رحيل إلياس فركوح.. أبدع بإحساس مُفعم بالحياة

 

غياب المبدعين الكبار عن عالمنا يترك ألمًا وأوجاعًا تستوطن النفس سنوات طويلة، فهو بمثابة غياب للجسد والحضور الفاعل في الكتابة، ولكنه لا ينتقص من سمة الخلود للفن والإبداع الجميل، إذا كان هذا الفن والإبداع نابعًا من إحساس مفعم بالحياة، ومعبّرًا عن إنسانيتا في أرقى صورها.
يرحل إلياس فركوح (72 عامًا) الروائي والقاص والمترجم وصاحب دار أزمنة، الذي توفي أمس الأربعاء، كما رحل الكثيرون من المبدعين الأردنيين، الذين حققوا شهرة واسعة عربيًا وربما عالميًا، وشكّلوا محطات فارقة في مسيرة الإبداع الأردني، بدءًا من عرار، مؤسس الشعر المتمرد والمنحاز للفقراء والمعذبين في الأرض، الذي اتخذ من عالم (النَوَر) مرتكزًا في قصائده، مرورًا بأمجد ناصر والكتابة الشعرية المغايرة للواقع، وتجريبه المعمّق في قصيدة النثر، وبأولى التجارب الروائية الناضجة تيسير سبول، وانفتحت الرواية على أفق أوسع بمؤنس الرزاز وجمال ناجي وإلياس فركوح، وبالمتربع على كرسي القصة القصيرة جمال أبو حمدان، وهناك تجارب تتوازى أو تتقاطع مع كل هؤلاء لمبدعين راحلين عنّا، ولا يتسع المجال لذكر أسمائهم.
كان لقائي الأولى بإلياس فركوح عام 1987 لقاء مفعمًا بالحيوية والعطاء والإبداع، في دار منارات التي أسسها مع الشاعر طاهر رياض، قبل مغادرتي عمان إلى القاهرة، وأجريت معه حوارًا مطولًا نُشر في جريدة “الدستور” الأردنية لاحقًا، وقتما كان مدير الدائرة الثقافية في الدستور الدكتور نبيل الشريف.
وللحق كان إلياس فركوح وما زال أحد أهم القاصين في الأردن، فقد كتب القصة منذ مدة طويلة، وانشغل بكتابة النص المفترق بخصوصيته البنيوية عن المقالة وعن الشعر وعن باقي الأجناس الأدبية المعروفة، وانشغل بالترجمة وله باع في هذا المجال. ومن خلال قِراءتنا لقصصه ورواياته نجد لديه اكتراثًا كبيرًا باللغة، حتى أنها تكاد تشكل أزمة في آلية الكتابة فيما أظن، وكثيرًا ما ينصرف الذهـن إلى التركيـب اللغوي في أعماله دون غيره، وقد تكون أزمة الكاتب مع اللغة بالذات إحدى أهم مميزاته، ولكنها تبدو مشكلة لدى القاص أو الروائي عمومًا.
مَنْ يقرأ روايته “قامات الزبد”، ثمة عالم يتهاوى، والرواية إلى حد كبير قد تنتمي إلى رواية وجهات النظر (تعدد زوايا الحكي)، وبهذا يتقاطع عمله مع كثير من الروايات التي أنتجت بعد هزيمة 1967، حيث البرجوازية الصغيرة الوطنية والإحباطات الشخصية والأيديولوجية والوطنية داخل أتون الانهيار العام للواقع الذي عاينه كما عاينه غيره، أمثال عبد الرحمن منيف في “شرق المتوسط”، وهاني الراهب في “شرخ في جدار طويل”.. إلخ. وبما أن الرواية ملحمة البرجوازية في هذا العصر، كما يرى لوكاش وكذلك تلميذه لوسيان غولدمان، فالسؤال المطروح: لماذا هذا التركيز على الانهيار دون غيره، على الإحباط، القمع، التشتت، اختفاء الرؤيا؟ وهذا يتمثل في “قامات الزبد”، والتي كُتبت بعد وقت طويل من انهيار بيروت كعاصمة للثقافة العربية، وهي ترتبط بتجربته الحياتية الشخصية.
وجاءت رواية “أرض اليمبوس” من ضمن الروايات المتقدمة في جائزة “البوكر العربية”، وهي رواية تجاوزت رواياته السابقة في بنائها ولغتها وسرديتها، وكما علقت لجنة التحكيم على “أرض اليمبوس”: “فإن فركوح قد وحّد فيها بنية السيرة الذاتية لإنسان محدد الهوية والانتماء، وسيرة الإنسان المغترب بشكل عام، متحدثا عن سطوة الزمن وهشاشة الإنسان وقوته، بلغة مشرقة نضرة، مدرجًا في العمل مجموعة من الأصوات المتنوعة”.
  • موقعه في الكتابة

طرحت على إلياس فركوح سؤالًا عن موقعه الأثير في الكتابة، بدءًا من القصة القصيرة، ثم الرواية، وانشغاله أيضًا بالنصّ المفتوح وبالترجمة، فقال: “أنا في كل ما ذكرت. في القصة القصيرة والرواية. في النصّ المنفلت من حدود النوع أو الجنس، كما في الترجمة. غير أن الأرضية الأساسية التي أجدها مناسبة لي لممارسة أعلى نسبة من وجودي، متمثلًا في الكتابة، هي أرضية القصة والرواية. فمن خلال هذين النوعين الأدبيين أعمل على إنجاز كل من “هوية” القول و”فنيته”، ضمن مناخات السرد القصصي والروائي، محاولًا أن أكون أنا حقًا. ببصماتٍ تفارق بصمات الآخرين من القاصين والروائيين”.
ومما قاله أيضًا ببساطة:

إنّ طموح التميّز المشروع لدى أي كاتب ينصبُّ، عندي، في القصة والرواية. ولكن، هل معنى هذا أن “الانجلاء الكُلي” لكاتب ما يمكن حصره في نوع أو نوعين من أنواع الكتابة؟  أي: هل بالإمكان أن يكشف الكاتب عن كل ملامحه في كتابةٍ واحدة من حيث النوع؟ إنها مسألة إشكالية إلى حدٍ ما، كما أنها قضية نسبية أيضًا، تختلف في معطياتها وفقًا لممارسات تختلف عن هذا الكاتب أو ذاك.

ففي الوقت الذي اكتفينا فيه برسم “كُليّة” كافكا من خلال رواياته وقصصه القصيرة ورسائله، نجد أن كاتبًا مثل أندريه مالرو ما زال عدم الاكتمال يكتنف شخصيته، رغم تعدد كتاباته الروائية الإبداعية، ودراساته وأبحاثه، ومقالاته في النقد التشكيلي، وحتى نسيج حياته خارج مدارات الكتابة، والمتصفة بالاكتشاف المغامر، أو مغامرة الاكتشـاف.

وفي حين عَبّر شاعر  مثـل لوركا عن نفسه من خلال القصيدة والمسرحية، نعثر على آخر هو أوكتافيو باث يلجأ إلى المقالة المكتنزة بكل العمق الفلسفي، والنقدي، والأدبي، والمعرفي الشامل، بحيث نكاد نضعه في مصاف الفلاسفة بالإضافة إلى كونه أحد أهم الشعراء المعاصرين التجريبيين في لغته وعلى صعيد كوني. إذًا، ثمة شواهد تدلنا على إمكانية أن يكون النوع الأدبي الواحد كافيًا يستوعب كُليّة كاتب ما، في وقت لا يتّسع أكثر من نوع لتجلية كُليّة كاتب آخر.

تخططُ كتابة النصّ، عندي، تشكيلًا فرعيًا يكتفي بنفسه أحيانًا، أو يُمهدُ الطريق لتفتقِ قصة جديدة في أحيان أخرى. ولا أخفيك بأن أكثر من نص تمت كتابته قد تسرب في ثنايا رواية “قامات الزبد”، وكوّن مشهدًا فيها أو محورًا. فالنصّ وليد حالة كتابية تجيء من تلقائها، ولا تسعى لأن تنتهي إلى الركود ضمن إطار نوع أدبي محدد يكون في الغالب خاضعًا لتخطيط مُسبق يرى البدايات ويرسم نهاياتها وإنْ على نحوٍ ضبابي .

أما الترجمة فليست عندي أكثر من إعلان عن تذوقي وإعجابي بقصة قرأتها وأنِسْتُ فيها ذاك الشيء الذي أتوقُ إلى أن يشاركني فيه الآخرون. وربما هي تعبرُ عن ذاتيتي حيال ما أقرأ بشكل ما.

وهكذا فأنتَ ترى أنني في كل من القصة والرواية، وفي النصّ والترجمة. إنها أشكال التعبير في ذاتٍ واحدة تسعى لأن تحقق بعض وجودها عَبر خِضم الكلمات المكتوبة، في زمنٍ باتَ فيه الكلام الشفهي مفرغًا من معانيه ودلالاته.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!