضارة.

والدارس لكل ما أتى إلينا من مصادر المعرفة منذ بزوغ فجر الحضارة الإسلامية لم نرَ من خلالها أي تصادم مع الحضارات السابقة عليها أو المعاصرة لها مثل الحضارة العربية أو الحضارات الأوربية أو الشرقية على اختلاف تنوعها، بل سمحت لشعوب تلك الحضارات بالفخر بما أنجزوه سابقًا طالما أنه لم يهدر قيمة الإنسان ودوره في الحياة والبناء والأمثلة على ذلك كثيرة وشاهدة، وقد انفتح رجال الإسلام على تلك الحضارات ونقلوا عنها من دون أن تصيبهم أمراض عصور التعصب، وبدا واضحًا قيم التسامح والاعتراف بفضل الحضارات السابقة فلم تحرم الحضارة الإسلامية أية امتدادات لحضارات سابقة أو تطورًا لها بعد ظهور الإسلام إلا ما تنافى مع القيم الإنسانية والحفاظ على الإنسان بوصفه هو محور التحضر والرقي والاهتمام، ولم نجد من ينكر استخدام مكونات الحضارات السابقة المتسقة مع تلك القيم، ولعل أكبر شاهد على ذلك ما تزخر به البلاد الإسلامية من شواهد معمارية وفكرية وثقافية وفنية لحضارات سابقة على ظهور الإسلام؛ فالحضارة الإسلامية رحبة تتسع للاختلاف في العقائد والتفكير طالما أن كل فرد يؤدي واجبه في المجتمع ويلتزم بقيم السلام والأمن والبناء.

والحضارة الإسلامية أكثر مرونة وتكيفًا مع تغير الأزمان فقد وضعت الأسس العامة التي تصلح للتطبيق في أي مكان وفي كل زمان فقواعدها في إدارة نظم الحكم تصلح لكل بقعة في الأرض ولكل شعب من دون ارتباطها بمكان معين أو ظروف معينة مثل ما حدث قديمًا، ومثل ذلك النظم الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من جوانب وقيم الحضارة الإسلامية. فالقاعدة الفقهية الحضارية «يدور شرع الله حيث تدور مصلحة المسلمين» هي من تحكم حركة الحضارة الإسلامية فكل ما فيه مصلحة فهو واجب القيام به.

ولنا أن نؤكد أن المسلمين سواء كانوا عربًا أو غير عرب في قرون البناء والتأسيس للحضارة الإسلامية لم ينصرفوا لوصف حضارتهم بأسماء شعوب سكنوا إقليمًا من الأقاليم وبخاصة إقليم «مهد رسالة الإسلام»، على اعتبار أنه «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح»، و«العمل الصالح» هنا على إطلاقه وليس «بالعمل الصالح الديني» فقط، وقد مزجت الحضارة الإسلامية بين منتج المنتمين إليها على اختلاف لغتهم وأماكنهم وعاداتهم المحلية وأزمانهم، وبذلك قدمت منجزًا حضاريًّا أوسع وأعمق وأشمل يتمدد كلما تمدد هؤلاء.

إن القول بفكرة عروبة الحضارة التي جاء بها الإسلام هو قول سيفقدها كثيرًا من الإبداع الحضاري من غير العرب الذين كانوا رقمًا مهمًّا في المنجز الحضاري الإسلامي لا يستطيع أحد أن يعوضه أو يَحُلّ مَحَلَّه؛ وفي حالة استبعاده يصاب البناء الحضاري الإسلامي بالعوار ويصير ناقصًا مشوهًا غير مؤثر لا يؤدي وظيفته التي جاء من أجلها، وقد يقود إلى صدام داخلي وصراع بين أبناء الحضارة الإسلامية أنفسهم عرب وغير عرب، كما أنه سوف يدفع كثيرًا نحو خلق صدام حضاري عالمي مع الحضارة الإسلامية وجعلها خصمًا لكثيرين لا يؤمنون بالإسلام وحضارته، وهو ما ظهر واضحًا وبقوة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي حيث طفت إلى السطح كتابات كثيرة تبشر بصدام حضاري كبير، أحد أطرافه الحضارة الإسلامية.

ولعل اللغط الدائر حول مصطلح الحضارة الإسلامية والحضارة العربية راجع في بعض جوانبه إلى أن النقاش يدور حول هذا الموضوع وشعوب الحضارة الإسلامية في أضعف حالتها، وهو ما فرض كثيرًا من النقد والنقض الذي لا يتناسب وجوهر تلك الحضارة.

التداخل الثقافي

وهناك خوف من تكريس مصطلح الحضارة العربية الإسلامية بأن يكون هناك مصطلحات أخرى على هذا النسق مثل الحضارة الإفريقية الإسلامية والحضارة الآسيوية الإسلامية وغير ذلك، وما أراه أن الحضارة الإسلامية ارتبطت بأمرين اثنين كبيرين الزمان والمكان؛ فمنذ أن جاء الإسلام في القرن السابع الميلادي بدأ بناء حضارته التي تمددت في أركان كثيرة من العالم وسمح لبقاء مفردات الحضارات الأخرى، فلا يجب أن ننفخ في نار الصبغات القومية في جسم الحضارة الإسلامية، فلكي نفهم الحضارة الإسلامية بشكل متكامل وواضح ونحكم عليها بشكل علمي دقيق لا بد أن تبقى بشكلها المتكامل الذي بنيت في مدة ازدهارها، ولا يعني ذلك تجاهل الحضارات الأخرى التي سبقتها أو واكبتها ولكل له صفاته ومقوماته، فليَبْقَ اسم الحضارة الإسلامية كما هو، ولتَبْقَ الحضارة العربية كما هي؛ كُلٌّ في نطاقيه الزماني والمكاني.

وإذا سايرنا فكرة صبغ الحضارة الإسلامية بالصبغة العربية فإننا نحاول أن نخلق مصطلحًا قد يراه بعضٌ معوجًّا، ولا يعبر عن واقع الحضارة الإسلامية بكل مكوناتها؛ ومنهجًا لم يتبعه منظري الحضارات الأخرى، فالأوربيون لم يفعلوا ذلك مع الحضارة اليونانية، وكذلك مع الحضارة الرومانية والشعوب الأخرى لم تتطرق لمثل هذا الرأي وهذا الوصف مثل الشعوب التي نشأت على أراضيها الحضارة الفينيقية وغيرها من الحضارات الإنسانية الأخرى.

ويجب أن نؤكد أن التراكم الحضاري الإنساني حَكَمَه أسس ومعايير محددة ارتبطت بضوابط التعاقب وأدواته، وهو أمر فرض نفسه وعلينا أن نحترم ضوابطه للمحافظة على خصوصية كل حضارة تكونت عبر التاريخ الإنساني، ولعل من القضايا المهمة التي يجب أن نشتغل بها هو دراسة التداخل بين الحضارات؛ وإلى أي حد أثرت وتأثرت كل منها في الأخرى بعيدًا من البحث في قضايا تثير النعرات القومية في غلبة حضارة على حضارة أخرى، أو بِمَ نسمي هذه الحضارة أو تلك، أو غلبة شعب حضارة على شعب ساهم في بناء حضارة.


ما العلاقة بين الحضارة العربية والإسلامية؟

عدنان عويّد – كاتب وباحث من سوريا

سؤال مشروع يطرح نفسه علينا اليوم ونحن نعيش حالات عصيبة من فقدان الهوية بسبب مواقف أيديولوجية صماء، أو بسبب عواطف جياشة تدفعنا لنكران الذات والتمسك بانتسابات تعود لجذور ثقافية لا تخلو من الدور الأيديولوجي أيضًا. من هذا المنطلق يمكننا أن نعود للنظر في ذاتنا، والبحث عن حقيقة وجودنا وانتمائنا كعرب، وذلك من خلال طرحنا السؤال الآتي: هل نحن ننتمي للحضارة العربية أم للحضارة الإسلامية؟

للإجابة عن ذلك علينا أن نتعرف أولًا إلى معنى الحضارة، فالحضارة هي نظام حياة، تُحدِّد معطياته طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والخلقية لمجموعة بشرية تقيم في منطقة جغرافية محددة، تفرض شروطها بالضرورة وتأثيراتها البيئية والمناخية على حياة الإنسان عامة، والحضارة تبدأ إرهاصاتها الأولية حيث ينتهي الاضطراب والقلق في حياة شعب من الشعوب، ويبدأ استقرار هذا الشعب في بيئته الجغرافية، فإذا ما أَمِنَ الإنسان على وجوده ومارس نشاطه الحياتي لإنتاج خيراته المادية والروحية، ستتحرر في نفسه دوافع التطلع نحو تنمية وتطوير ذاته وبلورة هويتها، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية والاجتماعية من جهة، والروحية والإبداعية لديه من جهة ثانية، تستنهضه للمضي قدمًا في طريقه إلى فهم الحياة وبناء حضارته فيها.

والحضارة في سياقها العام، هي دلالة على الرقي والازدهار في جميع الميادين والمجالات. ولا يمكن حصرها في الجانب المادي فقط كالمباني والقلاع والقصور، أو اختزالها في أنماطٍ سياسية كالإمبراطوريات والأسر الحاكمة والدول والطوائف والمذاهب، بل بما تنتجه أمةٌ ما من سمات وخصائص تميزها عن الآخر. نعود لسؤالنا المشروع: هل نحن ننتمي للحضارة العربية أم الإسلامية.. أم للحضارتين معًا؟ وعلى هذا، علينا أن نتعرف إلى جوهر هذه الحضارات الثلاث ومعطياتها.

حضارات العرب

أولًا- الحضارة العربية: على الرغم من أن هناك من يقرر أن الحضارة العربية هي حضارة القبائل العربية التي انتشرت في صحراء الجزيرة العربية، وهذا الإقرار يفتقد في رأيي إلى البحث العلمي والتقصي لتحديد من هم العرب وأين انتشروا، وبناءً على هذا الإقرار من جانب بعض الباحثين بأن العرب هم تلك القبائل العربية المنتشرة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، فإن هذا التحديد غالبًا ما يسيء للعرب وحضارتهم بحيث تتجلى منتجات هذه الحضارة البدوية فيما قدمه هؤلاء البدو من لغة وشعر وفروسية وغير ذلك من معطيات وقيم الحضارات البدائية. لذلك هذا ما يساهم في تشوه العرب حضاريًّا، وهذا ما لعبت عليه الحركات الشعوبية منذ بدء انتشار العرب وتداخلهم مع الحضارات الأخرى بفعل ما سمي الفتوحات الإسلامية، حيث راح كثير من الكتاب والمفكرين والأدباء ممن ينتمون للحضارات الأخرى وبخاصة الفارسية، يعملون على تشويه العرب وإظهار ضعف انتمائهم الحضاري وتردي قيمهم.

أما حقيقة العرب وحضارتهم، فتكمن برأيي في الشعوب العربية التي انتشرت تاريخيًّا في بلاد المغرب وسوريا والعراق إضافة إلى القبائل العربية التي قطنت شبه الجزيرة العربية. حيث استطاعت هذه الشعوب أن تؤسس لحضارات عريقة قبل الميلاد، ربما اتسمت هذه الحضارات بسمات خاصة دلّت على كل مكون من مكوناتها، مثل: الحضارات الآشورية والفينيقية والآرامية والكنعانية وغيرها من حضارات أخرى انتشرت في بلاد الرافدين، إلا أن مجموع هذه الحضارات استطاع فيما بعد أن يفرض نفسه تاريخيًّا كحضارة واحدة هي الحضارة العربية التي قدمت للعالم عطاءات كثيرة، إن كان على المستوى المادي ممثلًا في البناء المعماري والتقدم الصناعي والزراعي في ذلك الوقت، أو على المستوى الثقافي والحقوقي، حيث قدمت هذه الحضارات أول أبجدية في التاريخ وأول قانون تشريعي. أو على المستوى السياسي، حيث تشكلت دول لها حكوماتها ونظامها الإداري… إلخ.

تنوعات الإسلام

أما الحضارة الإسلامية، فهي الحضارة التي تشكلت مع ظهور الدعوة الإسلامية، وما حملته هذه الدعوة من رؤى توحيدية، وقيم إنسانية نبيلة كالدعوة إلى العلم والمساواة وحرية الرأي وغير ذلك. إلا أن هذه الدعوة جاءت أولًا لقبائل الجزيرة العربية، حيث شكلت قيمها البدوية الأساس القيمي والأخلاقي والثقافي لهذه الدعوة. إن كان بالنسبة لتأثرها بقيم الأحناف أو الصابئة، أو تأثرها بقيم الحضارات الأخرى التي انتشر فيها الإسلام تحت مظلة الفتوحات، مثل الحضارات الفارسية والهندية والرومانية واليونانية. على العموم نستطيع القول: إن الحضارة الإسلامية قدمت على المستوى المادي الكثير من الجوامع، وفنون الأرابيسك والخط العربي، أما الجانب الفلسفي فقد قدم الفلاسفة العرب والمسلمون الكثير، ولكن المحزن أن كل ما قدموه في هذا الاتجاه (الفلسفة أو الأدب أو الفن) وبخاصة ما يحمل البعد العقلاني منه، قد حُورب وهُمش أو أُقصي من الساحة الفكرية والعملية فيما بعد من جانب القوى السلفية الأصولية الامتثالية، حيث حورب الشعر لغوايته، وحورب الرسم والنحت لكونه يجسد أشخاصًا تذكرهم بآلهة الأصنام السابقة للإسلام، وحورب فن الموسيقا والغناء لأنه يلهي الناس عن عبادة الله.. وهكذا تبين لنا تاريخيًّا كيف ضاع من الحضارة الإسلامية، أو الحضارة العربية الإسلامية كل القيم الإبداعية العقلانية مثل: الفلسفة والشعر والفن والأدب. لتبقى علوم الفقه والكلام واللغة، وسيادة النقل على العقل.

حضارة العقل

إن ما نريد الوصول إليه في هذا الاتجاه، هو القول: نحن العرب ننتمي أولًا للحضارة العربية بكل تفريعاتها التي تعود إلى ما قبل الميلاد، ونحن ننتمي ثانيًا للحضارة الإسلامية لكون الدعوة جاءت بداية على أرض العرب وحملها العرب للعالم الآخر. بيد أن هذه الدعوة بعد الفتوحات تخللها كثير من التفسيرات والتأويلات التي عملت على تقسيم الدعوة ذاتها إلى فرق ومذاهب وطوائف لم تعد تخدم الحضارة العربية، هذا إضافة إلى محاربة كل القوى العقلانية والعمل على إقصائها أو تصفيتها بدءًا من الجعد بن درهم وغيلان الدمشقي مرورًا بابن المقفع وابن رشد، وصولًا إلى فرج فودة ونصر حامد أبو زيد.

من هذا المنطلق نقول: لنعد إلى حضارتنا التي أثبتنا فيها وجودنا التاريخي.. لنعد إلى عقلانيتها والمواقف الحضارية التنويرية فيها التي افتقدناها منذ مئات السنين.. لنعد إلى حضارة العقل، ولنتصدَّ لحضارات النقل التي فرضت نفسها علينا مئات السنين أيضًا باسم المقدس.


الحضارة، إسلامية أم عربية، نحو تفكيك وإعادة بناء مستمر

ليس بعد ظهور الإسلام حضارة عربية

أحمد الزيلعي – باحث وأكاديمي سعودي

الحضارة الإسلامية من أرقى الحضارات، فهي حضارة هذبها الإسلام وطورها وارتقى بها، وجعلها متفردة في كل شيء، وازدادت تطورًا ورقيًّا بافتتاح البلدان، وانضواء شعوبها إلى حظيرة الدولة الإسلامية، فاستثمرت الحضارة الإسلامية مقومات البلدان المفتوحة، وثقافة شعوبها، وموروثها الحضاري فاكتسبت الحضارة الإسلامية لذلك مزيجًا فريدًا من ثقافات عدّة، ظهرت بصورة واضحة في العصور العباسية التي شهدت فيها الحضارة الإسلامية أرقى درجات تطورها وتقدمها وازدهارها.

أما من يقول بوجود حضارة عربية، وحضارة إسلامية فيعود ذلك إلى ظهور الفكرة القائلة بإطلاق الدولة العربية على عصر النبوة والخلافة الراشدة وخلافة بني أمية، والدولة الإسلامية على عصر الخلافة العباسية، والدويلات التي تسير في فلكها.

وفي اعتقادي أن هذا التصنيف ليس دقيقًا ومنحازًا فليس بعد ظهور الإسلام حضارة عربية، إلا إذا قُصد بها الحضارات التي ازدهرت فيما يعرف بدويلات المدن أو الممالك العربية التي ازدهرت في عصور ما قبل الإسلام. أما في العصور الإسلامية فإن دولة الإسلام ابتدأت مع اليوم الأول لهجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، وجميع الفتوحات التي تمت في الخلافة الراشدة والخلافة الأموية فتوحات إسلامية، شاركت فيها عناصر عربية وغير عربية ومنهم البربر على سبيل المثال لا الحصر الذين شكلوا أغلبية الجيوش التي فتحت الأندلس واستوطنتها.

أما نبوغ غير العرب أو الموالي، واشتغالهم بالعلوم أكثر من إخوانهم العرب فلا يعطي مبررًا لتسمية الحضارة بالحضارة الإسلامية؛ لأن جُلّ من اشتغل بالعلم من العجم هم عرب اللسان أي مستعربون إلى حدّ كبير، واشتغلوا بالعلم في ظل الدولة الإسلامية، وفي خدمتها، وكتبوا إنتاجهم العلمي في أغلبه بلغة العرب؛ ولأن وظائفهم التي تخصصوا فيها تقتضي بروزهم فيما برّزوا فيه من مختلف العلوم التي تفرغوا لها، على حين أن العرب انشغلوا بالحكم والإدارة وقيادة الجيوش، ومع ذلك فقد برّز كثير من العرب في مختلف العلوم والفنون والآداب، وخلافها من المقومات المساعدة على ارتقاء الحضارة الإسلامية وتطورها وازدهارها.

أما علاقة الحضارة الإسلامية بالعولمة فهذه ليست وليدة الساعة، بل هي قديمة قدم الحضارة الإسلامية نفسها، فما كادت شمس العرب تسطع على الغرب حتى تشرّب الغربيون تلك الحضارة، ونهلوا من موردها العذب ومعينها الصافي من خلال ما ترجموه إلى لغاتهم من مختلف مضامير العلوم التي اخترعها، واستنبطها المسلمون، أو تلك التي أخذوها عن غيرهم، وعملوا على تطويرها، والإضافة إليها وتصديرها فتلقفها الغربيون، واعتمدوها في مدارسهم وجامعاتهم، وعلى أسسها الراسخة بنوا مقوماتهم الحضارية، ونهضتهم المَدَنِيّة الحديثة، ولا تزال آثار الحضارة الإسلامية في حضارة الغرب حتى اليوم، محل إعجاب كثير من العلماء الغربيين وتقديرهم واهتمامهم بها وبصنّاعها.

تعددية الفعل الثقافي في حضارة واحدة

إبراهيم بيومي – غانم باحث ومفكر

إطلاق الأسماء يخضع لحيثيات كثيرة، سواء كان هذا الاسم موضوعًا كبيرًا كموضوع الحضارة، أو كان صغيرًا كطفل مولود، فأنت تضفي على شيء اسمًا كي تميزه من غيره، أما ما يتعلق بالتسميات في تاريخ هذه الأمة، هل هي حضارة عربية أم إسلامية أم عربية إسلامية، فهذا خاضع للقاعدة نفسها، حين تجد تسمية فعليك أن تبحث عن خلفيات من يستخدمه، من وجهة نظري الشخصية إطلاق اسم الحضارة العربية لا يستوعب هذه الحضارة موضوعيًّا ولا تاريخيًّا، وإنما يكتسب وجهًا من وجوهها، وهو الوجه العربي، أما إطلاق اسم الحضارة الإسلامية فهو يشمل جميع الأوجه؛ لأن الذي أنشأ هذه الحضارة وحدد لها مقاصدها هو الإسلام، هذه الحضارة نبعت من بين صفحات القرآن الكريم، قولًا واحدًا لا يختلف في ذلك إلا أصحاب الأيديولوجيات والنزعات القومية والسياسية.

أما من الناحية العلمية فهي الحضارة الإسلامية التي نشأت في المساحة من المحيط الأطلسي إلى الهند والصين، وهذا لا يحذف الملامح الخاصة لكل منطقة من مناطق هذه الحضارة، فهناك ملامح آسيوية، وأخرى أوربية، وثالثة إفريقية، ورابعة عربية بالطبع، إذن هي حضارة متعددة الروافد الحضارية والعرقية والجغرافية، يميزها أن لها مرجعية معرفية واحدة، ومكونات اجتماعية وجغرافية ودينية متعددة، وإذا انتفى العنصر الديني غير الإسلامي، وأقصد هنا المسيحي أو اليهودي أو الديانات الأخرى غير السماوية، من عالم الأمة الإسلامية فإنها تفقد صفتها الإسلامية، فشرط أساسي في التكوين الاجتماعي للأمة التي وصفت بأنها إسلامية أن يكون بها غير مسلمين، هذا شاهد في القرآن والسنة والتاريخ والواقع، فعندما يقول الله عز وجل (كنتم خير أمة أخرجت للناس) فأنتم في وسط أناس آخرين، والخيرية هنا ليست استعلاء، ولكن أن تكونوا وسطهم، وتوضحوا لهم رأفة الإسلام وعظمته، وعندما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وضع ما عرف بصحيفة المدينة التي أقر فيها وجود المشركين، وهم أسوأ أنواع البشر من وجهة نظر العقيدة الإسلامية، كما أقر بوجود اليهود والنصارى، فقال: المسلمون ومن لحق بهم من اليهود والنصارى أمة واحدة من دون الناس.

شرط الحضارة

شاهد آخر من التاريخ وهو أنه لم يحدث طوال 1143 عامًا، هو عمر الحضارة الإسلامية أن وجد مكان ليس به مسلمون، هذا على المستوى الاجتماعي، أما على مستوى السلطة والإدارة فلم يحدث أن خلت الإدارة من اليهود والمسيحيين، أما على المستوى العلمي والثقافي، لم يحدث أن خلت الحضارة الإسلامية من العلماء من غير المسلمين، مثل: ابن العسال وموسى بن ميمون وغيرهما، وقد عرض لهذا الأمر كتاب د. عبدالعزيز القوصي (غير المسلمين في الحضارة الإسلامية)، ومن ثم لم يحدث حتى اليوم أن كان هناك مسلمون يعيشون في عزلة عن غير المسلمين، وهناك عَلَم حديث ومعاصر وعروبي حتى النخاع وهو د. عبدالرحمن عزام، مؤسس الجامعة العربية، يقول: إن وجود مفهوم الأمة شرطه وجود غير المسلمين؛ لماذا؟ لأن هذا المفهوم من الأصول الموجودة في القرآن والسنة حسبما رصدنا آنفًا، وإن أخرجنا غير المسلمين من الحضارة الإسلامية فإننا نكون قد انزلقنا إلى الطائفية والعنصرية، وهذا ضد القيم الإسلامية، فشرط الصفة الإسلامية هو وجود غير المسلمين.

أما القول: إنها حضارة عربية لأن البدايات كانت عربية فهو قول خاطئ، وليس مخطئًا فقط، لأنه يتعمد ارتكاب الخطأ، فمنذ اليوم الأول لهذه الحضارة يوجد سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وغيرهما، ولعلنا نتساءل عما يسمى بالامتداد السابق للحضارة العربية، هل في داحس والغبراء وغيرها من أيام العرب؟ أما عن حمير وسبأ فهذه حضارات عريقة، لكنها لم تكن عربية خالصة، كانت بذرتها عربية، ولكن كان بها أجناس من الفرس والهنود، سبأ كان بها أجناس كثيرة، وهل كان سليمان عليه السلام عربيًّا؟! فمسألة النقاء العرقي واحدة من الأفكار العنصرية، ولم تظهر إلا في القرن الثامن والتاسع عشر، هناك فليسوف غربي قال: «إن الأدميين هم العنصر الآري ومن حولهم من الأوربيين، أما الآخرون فهم كائنات تعيش في الأرض»، تصور أنه لم يُسَمِّنا ولم يعدّنا من البشر.

أصل عنصري

أما الحديث عن اللغة التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، فهناك فارق بين أصل النشأة والمنشأ نفسه، فأصل النشأة هي لغة الكتاب، وهي لغة اللسان العربي، وهذه اللغة منفتحة على نفسها، ففي الدراسات اللغوية هي أصل اللغات الأخرى، وفي كتاب فقه «اللغة العربية» للويس عوض، قدم دراسة علمية مهمة، لكنه وصل إلى نتائج غير موضوعية، ولا تستند إلى المقدمات التي انطلق منها، إلا أنني استفدت من هذا الكتاب أن اللغة العربية هي أم اللغات، والذين دخلوا فيها دخلوا بسهولة، واستوعبوا علومها بيسر، وكتبوا بها مثلما كتبوا بلغاتهم، وهذه المفاضلة بين العربية وغيرها هي اصطناع على الأصل العنصري الأوربي، فلغتنا تجمع ولا تفرق، وديننا يخاطب الإنسان قبل أن يلتمس صفات أو عقائد، وهذه عظمة الإسلام، وسر من أسرار انتشاره.

أما عن نبوغ غير العرب في الحضارة الإسلامية، وإن كان ذلك يعزز القول: إنها حضارة غير إسلامية، فقد كان الراسخ بينهم هو العلم، وإفادة الناس، هذا لا يقلل من وجود العمق العربي، فهذه المسألة لها بعد عقائدي أصيل، ومن يفكر في ذلك يبتعد من أصل الموضوع، فالأصل هو العربي، ولو قلنا: إن الذي فهم هذا هو العنصر العربي فقط نكون قد خرجنا عن المسألة العلمية، ودخلنا إلى السياسة والأيديولوجيا، فلكي نفهم تاريخ هذه الأمم التي حدثنا عنها القرآن فلا بد أن نذهب إلى تواريخهم، فالإسلام دعوة مفتوحة وليس منغلقة كاليهودية، وهذا بأمر النص المؤسس ولا خيار لنا فيه، وإن نخالفه فنحن نبتعد ونصبح قوميين أو أيديولوجيين.

الحضارة هي إجابة عن سؤال كيف نعيش، ويختلف عن سؤال الثقافة، التي تعني لماذا نعيش، فسؤال لماذا هو الذي يتعرض لصفة العقيدة وما يستقر في ضمير الإنسان، ومصادر الحضارة الإسلامية من القرآن والسنة تقر الأمم الأخرى على ما هم فيه، ومن ثم فسؤال لماذا أعيش يقر العقيدة للكل، حيث يمكن لكل إنسان أن يعيش بالمعتقد الذي يراه صائبًا، وما ينفعه وينفع الناس به، أما سؤال كيف نعيش، وهو سؤال الحضارة، فيتعلق بالوسائل التي تذلل صعوبات العيش، فإذا رجعنا إلى أصل المسألة نجد أن الحضارة التي تشتمل على أكبر عدد من المكونات ليست عربية ولا آسيوية ولا إفريقية ولا أوربية، وإنما هي الفكرة الإسلامية المجردة التي تحتوي على كل هذه الدوائر.

الحضارة العربية الإسلامية

مها علي آل خشيل – أكاديمية سعودية

الحضارة العربية الإسلامية موضوع شائق، ومتجدد؛ فقد مثّلت بعمقها العربي الإسلامي محطة رئيسة على الخريطة الحضارية الإنسانية، ويكتسب الحديث عنه أهمية إضافية في هذه المدة التي ازدادت فيها التحديات أمام الهوية الحضارية للعرب والمسلمين، والجدل الذي يثيره بعضٌ حول هويتها، وزعم وجود فجوة بين جوانب هويتها العربية والإسلامية.

والعلاقة بين العرب والثقافة العربية والحضارة الإسلامية علاقة تلازم وتكامل، فلا يمكن تجريد الحضارة الإسلامية من عمقها العربي، فهي حضارة عربية إسلامية، لأسباب عدة؛ فقد سبقت الثقافة العربية الإسلام زمنيًّا، وكانت البيئة التي اختارها الله تعالى لتكون مهدًا ومنطلقًا للإسلام، وأعلى من شأن اللغة العربية حين اختارها سبحانه وتعالى لتكون لغة القرآن الكريم، وبعَثَ خاتمَ النبيين نبيَّنا محمدًا عليه الصلاة والسلام من أبنائها، وكلَّفه بحمل دعوة الإسلام إلى العالم أجمع.

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حمل العرب رسالة الإسلام إلى خارج الجزيرة العربية، ومع انتشار الإسلام انتشرت اللغة والثقافة العربية، وعلت مكانتها لدى الشعوب التي دخلت في نطاق الإسلام دينًا ومواطنة، فدخلت معظمها مرحلة (تَعَرُّب)، للضرورة الدينية أولًا، فهي لغة القرآن الكريم، ولغة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولغة التشريع الإسلامي، وللضرورة المدنية ثانيًا، فامتزاج ثقافات الشعوب التي انضوت تحت لواء الإسلام كان يتطلّب رابطة ولسانًا مشتركًا بين الجميع، وهو ما قدّمته اللغة العربية، التي أصبحت إطارًا ثقافيًّا مشتركًا، وكان لها دور رئيس في صياغة الهوية الحضارية للمسلمين على اختلاف مشاربهم. فبذلك هي حضارة عربية؛ لأنها عربية اللغة، كان للغة العربية المكانة العليا فيها، وإسلامية؛ لأنها انبثقت من المبادئ والقيم التي جاء بها الإسلام، وعلى رأسها المساواة، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

ومن المعلوم أن الحضارة الإسلامية لم تشيدها قومية واحدة، فقد اختلط العرب بغيرهم من الأمم التي دخلت الإسلام، وتفاعلت هذه الأمم التي جاءت من ثقافات متنوعة مع العرب وثقافتهم، وامتزجت معًا، وكوّنت أمة واحدة، وحضارة واحدة. وإسهام الشعوب المسلمة بما فيها العرب في الحضارة الإسلامية كان مصدرًا من مصادر قوتها واستمراريتها وتجذرها في المناطق التي انتشر فيها الإسلام، بما وفّره من إطار جامع توثقت في ظله الصلات بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى التي عاشت في تناغم وعطاء في ظل القيم الإسلامية وما وفرته من مناخ حيوي وبيئة داعمة للإبداع.

إسلامية الحضارة ليست قطيعة مع جذرها العربي

مولود عويمر – باحث جزائري

حضارتنا هي نتاج جهود الإنسان الذي عاش في فضائها الجغرافي الفسيح بغض النظر عن أصوله الإثنية، فالعلماء والفلاسفة والأدباء والمفكرون والقادة الذين بنوا هذه الحضارة كانوا ينتمون لأصول متعددة سواء كانت عربية أو غير عربية، مثل: الفرس والأتراك والبربر والصينيين والهنود والمغول؛ لذلك أنا أتكلم عن الحضارة الإسلامية وما انطلق من الجهد المبذول بعد ظهور رسالة الإسلام وما تبع تطوّرها في القرون التي جاءت من بعد، وشاركت في بنائها كل الإثنيات والقوميات والثقافات المختلفة، بينما أتحدث عن الحضارة العربية الإسلامية إذا وضعت أيضًا في الحسبان كل ما قدمه العرب في القرون السابقة للبعثة المحمدية، أو إذا اكتفيت بالنظر إلى اللغة التي أنتج بها كل هذا الرصيد الحضاري، وهي اللغة العربية، فلا شك أن للعرب حضارة سادت قبل ظهور الإسلام، ويكفي أن أشير هنا إلى مشهد من مشاهد التحضر، وهي الكتابة التي تعدّ مرحلة متقدمة في سيرورة التمدن والتقدم. فالعرب دوّنوا حياتهم الاجتماعية وتراثهم الثقافي والأدبي ونشاطاتهم الاقتصادية في نصوص نثرية وشعرية خلّدها التاريخ وما زالت تدرس إلى يومنا هذا.

اعتراف بالتنوع

غير أن ما عرفه العرب من ازدهار في مجالات مختلفة في العصور القادمة مثّل منعطفًا حاسمًا ومرحلة جديدة متطوّرة جدًّا في مسار حضارتهم. فليس هناك قطيعة تاريخية أو الاستهانة بدرجة تحضر العرب قبل الإسلام، وإنما هناك استمرارية تاريخية وتمدد في الزمن والمكان، وأدى هذا المجتمع الممتد والمنفتح والمتنوع إلى تحقيق هذا التراكم الحضاري الإنساني الذي مسّ كل مجالات حياة الناس.

ووصفها بالحضارة الإسلامية هو اعتراف بالتنوع الثقافي ضمن الوحدة الحضارية. هذه الثقافات المتعددة شكلت الروافد التي التقت في بحر الحضارة الإسلامية التي انطلقت في خطوتها الأولى من بلاد العرب، واختار المنتسبون لها اللغة العربية لسانًا لهم، فضلًا عن لغاتهم الأصلية، ومن ثم التحاق الشعوب المختلفة بمسيرة الدولة الإسلامية، والانتماء لحضارتها والإسهام في ترقيتها وتطويرها، قد قام على الرضا النفسي والقناعة الذهنية والدينية بتلك المنطلقات، ولم تقم على الضغط والقهر والغلبة، وهكذا كان الإقبال على تقديم قيم مضافة إلى هذه الحضارة -مثلما فعل سيبويه والبخاري والطبري والفارابي والخوارزمي والرازي والبيروني وابن سينا والزمخشري وابن معطي الزواوي…، والانتماء إليها مع المحافظة على بعض الخصوصيات الثقافية والدينية ـ دليلًا قاطعًا على اندماج كل تلك الشعوب والقوميات في هذه الحضارة الكبرى المشتركة.

والحضارة واحدة، لكن تصنيفها يختلف على حسب الزاوية التي يركز عليها الإنسان وفق حيثيات مختلفة، وقراءات متباينة لتراثها، وتأويلات للسياقات التاريخية التي رافقت المراحل المختلفة لتأسيسها وبنائها، ولا أرى في حضور واحد من التسميات أو مغالبة مصطلحات معينة على الأخرى ما ينقص من شمولية هذه الحضارة وعظمتها، أو ما يقلص من إسهاماتها الإنسانية في العصور السابقة.

تحدي الراهن والمستقبل

فالعالِم الذي كان ينتج فكره، أو الأديب الذي كان يؤلف كتبه، أو القائد الذي كان يفتح البلدان، أو يدافع عن الديار، كان يفعل كل هذا ضمن رؤية واضحة تتمثل في بناء حضارة واحدة تتسع لجميع المنتمين إليها شرقًا وغربًا، والتحدي القائم الآن هو استمرارية عطاء الحضارة العربية والإسلامية في الوقت الراهن وفي المستقبل بجوهر واحد بغض النظر عن تعدد أو اختلاف المظهر.

فالأوربيون على سبيل المثال رغم تعدد لغاتهم وأعراقهم واختلاف مذاهبهم الدينية وتنافسهم الاقتصادي الشديد فيما بينهم فإنهم يعدُّون أنفسهم أصحاب حضارة واحدة، ويتفقون على أن مواصلة تقدمهم وهيمنتهم التقنية والاقتصادية والثقافية لن تكون إلا في التكتل والعمل المشترك الموحد.

ولا شك أن الصراعات الأيديولوجية القائمة بين التيارات المختلفة الموجودة في العالم العربي والإسلامي، كانت وراء كل هذه الاختلافات في وجهات النظر حول قراءة التاريخ وتفسير مساراته وتصنيف التراث وتأويله، فهناك علماء ومفكرون حصروا الحضارة في بعدها اللغوي، فيفضلون دائمًا مصطلح الحضارة العربية؛ لأن اللغة العربية هي التي كانت لغة المبدعين والمكتشفين والمخترعين. وهناك من حصر القضية في العامل الجغرافي؛ لأنها ممتدة في فضاءات تقع خارج خريطة العالم العربي لتشمل مناطق شاسعة من آسيا الوسطى والجنوبية الشرقية، وجنوب أوربا وشمال إفريقيا، وغيرها، ومنهم من حصرها في العامل الديني، فيرى أنها قبل كل شيء هي حضارة إسلامية؛ إذ إن الإسلام هو روح هذه الحركة التاريخية ومحركها الدائم، ولكن هذه التسمية تُقصِي في نظر الذين يعارضونها فئات اجتماعية أخرى مثل المسيحيين واليهود الذين ساهموا بقسط وفير في بناء هذه الحضارة. فالأنسب إذًا هو جمع كل هذه الاعتبارات وتسمية حضارتنا بالحضارة العربية والإسلامية.

خلاف اصطلاحي

عبدالله الرشيد – شاعر وأكاديمي سعودي

يرفض بعضٌ تسمية «الحضارة الإسلامية» بهذا الاسم على اعتبار أن الحضارات في التاريخ عادة ما تسمى على اسم قوميتها، مثل الحضارة اليونانية، والفرعونية، والرومانية، والصينية… إلخ، ولكن في حالة وصف تلك المدة الزاهية في العصر الذهبي في تاريخ العرب والمسلمين فإن الاسم الشائع هو «الحضارة الإسلامية» وليس «الحضارة العربية» ويدور ويطول الخلاف بين الطرفين، من يرى أن تسميتها بالحضارة العربية هي الأصح، ومن يرى أن الأصوب هو الحضارة الإسلامية. ومن وجهة نظري أن الخلاف اصطلاحي ولا مشاحة في الاصطلاح، وكل طرف ينظر للموضوع من زاوية تدفعه لاختيار هذا الاسم أو ذاك.

لكن لو تأملنا مصطلح «الحضارة العربية» لوجدنا أنه يختلف عن «الحضارة الإسلامية» وكل وصف له خصائصه بحيث يحتوي على عناصر وحقب وأزمنة لا يمكن إدخالها في الاسم الآخر. فالحضارة العربية إذا أخذنا هذا الاسم بشموله يمكن أن يشمل حضارات العرب قبل الإسلام، وممالكهم القديمة، كحضارة الأنباط وممالك اليمن، ومملكة دومة الجندل، ومملكة كندة ونحوها، وهي حضارات عربية قديمة ذات طابع مدني أصيل، ويصح أن نطلق عليها «حضارة عربية»، لكنها بالطبع ليست ضمن الحقبة الإسلامية، في حين أن هذه الحضارة العربية تمتد عبر التاريخ، لكن أصبح لها بعد ذلك هوية جامعة جديدة هي الإسلام، ورسالة القرآن، فأصبح ذلك عماد النهضة الحضارية الجديدة للعرب، في عصر الخلافة الراشدة والدولة الأموية والعباسية التي كانت دولًا عربية، وشهدت نهضة وحضارة عالمية كبرى كان عمادها ومحورها «العربية والإسلام». ولذلك يصح أن نطلق على تلك المدة وصفًا أدق هو «الحضارة العربية الإسلامية».

بعد ذلك ظهرت دول وممالك وشعوب في آسيا والهند والصين وغيرها، لهم إسهام وحضور في الثقافة الإسلامية، لكن لم يكونوا عربًا، ولغتهم لم تكن عربية؛ لذلك كان الوصف الأفضل هو «الحضارة الإسلامية» لأنه يشمل النهضة الحضارية الكبرى التي انطلقت بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان من أهم خصائصها أنها عالمية، ولم تكون قومية محصورة في عرق معين، بل منفتحة بشكل كبير على الأمم والشعوب والأعراق، الذين دخلوا في دين الإسلام، ثم أصبحوا لاحقًا من أهم الفاعلين والمؤثرين.

والتسمية بـ«الحضارة الإسلامية» لا يعني أبدًا إلغاء دور العرب، أو تجاهل أثرهم، بل العكس، فاللغة العربية هي جوهر أصيل في عمق الإسلام، والقرآن جاء بلسان عربي مبين، ولا غنى لأي مسلم في أي مكان من أصقاع الأرض من تعلم لو نزر يسير من اللغة العربية يقيم بها صلواته الخمس في اليوم والليلة.


حضارة أنصفها أعداؤها

سميرة بنت سالم السعيدي – أكاديمية سعودية

حينما يبحث غير المتخصص في ناحية من النواحي الحضارية في الحضارة العربية الإسلامية، فإنه قلّما يجد في مصادر تلك الحقبة التفصيل في ذكر العلماء وذكر أصولهم وأعراقهم، بقدر ما هو اهتمام بمنجزاتهم، وتراثهم الحضاري الذي ساهموا من خلاله في بناء حضارة أنارت العالم وكانت الناقل لبعض الحضارات القديمة، والمطوّرة والمنقحة لبعضها الآخر.

الجدل الدائر في الأوساط الاجتماعية والثقافية في أهمية تأصيل هذه الحضارة التي أنصفها أعداؤها منذ زمن بعيد، وإن خرج منكرٌ لها بين الحين والآخر، إلا أن ذلك لا ينفي أثرها وتأثيرها، هذا الجدل الذي يسعى للفوز بتفريق نظرة الحضارة الإسلامية الشاملة، تلك الحضارة التي بُنبت على مبادئ قوية من التجريب والتثبت، مدعومة بتوجيهات ربانية بأهمية العلم وأجر العامل فيه، والتي قّلما نجد في أي حضارة أخرى هذا الأثر الواضح الجلي والارتباط الديني في شتى فروع علومها. فالعلم بالمعنى الإسلامي كما يقول الدكتور حسن الشرقاوي «كالماء والهواء يجب ألا يحجر، بل على كل من تعلم علمًا أن يعلمه للآخرين سواء كان ذلك الآخر عربيًّا أو غير عربي».

إن تشجيع العرب للعلم انطلق من إعجابهم بما رأوه من علوم الشعوب السابقة، ودفعهم لهذا النبوغ الإطار الديني الذي حرص من خلاله المسلمون على تتبع الحقيقة في كل ما يقومون به، وإحسان التعامل مع المسلم وغير المسلم ما دام يقدم نفعًا للإنسانية، هذا التسامح الذي أعطى مساحة لاندماج غير العرب في هذه الحضارة والتأثير والتأثر بها، فنجد تنافسًا جميلًا بين علماء اللغة من العرب وغير العرب أخرج لنا المدارس النحوية على سبيل المثال، ونرى تأثير العمارة العربية واندماجها مع أنواع العمارة غير العربية التي أخرجت لنا فنًّا متفردًا متميزًا بهويته تحت اسم العمارة الإسلامية.

إن وصف الحضارة العربية الإسلامية بكونها إسلامية، لا يُلغي حقيقة أنها بدأت من جزيرة العرب، ولا يعني ارتباطها بالعرب أن أي قوة سياسية تستطيع بناء حضارة وإلا كما قال غوستاف لوبون «لماذا عجز البربر وهم من ورثوا حضارة الرومان من إقامة حضارة بعدها».

من الطبيعي أن تؤثر هذه الحضارة العربية في جميع البلاد التي اعتنقت الدين الإسلامي ولا سيما ونحن نرى تأثير هذه الحضارة في غير المسلمين، وهو ما يعني أن ما خلفته هذه الحضارة العربية ليس بسبب ارتباطها بالإسلام فقط، بل بقدرة اندماجها مع الحضارات السابقة وأثرها الواضح الباقي في الحضارة العالمية حتى وقتنا الحاضر. وليس أدل على ذلك من شهادة زيغريد هونكه عندما كشفت إعجاب البابا سلفستروس الثاني الذي كان يجيد العربية تحدثًا واتخذ الأرقام العربية وسيلة حسابية له.

وخلاصة القول: إن حصر الحضارة الإسلامية بكونها عربية يجردها من عالميتها التي نفتخر بها كعرب، نعم منطلق الحضارة الإسلامية هي حضارة عربية، ولكنها أثرت وتأثرت حتى باتت حضارة عالمية شارك في صناعتها العرب وغير العرب من المسلمين وغير المسلمين من يهود ونصارى أيضًا.

close

مرحبا 👋

قم بالتسجيل في النشرة البريدية لتتوصل بجديد مقالات منصة "بالعربية"، كل أسبوع.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

مجلة الفيصل

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات