مفهوم القطيعة الإبستمولوجية (عن أوراق باشلارية)

 

يعتبر مفهوم القطيعة الإبستمولوجية مفهوما أساسيا عند الإبستمولوجيين، بما فيهم باشلار الذي بنى تصوره لتاريخ العلوم – إذا اقتصرنا على الإبستمولوجيا الفرانكوفونية التي يتزعمها باشلار نفسه- على هذا المفهوم بجانب مفهوم العائق الإبستمولوجي ومفهوم الجدل. وهو مفهوم يعبر في نظره عن فترات الانتقال الكيفي في تطور العلوم . فبقدر ما تحدث تلك الكيفية بقدر ما تحدث قطيعة ابستمولوجية بين الفكر العلمي الجديد والفكر السابق له. ويأتي هذا التصور ضدا على نظرية الاستمرارية كما نجدها عند مايرسون وآخرين (1) .

إذ يذهب القول بالاستمرارية على مستويين : المستوى الأول يقصد به الاستمرار من التفكير العامي الى التفكير العلمي. والمستوى الثاني يقصد به الاستمرار بين الفكر العلمي الجديد والفكر العلمي السابق عنه .
أما باشلار، فهو يقول إن في تاريخ العلوم قفزات كيفية ينتقل بفضلها إلى نظريات جديدة ، لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد استمرار للفكر السابق. فبقدر ما تتحقق تلك القفزات الكيفية ، بقدر ما تتحقق قطيعة ابستمولوجية بين الفكر العلمي والمعرفة العامية (2).

300×250 Banner

ويصنف باشلار مفهوم القطيعة الإبستمولوجية الى مستويين :
– المستوى الأول تكون فيه القطيعة بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية.

– المستوى الثاني تكون فيه القطيعة بين النظريات العلمية الجديدة والنظريات العلمية السابقة عنها.

  • بعض مظاهر المستوى الأول

ففي نظر دعاة الاستمرارية إن تاريخ العلوم هو جزء لايتجزأ من التاريخ العام ،ومنه أن العلوم المعاصرة لها أصول قديمة انبثق منها ولو بصفة بطيئة( العلم له أسلاف )، إلا أن هذا القول لا يطابق في نظر باشلار واقع المعرفة المعاصر .وخلاصة القول إن علاقة المعرفة العامة والمعرفة العلمية هي علاقة انفصال ، قطيعة ابستمولوجية بين ماقبل وما بعد ( فالمصباح الكهربائي الذي اكتشفه أديسون ليس استمرارا للمصباح العادي والتقليدي ،بل هناك انفصال بين المصباحين ).

– ففي علم الفلك قطع كوبرنيك مع كوسموس أرسطو ومع كوسموس بطليموس والقطيعة هنا قطيعة انفصال تام ، يصل الى حد اللاعودة بين ما بين وبين . لماذا ؟ لأن فلك كوبرنيك ( معرفة علمية)وكوسموس أرسطو و بطليموس ليس بعلم ، فالعلم بمفهومه الحديث لم يظهر الا في القرن السابع عشر .
يمكن الحديث عن القطيعة بين الميثولوجيا والعلم في تاريخ الفكر اليوناني الهلليني مثلا بدءا من طاليس وانكمادرس وانكسمانس ( بين اللاعلم والعلم ).

  • بعض مظاهر المستوى الثاني

– القطيعة هنا ، تكون بين فرضيتين علمييتين ( فرضية علمية جديدة تدحض وتفند فرضية علمية سابقة عنها ( = كارل بوبر )، تثور قيم جديدة على القيم السابقة والبقاء للأصلح .والقطيعة هنا تكون بين نسقين لكنه لا تصل الى حد الانفصال التام . بل تكون قطيعة احتواء وتضمن . العلم الجديد يتضمن العلم السابق عنه لأنه أوسع وأشمل .
– مثالان :
+ بين الهندسة الأوقليدية والهندسة اللاأوقليدية ( هندسة أقليدس صاحب الأصول وهندسة ريمان ولوباتشوفسكى )، فالهندسة الأولى علم والثانية علم والقطيعة بينهما هي قطيعة احتواء وتضمن لأ ن الهندسة اللاأوقليدية تتضمن الهندسة الأقليدية لأنها أوسع وأشمل منها ، فأصبحت هندسة اقليدس جزءا من هندسة ريمان ولوبانشوفسكي.
+ فبعد انهيار الإبستمولوجية الديكارتية ، انهارت معها ميكانيكا نيوتن المبنية على عدة مفاهيم كمفهوم الحتمية واليقين .. وظهور مفاهيم جديدة بعد تثويرها على المفاهيم السابقة . لقد ثار مفهوم اللاحتمية،والنسبية و الاحتمال والاحصاء … بعد ظهور الثورة في العالم الصغير مع ماكس بلانك ، ومع ظهور النسبية الخاصة والعامة لأينشتين ومع ظهور ميكانيكا هزنبيرغ أحد أقطاب مدرسة كوبنهاغن التي كان يتزعمها بور BOHR.
فالعلاقة بين ميكانيكا نيوتن من جهة وميكانيكا بلانك وهيزنبيرغ وديراك من جهة أخرى هي علاقة قطيعة ابستمولوجية ، لكن لن تصل الى حد الا نفصال التام ، بل قطيعة احتواء كما قلنا سابقا ، لأن كل ميكانيكا هنا هي علم ، والعلم الجديد يتضمن العلم السابق مع اعادة السبك .
تلك هي تصنيفات باشلار لمفهوم القطيعة الإبستمولوجية بمظهريها الأول والثاني، بعد عملية اسقرائيه لتاريخ العلوم الحديثة والمعاصرة .

فتاريخ العلوم هو تاريخ أخطاء، و تاريخ قطائع، يثور فيه الجديد على القديم والبقاء للأصلح .
نشير أن هذا المفهوم الذي حددناه في الفقرة السابقة لا يقتصر على تاريخ العلوم الدقيقة كالرياضيات والفيزياء والاحياء … بل يطال توظيفه اجرائيا كذلك في تاريخ العلوم الإنسانية الأخرى.
لقد وظفه مشيل فوكو في قراءته للتراث الأوربي بدءا من القرن السادس عشر، ووظفه ألتوسر لاعادة قراءة التراث الماركسي من جديد ، ثم وظفه كل من الجابري وأركون مثلا في نقدهما للعقل العربي والاسلامي .وهكذا انتقل المفهوم : مفهوم القطيعة الإبستمولوجية من مرجعيته الأصلية العلمية التي نحثه منها باشلار ، ثم وظف في التراث الأوربي أي في مستوى ثان، ثم وظف في تراث غير أوربي في مستوى ثالث .
كما أن استعمال مفهوم القطيعة يتطلب التحرك داخل نفس الثقافة وبعيدا عن الاعتبارات القومية، نقول داخل نفس الثقافة لأنها لا تحصل بين شخصين ينتميان لثقافتين مختلفتين او لميدانين معرفيين مختلفين ، فلا معنى القول مثلا بأن فيلسوفا أوربيا ما في القرون الوسطى حقق قطيعة مع ابن سينا ، ولا معنى القول مثلا بأن عالم في الرياضيات حقق قطيعة مع عالم في الفيزياء أو في القانون (3).
————
(1)محمد وقيدي . فلسفة المعرفة عند باشلار . مكتبة المعارف . الرباط. ط2. 1984 ص
(2 بوعزة ساهل . أوراق باشلارية. دار االقرويين . الدار البيضاء . ط1. 2001. ص33.
(3 الجابري . نحن والتراث.قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي .المركز الثقافي العربي بيروت .ط5 . 1986. ص 9

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!