أخبار ومتابعاتشعر

لجنة تحكيم جائزة “كوستا” تقع في حب “الفتيان”

هل تصلح السوناتة التي انتشرت في العصور الوسطى، وكتبها كبار الشعراء، قالبًا للشعر المعاصر؟ سؤال تجيب عليه مجموعة السوناتات الحديثة المستوحاة من فترة تدريس الشاعرة، هانا لوي، خلال عقد من الزمن في مدرسة داخلية بلندن، والتي فازت بجائزة “كوستا” للشعر في الشهر الماضي، ضمن فئاتها الخمس، بما قيمته 5000 جنيه إسترليني، قبل أن تتغلب على الكتب الفائزة منذ أيام، وتقتنص جائزة الكتاب لهذا العام البالغة قيمتها 30 ألف جنيه إسترليني.


  • تجربتي الفريدة في التعليم والتعلم

لا أحد يختلف مع حقيقة أن التدريس مهنة شاقة، غير أن التعامل مع الفتيان التلامذة يتخلله كثير من التعويضات بوسعها أن تخفف من تلك المشقة إلى حدها الأدنى، سيما لو كان المدرس شاعرًا في المقام الأول، كما هي الحال مع هانا لوي.

بدأت لوي في كتابة هذه القصائد منذ حوالي خمس سنوات، بعد أن تركت الصف السادس الذي كانت تدرس له، ومرت بفترة عميقة من التفكير، أدركت خلالها أن دورها كمتعلمة من تلاميذها يكاد يتفوّق على دورها كمعلمة، تقول لوي: “أدركت أنني تعلمت كثيرًا من هؤلاء الفتيان، إلى درجة أنني عرفت أمورًا شخصية، وقضايا عامة وسياسية تتعلق بمشاعر الانتماء، أو عدمه، والطبقة الاجتماعية، والجنس؛ وبدأت أفكر في كيفية تأثير كل هذا على إحساسي بالهوية”.

 

السوناتات البالغ عددها 66 قصيدة تقدم لمحة رائعة عن تجربة لوي في تدريس اللغة الإنكليزية في المستوى السادس في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث كان معظم تلاميذها من الأقليات، وقصيدة واحدة بعنوان “الفتى الإنكليزي الوحيد”.

كما تتضمن قصيدة لفتاة أخرى ظلت عدوانية لأشهر عديدة، “التبختر في المشية ببطء، مصمصة الشفاه، العينان المتدحرجتان”، حتى اكتشفت أن والد لوي “نصف جامايكي، ونصف صيني”. وتستنج لوي أن “بشرتها البيضاء” تسببت في كثير من “التشويش والفوضى”، لأنه بعد ذلك أصبحت تلك الفتاة “ألطف”.

هنالك أيضًا بعض القصائد الجريئة والمربكة، في قصيدة تأخذ تلاميذها لمشاهدة فيلم “ملاحظات حول فضيحة”، بطولة كيت بلانشيت؛ المعلمة التي تخوض في علاقة مع أحد تلاميذها. وفي قصيدة أخرى بعنوان “طالب”، تحدثنا عن تلميذ “يشعل شعلة صغيرة” كلما لوَّح لها.


  • وجوه متعددة لشخص واحد

قسمت لوي ديوانها إلى ثلاثة أقسام لا تبدو منفصلة عن بعضها، على الرغم من أن أحدها يتناول تجربتها في التدريس، راصدًا الارتفاعات والانخفاضات في تعليم اللغة الإنكليزية من المستوى الأول، وطارحًا مجموعة من الصور الخيالية لبعض طلابها المراهقين: “يعلق الملل كسحابة منخفضة في الفصل/ كل صفحة نقرأها خطوة للصعود لأعلى جبل/ بأحذية ملتصقة”.

وفي الآخر، تتأمل أيامها كطالبة في المدرسة بسطور لا تُنسى عن رغبة المراهق، تقول في فن التدريس 2: “حتى وجه الساعة مؤلم/ ونعم، أنا متأكدة الآن، أنها تدق على نحوٍ أبطأ. إذا كان للكآبة صوتٌ، فهو صوت ليرو وهو يقرأ فرانكشتاين بحدة”.

القسم الثالث من ديوان لوي الذي ينبض بالحياة مجددًا في السوناتة التي أقرها شكسبير، يدور حول تجربة الأمومة وانفصالها عن زوجها.

وصفت لجنة التحكيم ديوان “الفتيان” بأنه “الكتاب الذي وقعوا في حبه”، وقالت عنه ريتا تشاكرابارتي، الصحافية والمذيعة في “بي. بي. سي” نيوز، ورئيسة اللجنة: “إنه ممتع، يتسم بالدفء والعالمية، كنا نبحث عن الكتاب الأكثر إمتاعًا، والذي يسهل الوصول إليه، ونرغب في نقله إلى الآخرين، وكان الفائز، بالنسبة لنا، هذا الذي تحدث بشكل مباشر جدًا إلينا جميعًا، بطابعه العالمي، وطريقته البسيطة، فقد ذهبنا جميعًا إلى المدرسة”.

تعتقد تشاكرابارتي أن بعض الناس قد يجدون الشعر مخيفًا بعض الشيء. فهم يظنون أنهم لن يتمكنوا من مواصلة قراءته، “لكن مجموعة لوي” مباشرة للغاية، ومركزة جدًا، وتتعلق بكل شيء، بالحب والحزن، بالحاضر والماضي، بالتعليم والتعلم، بالأمومة والأبوة والعزوبية، بطريقة ذكية جدًا، ومضحكة للغاية في بعض الأحيان، وبهذا المعنى فإن ديوان لوي يبعث على الارتياح.

ريتا تشاكرابارتي (يسار)، وهانا لوي، على خشبة المسرح خلال حفل توزيع الجوائز في بان باسيفيك/ لندن (1/ 2/ 2022/Getty)

 

عندما قرأته تشاكرابارتي لأول مرة، فكرت، “يا إلهي، لم أقرأ أي شيء كهذا من قبل.. إنه شعر مكتوب في شكل السوناتة، غير أنه حديث للغاية، وملح لدرجة أنك لا تشعر أحيانًا أنك تقرأ الشعر. بل تستمع إلى حديث موجه إليك”.

وتصرح بأن المداولات النهائية استغرقت ساعات عدة: “لقد وجدنا حقًا أنه قرار صعب، لأن الأعمال الخمسة كانت رائعة جدًا. غير أن كتاب لوي حقق كل ما تتوخاه الجائزة في الكتاب الفائز، فهو يتحدث عن اللحظة، ولكنه أيضًا خالٍ من الزمن. لذا تعتقد الهيئة المانحة للجائزة أن هذا الديوان سيظل يقرأ لفترة طويلة، وقد يضاف إلى الكلاسيكيات ’لأنه يستحق ذلك تمامًا’”.


  • التجديد داخل الشكل

تعود السوناتة، بسطورها الأربعة عشر، ونظام القافية الصارمة، إلى القرن الثالث عشر، مع شعر الغزل والحب العذري، الذي ساد عند شعراء ملوك صقلية، تأثرًا بشعراء التروبادور في جنوب فرنسا. وانتشرت بعد ذلك في باقي أوروبا.

ولكن في هذه المجموعة، تأخذنا لوي إلى أماكن غير متوقعة، فهي ترى أن السوناتات لها “طاقة خاصة”، والاضطرار إلى ملاءمة هيكل “يدفع بخيالك إلى مكان جديد… في كثير من الأحيان ستجد نفسك تتجاوز الذاكرة، وتتجاوز الحقيقة الموثقة”.

في حديثها في حفل توزيع الجوائز، ليلة الثلاثاء، الأول من فبراير/ شباط، قالت لوي إنها شعرت “بالسعادة والراحة” لفوزها بجائزة “كوستا” لكتاب العام، وأن ديوانها الفائز “عبارة عن أغنية حب إلى حد كبير للشباب والأطفال الذين علمتهم، والذين علموني كثيرًا… إنه أيضًا عن أساتذتي.

ومرة أخرى، تقديري العميق وشكري لكل من علمني، سواء في تعليمي الرسمي، أو غير الرسمي”. توجهت لوي بالشكر أيضًا إلى ابنها روري، فهو الذي “يتعلم عن العالم، ويعلمني كل يوم، وهو القلب المطلق لهذا الكتاب”.

أما عن الشكل الذي اختارته لعملها الثالث، فقد بدت السوناتة بالنسبة لها الأكثر مناسبة لهذه القصائد، “اضطررت في كثير من الأحيان إلى تدريسها… بدأت في كتابة الشعر لأنني كنت أتحمس له من خلال تعليمه، وأحسست أحيانًا أنني الوحيدة التي تتحمس لدروسها… ولهذا السبب، بطريقة ما، كان من المنطقي بالنسبة لي أن أكتب بعد ذلك عن التدريس”.

رشحت لوي، التي ولدت في إلفورد لأم إنكليزية وأب جامايكي صيني، إلى القائمة المختصرة لجوائز فوروارد عن مجموعتها الأولى “كتكوت” (2013). كما تم ترشيح ديوانها الفائز لجائزة إليوت للشعر 2021. وهذا الفوز هو الثاني خلال خمس سنوات لناشرها “بلوداكس للكتب”، الذي سبق أن حصل على جائزة “كوستا” الأولى في عام 2017، عن مجموعة هيلين دنمور “داخل الموجة” بعد وفاتها.

تعد جوائز “كوستا” للكتاب من بين أعرق جوائز الكتاب، فهي واحدة من أكثر جوائز الكتب شهرة وشعبية في المملكة المتحدة. على مدى ما يقرب من خمسين عامًا، سعت إلى تكريم أكثر الكتب إمتاعًا للمؤلفين المقيمين في المملكة المتحدة وأيرلندا.

وهي تمنح جوائزها على مرتين، 5000 استرليني لخمس كتب في أنواع مختلفة تتصارع في ما بينها لاختيار الكتاب الفائز النهائي بكتاب العام.

وخلال تلك الفترة فازت الرواية بالجائزة 13 مرة، وخمس مرات للرواية الأولى، وثماني مرات للسيرة الذاتية، وتسع مرات لدواوين شعرية، ومرتين لكتب الأطفال، وكانت جائزة العام الماضي من نصيب مونيك روفي، عن روايتها الفنتازية “حورية جزيرة بلاك كونش”.


ضفة ثالثة

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى