عن تمرحل ظاهرة التصوف وتطورها: – 8 –

 

  • التصوف فى طوره الفلسفي :

وحدة الوجود :

قبل الشروع فى الحديث عن موضوع وحدة الوجود، عند محي الدين بن عربي، ألتمس من السادة القراء السماح لي بالعودة، سريعاً إلى موضوع التصوف الإشراقي، إذ عند مراجعتي للمقال السابق، تكشف لي أنني لم أوف الموضوع حقه، بالشكل الذي يرضيني ، إذ بدا لي المقال جافاً و مغرقاً في التاريخية، وهذا نقد ذاتي أقدمه للقارئ الكريم ، مدفوعاً بما أكنه له من احترام وتقدير بالغيْن، يحدوني أمل كبير فى أن السادة القراء سيغفرون لي زلتي ويقيلون عثرتي، معولاً فى هذا على سعة صدورهم ورحابة نفوسهم، فشكراً لهم على كبير الاهتمام وطيب المتابعة.

كنا قد بينا من خلال تتبعنا لظاهرة التصوف، أن الظواهر لا تهبط من السماء ولا تنبجس من الأرض، ولا تُقبل محمولة على أجنحة الملائكة، بل تتمرحل وتتطور، بذرة، فزهرة فثمرة، والتصوف الإشراقي لا يمثل أدنى استثناء من هذه القاعدة، فمن خلال تتبعنا للتصوف الإشراقي؛ وقعنا على نص منسوب لعمرو بن عثمان المكي من متصوفة القرن الثالث_الرابع الهجريين، يعد بمثابة البذرة الأولى، لموضوع الإشراق فى التصوف، لذا أدعوك عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، إلى مطالعة هذا النص، حيث يقول عمرو بن عثمان “ إن الله تعالى يورد فى صفاء الأوهام، كمثل لاوامع البرق، بعضها فى أثر بعض، ويبدي ذلك، لقلوب أوليائه، بلا توهم بأصل، ما عقدت عليه القلوب من التصديق والإيمان بالغيب، وما بدا للقلوب لوامعه من زيادة النور، حتى لا يمكن للنفوس توهم ذلك النور فى صفاء الأوهام“.

وكنا قد ذكرنا أن الإشراق عند السهروردي، يقول بأن النور مبدأ لوجود العالم بكامله، يفيض أولاً من نور الأنوار (الذات الإلهية) ثم يهبط درجة فدرجة، وكل درجة هي وجود نوراني، فإذا بلغ الدرجة الجرمية عالم الأجسام، تضاءل النور حتى يصل إلى درجة الإضمحلال.
وللإنصاف نقول؛ إنه ليس فى إشراقية السهروردي صراع بين النور و الظلام، كما هو الحال فى الزرادشتية والمانوية، بل عنده شيء واحد نور وعدم نور، النور من حيث هو مبدأ للحقيقة التي هي غاية المعرفة، وهنا يتجلى أثر الأرضية اللاهوتية الإسلامية القائمة على فكرة التوحيد.

فى هذا العالم الإشراقي؛ توجد حركة مزدوجة، صاعدة: تمثل فعل المشاهدة، وهابطة: تمثل فعل الإشراق
على أن هذا الإبصار وهذه المشاهدة، ليست تلك المشاهدة الحسية، فهي تجعل حتى الوظيفة العضوية المادية للعين خاضعة للإشراقات الروحية، وهنا تبرز من جديد الأرضية اللاهوتية الإسلامية، فالله مُطلَق لا يُعرف بالحواس.

والآن؛ يمكننا البدء فى الحديث عن نظرية وحدة الوجود التي اقترنت فى الأدبيات الصوفية باسم محي الدين بن عربي، وعلى ذات المنوال نقرر أن لهذا المصطلح _وحدة الوجود _ بذور سابقة على عهد محي الدين بن عربي، إلا أنه على يديه أصبح لهذا المصطلح مضموناً جديداً، هذا المضمون يتمثل فى محاولة الجمع بين الوحدة المطلقة للذات الإلهية، وعدم انفصالها عن العالم، وهي بلا شك محاولة شديدة الجرأة، إذ كانت وحدة الوجود، يتم الحديث عنها باحتراس شديد أو تقابل بالرفض القاطع فى القرون التي سبقت عهد ابن عربي، لأسباب عديدة، منها العقيدة الفكرية الرسمية للدولة، ويمكن إرجاع ذلك أيضاً إلى أن الفكرة ذاتها، فى العصور التي سبقت عصر محي الدين بن عربي لم تكن قد بلغت من النضج مبلغاً يجعلها تعبر عن نفسها بالقوة الكافية ، أو بسبب الخوف من الإضطهاد والتتبع والمطاردة.

وفيما يخص مضمون وحدة الوجود عند ابن عربي، نقرر أولاً أنه انطلق من قاعدة التوحيد، كما كانت عند سابقيه من الصوفية، إلا أنه وجد الحل للمأزق الصوفي فى الجمع بين التوحيد والتنزيه المطلق لله؛ ووحدة الوجود فى الفصل بين الذات الإلهية وأسمائها الحسنى، فاللذات تعاليها المطلق وانفصالها عن العالم وللأسماء اتصالها مع العالم ممثلة لمبدأ وحدة الوجود.

فعنده؛ شاء الله أن تتجلى حكمته فى كلمة، فكانت الإنسان، فهو _ الإنسان _ يمثل الصلة بين الله والعالم، لكن هذا التجلي ليس صادراً عن ذات الله المتعالية المنزهة، وإنما صادراً عن أسماه، وكان ذلك لأن الله شاء أن يرى أسماءه التي أطلقها على نفسه ممثلة بأعيانها فى الوجود، ليظهر بها سره أمام نفسه، لأن رؤيته لنفسه بنفسه ليست كرؤيته لها فى مرآة هذا الوجود. فهو أوجد العالم عن طريق أسمائه لا عن طريق ذاته.

من المؤكد أن هناك موضوعات تتصل بنظرية وحدة الوجود، كمفهوم الإنسان الكامل والعلاقة بين الكليات والخواص، وغيرها، لكنني لن أمل من الإلحاف على فكرة أنني أكتب عن تمرحل ظاهرة التصوف وتطورها، وأثر الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية فى بلورتها، لا عن التصوف فى حد ذاته من حيث كونه نظريات فلسفية، لذا أعرج على النظريات سريعا فقط.

بقى أن نؤكد فى ختام الحديث عن التصوف فى طوره الفلسفي،بل فى ختام الحديث عن تمرحل ظاهرة التصوف وتطورها ،أن التصوف السلوكي والنظري_ الفلسفي ،كان يتجه فى البداية باتجاه الخروج على مركزية الخليفة _فكرة الولاية_ وعلى مركزية السلطة الدينية _فكرة الظاهر والباطن _ وإلغاء الوسطاء بين الخالق والمخلوق، وذلك فى عهد سلطة الخلافة المركزية، ومع الضعف الذي دب فى أوصال الدولة خلال العصر العباسي الثاني وظهور الدول المستقلة، وتوزع السلطة بين الأمراء والقادة والأثرياء، يبدأ التصوف فى الأخذ بمبدأ تعدد الوسائط كما هو بادٍ فى الفلسفة الإشراقية. وهذا مرتبط بشكل أو بآخر بالواقع السياسي والاجتماعي والثقافي.

كما بقى أن نُقرر أن هذه الثورية الكامنة فى ظاهرة التصوف لم تتمخض فى النهاية عن أي فعل إيجابي، إذ ظلت ظاهرة التصوف حبيسة أبراج المستحيل.

مما لا شك فيه؛ أن هذا الفكر حمل وحده، علامة شارة الانتفاض والتمرد على الصيغة اللاهوتية الرسمية.
وتحمل المتصوفة جراء ذلك صنوف التتبع والاضطهاد والاتهام بالزندقة والكفر لا لتمردهم على تلك على اللاهوت الرسمي أو الدين، بل لمحاولتهم صياغة أرضية فكرية، تواجه أرضية الدولة، فكان الخروج على الدين هو الستار الذي تختفي خلفه تلك الحقيقة، والدليل على ذلك الاستهتار والتخفف الشديدين من أحكام الإسلام فى تلك القرون، دون أن ينكر ذلك منكر.

وأخيراً؛ نجد أنه من المفيد الإشارة سريعاً إلى الطرق الصوفية، بدء التصوف سلوكياً وحركياً، ثم تطور فلسفياً ونظرياً، فكانت هذه السلوكية الحركية إلى جانب الفلسفي النظري؛ يعبران عن التصوف الحقيقي، ولكن بمضي الوقت، شحب الوجه الفلسفي النظري وبقي الوجه الحركي الذي انتهى إلى نُظم وطقوس شكلية وحركات “بهلوانية ” فرغت الحركة من أي مضمون، فكري أو فلسفي أو كفاحي.

والله أعلم.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!