«مارتن هيدجر»: الموت كطريقة لفهم وجودِنا في العالم

يشرح أندرو رويل أفكار مارتن هيدجر الرئيسية في كتابه «الكينونة والزمان»، مظهرًا الطريقة التي تقودنا بها هذه الأفكار إلى مفهوم «الوجود-تجاه-الموت».

يقول «هيدجر»: إذا قبلت الموت في حياتي واعترفت به وواجهته مباشرة، سأحرّر نفسي من قلق الموت وحقارة الحياة، وحينها فقط سأكون حرًا في أن أصبح نفسي.

تتفكر هذه المقالة في جوانب فلسفة الظاهرات الفيلسوف الوجودي الألماني «مارتن هيدجر» (1889-1976)، وتطبيقها أخيرًا في سياق الفجيعة. ولأن كتابات هايدجر مليئة بكثير من المصطلحات شديدة التخصصية، سأقدّم بعض الخلفيات لفكره، مستقيًا إياها من نصين معقدين هما سِفر هيدجر الكبير الذي ألّفه عام 1927 بعنوان «الكينونة والزمان»، وكذلك محاضرات تزوليكون: «البروتوكولات والمحادثات والرسائل».

المهمة الهائلة التي يضع هيدجر نفسه إزاءها في كتاب «الكينونة والزمان» هي إجابة سؤال «ما هو الوجود؟». سؤال «الوجود» هذا له إرث طويل في تقليد الفلسفة الغربية، لكن بالنسبة لهايدجر فإن مجرد السؤال «ما هو الوجود؟» أمر إشكالي، لأنه تأكيد على الميل نحو موضعة الوجود باعتباره «شيئًا» إذا صح التعبير، ويفصل «الوجود» (أيًا كانت ماهيته) عن المتسائل عن ماهية الوجود. بالنسبة لهيدجر، يعد هذا افتراضًا مضللًا بخصوص ماهية الوجود، يشكّل عقبة قبل البدء في البحث عن هذه الماهية.

300×250 Banner

لهذا بدلاً من طرح السؤال «ما هو الوجود؟»، يطرح هيدجر سؤالاً آخر هو «من الذي يسائل هذا الوجود؟» ينطوي هذا السؤال عن «هوية الوجود (الكينونة)» على احتمالية أن يسهم السائل نفسه بطريقة أو بأخرى في هذا الوجود الذي يخضع للمساءلة. لذا ينطلق هيدجر من السؤال من «هو هذا الكائن، الذي ينطوي وجوده على السؤال عن وجوده نفسه؟».

لتمييز نقطة البداية هذه، وربما اعترافًا بصعوبة الإشارة إلى هذا «الكائن الذي ينطوي وجوده على مساءلة وجوده نفسه» وتمييزه، يصك هيدجر أول مصطلحاته الجديدة: «الدازاين» للإشارة إلى هذا الكائن. ترجمت هذه الكلمة إلى الإنجليزية بطرق عديدة، من بينها «الوجود – هنا» أو الترجمة التي أفضل استخدامها: «الكينونة هنا … سؤال، الكينونة هنا … سائل، الكينونة هنا … في السؤال، اهتمام بالكينونة».

يبدو وكأن هذا «الوجود – هنا» يعني شيئاً ما؛ لكن ما هو «الوجود»؟ يؤجل الإجابة على السؤال، لكنه على أي حال يسمى الكائن الذي يسائل الوجود بـ «الدازاين». تهدف مقاربة هيدجر المبدعة في استخدام اللغة هنا إلى تجنب الوقوع في براثن التلميحات النفسية والفلسفية عند استخدام مصطلحات مثل «الفاعل» أو «الأنا (الذات)» خصوصاً وأنها ستصبح نفس المفاهيم التي سيتعمد هايدجر تخريبها لاحقًا. يميل الهايدجريون المتحدثون بالإنجليزية إلى الإبقاء على المصطلح «دازاين» غير مترجم.

  • الوجود – هنا
    يضفي هيدجر صفتين جوهريتين على الدازاين:

1. الدازاين موجود: «يكمن جوهر الدازاين في وجوده».

2. الدازاين يخصني: «الكينونة التي تقع على عاتقنا مهمة تحليلها، هي دائماً ملكي».

الصفة الأولى التي تبدو بديهية، تنص على أن الدازاين، وهو الكائن المهموم بكينونته، لا يمكنه إلا أن يكون موجودًا قبل كل شيء: من الجوهري أن يكون موجودًا.

يبدأ هيدجر عبر الإشارة إلى «الجوهر» في صياغة ما يعنيه بالكينونة. على سبيل المثال إذا نظرنا للطاولة: جوهر الطاولة هو ما يجعلها طاولة وليس أي شيء آخر، مهما كان. على سبيل المثال يمكننا أن نقول إن الطاولة لا تكون طاولة إلا إذا كان بالإمكان وضع شيء عليها، وإذا لم تتمكن من الاتصاف بهذه القدرة فهي ليست طاولة.

على نفس النهج، يكمن جوهر «الدازاين» في أنه موجود. إذا لم يكن موجودًا، إذًا هو ليس «دازاين». دون هذا الوجود لن يكون للدازاين أي أرضية أو كينونة يمكنه من خلالها طرح سؤال الوجود على الإطلاق. أشار الفلاسفة الوجوديون اللاحقون مثل جان بول سارتر إلى أولوية الوجود هذه باعتبارها «المبدأ الأول للوجودية»، أو بتعبير سارتر «الوجود يسبق الجوهر». بالنسبة لهيدجر تكمن الصفة الجوهرية للكينونة في وجودها نفسه.

الخاصية الثانية للدازاين، هي «ملكيته العائدة إلي» والتي تشير إلى «ذاتية» الوجود. لا تطفو الأشياء في الأرجاء بطرق منفصلة. لكن، أنا من يكتب هذه المقالة، أنا من أفكر في هيدجر، أصابعي هي التي تضغط أزرار لوحة المفاتيح. هذه «الملكية العائدة إلي» يعبر عنها هيدجر باللفظة الألمانية «Jemeinigkeit» التي تعني «دائماً ملكي» أو «في كل الحالات ملكي».

إذا كان الوجود في «هنا يكون» المعبرة عن الدازاين، مهمومة بالمبدأ العام للوجود الذي يجب أن تحوزه كل الكائنات لتصبح موجودة، فإن لفظ هنا في «هنا يكون» المعبرة عن الدازاين، تهتم بمنظور معين للوجود – منظوري، أفكاره، وجودهم … الأدهى أنني لا أتلقى السؤال بطريقة «كونية» أو مجردة، بل عبر لغة محددة: وكذلك أتلقاه في مكان وزمان محددين يمنحانه معنى مرتبطاً بسياق ما.

على سبيل المثال أسمع شخصاً ما يتحدث «في القطار» أو «في خيمة» أو «في قاعة المحاضرات»، لكل منها معان سياقية تكشف عن معنى ما سمعته وكيف سمعته. بالإضافة إلى أني قد أسمع شيئًا «في منتصف الليل» بطريقة مختلفة عن سماعه «في منتصف النهار»، على سبيل المثال.

أن يكون لي وجود هو «ملكي» هو السمة المميزة التي أضفاها هيدجر على الدازاين، وهو ما يسميه «الوجود – في – العالم». لكن لتوضيح الأمور: الوجود – في – العالم بتعبير هيدجر لا يعني أن الدازاين موجود في العالم بنفس الطريقة التي يوجد بها الماء في الكوب أو الرداء في الخزانة: لا يرى بأن الدازاين موجود في مكان والعالم في مكان آخر مجاور أو ملاصق له.

على العكس من ذلك يرى هيدجر أن هذه «العلاقة المكانية» المغلوطة هي خطأ الفلسفة الغربية الأكبر، وهو الخطأ الذي يحاول إصلاحه. عنى هذا الخطأ أننا نميل للتفكير في الأشخاص باعتبارهم «ذوات» داخلية منفصلة عن «الأجسام» الخارجية، ومالت الفلسفة للتركيز على هذه المفارقة بين العوالم الداخلية والخارجية. تسير فلسفة هيدجر الجذرية ضد هذا الفصل بين الدازاين والعالم، وتدافع بدلًا من ذلك عن وجود متشابك «verfallen». بإمكاننا أن نقول إن الدازاين مشتبك بالعالم الذي يوجد بداخله.

  • الطرق بمطرقة هيدجر

لشرح تشابكنا هذا بصورة أوضح، يضرب هيدجر مثلًا بعامل يستخدم مطرقة. يمد العامل يده إلى المطرقة ويزنها بيديه بطريقة غريزية ويبدأ في العمل. تخرج كل طرقة بتعديلات طفيفة غير محسوسة في السرعة والمسار، وهي تعديلات يجريها العامل بطريقة آلية وغير واعية تقريبًا.

في الحقيقة، كلما كان العامل أكثر حرفية قل وعيه بالمطرقة. كل ما يفعله هو الطرق بكل بساطة. تنعكس حركة يديه في حركة المطرقة بطريقة تجعل من المطرقة امتداداً ليد العامل نفسها. بهذه الطريقة يتشابك العامل والمطرقة معاً ويرتبطان. في اللحظة التي يبدأ فيها العامل بالتفكير في المطرقة باعتبارها جسماً أو «شيئاً»، يقف شيء ما عثرة في الطريق، شيء يمنعه من العمل بطريقة صحيحة، وتضيع كينونة المطرقة نفسها.

النظر إلى المطرقة والتفكير فيها كشيء مختلف، لا يكشف شيئاً عن كينونة المطرقة. بهذه الطريقة تتكشف كينونة المطرقة في منفعتها، في استخدامها: لا تنكشف كينونة المطرقة إلا بوجودها مع العامل أثناء الطرق.

على نفس المنوال، يرى هيدجر بأن الدازاين لا يفهم نفسه ووجوده إلا عبر ما يفعله: تنفتح كينونتنا أمامنا فيما نفعله. أفهم نفسي باعتباري عاملاً من خلال أفعالي كعامل – من خلال أفعال مثل الطرق. بهذه الطريقة لا يكون هناك مهرب، لا يمكننا أن نفكر في أنفسها خارجاً عن العالم، نحن ملزمون به باعتباره طريقنا المحددة في الوجود.

يستفيض هيدجر في الشرح مبيناً أن للدازاين ملاءمته «Verweisung»، نتيجة لكينونته في العالم. الملاءمة هنا تعني «السماح لشيء ما بأن يكون مع شيء آخر». العامل ليس عاملاً فقط بسبب استخدامه للمطرقة، بل بسبب كل شيء مرتبط بالعمل يحيط به، أي كل شيء يتلاءم مع كونه عاملاً. يتضمن هذا أشياء مثل الخشب، والمناشير، والمسامير، والأزاميل، والنجارة، والبراعة الفنية، والتجارة، والحرفية، وما إلى ذلك. كينونة العامل متشابكة مع مثل هذا المواضيع، والحالات، والكيانات حتى لو كان بعيداً عنها وحتى لو لم يكن لها وجود مادي (جدير بالملاحظة أن فلسفة هايدجر الفينومينولوجية مضادة للنسق المادي).

إن فعلاً محدداً مثل الطرق بالمطرقة يكشف عن حالة «وجود الدازاين مع Mitsein»: لا يكشف فقط عن وجود كينونة العامل، أو فلسفته الجمالية، أو التجارة وما إلى ذلك، بل عن ملاءمة الدازاين لهذه الجوانب، أي أنه يوجد في العالم «مع» هذه الجوانب. هذا الجوانب الأكثر سعة للعالم مثل المهنة والمهارة والروابط التجارية والتبادل التجاري هي هنا، في ما يسميه هيدجر بـ «التبصر أو الإحاطة» مما يعني أنهم يوجدون في العالم المحيط علائقيًا.

تماماً كما توجد الورشة محيطة بالعامل، على نفس المنوال يحيط العالم بالدازاين. عند هيدجر، لا يرتبط الجزء بالكل فقط بل يعمل على كشف هذا الكل، تماماً كما يرتبط الكل بالجزء ويكشف عنه.

  • إشعال المصباح

لنبقى مع العامل في ورشته، والآن تخيل أن هذا العامل يمد يده ليلتقط المطرقة لكنه يجد مكانها فارغًا. والآن في محاولة البحث عن المطرقة يلاحظ العامل ورشته التي كانت هنا، محيطة به طوال الوقت. يلقي بصره على الأرفف ويرى التراب المتراكم عليها، يمقت النافذة المتشققة، ويصبح واعيًا بالعنكبوت الذي يعبر السقف من فوقه.

يلاحظ أجزاء المهام غير المكتملة ويبدأ القلق بشأن مواعيد التسليم النهائية. يقول ه

يدجر إنه بهذه «النظرة المحيطة» ينفتح سياق مرجعي للوجود. يعمل مكان المطرقة المفقودة بمثابة زر إشعال، ينير للدازاين الضوء حتى يتمكن من رؤية العالم الذي كان هنا طوال الوقت.

النقطة الأهم هي أن الضوء لا يشعل من تلقاء نفسه «في الخارج» في العالم، بل يشعل الدازاين الضوء لنفسه/لنفسها، عبر الفعل، عبر تفاعله مع العالم. بشكل عام، خلق العالم وصنف بالنسبة للعامل ضمن سياق اهتمامات معينة: يرى موعد تسليم نهائي لم يلبَّ في شكل نصف برميل لم ينته العمل عليه بعد، أو «يسمع» صوت رئيسه وهو يوبخه من خلال مكان المطرقة الفارغ.

تصبح تلك المساحة الفارغة أرضية للكشف بالنسبة للدازاين يستحضر فيها العالم ويخلقه. ولفعله هذا، يصف هايدجر الدازاين بأنه ذو طبيعة نورانية، تضيء كينونته في العالم بطريقة تكون بها «ذاتها» هناك.

  • الوجود مع الآخرين

بنفس الطريقة التي يتشابك بها الدازاين مع العالم، يتشابك كذلك مع الأشخاص الآخرين. بالنسبة لهيدجر، نحن لا نوجد كأفراد مستقلين. بل بنفس الطريقة التي أُلزمنا بها بالوجود في العالم، نحن ملزمون كذلك بالوجود مع الآخرين. بالنسبة لهايدجر، من المستحيل أن يوجد «أنا دون الآخرين» منعزل.

هذا لأنهما مهما كنت سواء ابناً أو أباً أو زوجاً أو أرملاً، تشير بالضرورة إلى وجود الآخرين وتتداخل معهم، سواء كان الآحر أبًا أو ابنًا أو زوجة أو حبيبًا متوفى. لهذا في نفس الوقت الذي أعلن فيه وجودي، «ذاتيتي»، أعلن بالضرورة كذلك الوجود الأكيد للآخرين.

دعونا لا نقلل من الأهمية العميقة لمقاربة هيدجر هنا التي تعد دحضًا مباشرًا للاستبطان الانعزالي والفردي لرينيه ديكارت قبل 300 عام من هيدجر، وقلبًا لنقطة الشك المبدئية التي تنطلق منها فلسفة ديكارت. يتساءل ديكارت، كيف أكون متأكدًا حقًا من وجود العالم والآخرين؟ يجيب نفسه قائلا:

في حين قد أشك في وجود العالم والآخرين، حين شكي هذا، فأنا أفكر؛ لا يمكنني أن أشكك في ذلك. أو كما كتب في مقولته الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود». لكن من منظور هيدجري تحمل هذه العبارة تناقضًا ذاتيًا في القول: «أنا أشك في وجود الآخرين». لأن التأكيد على «أنا» تشير بالضرورة (وبالتعبير الهايدجري: تتلاءم مع) «أنت» أو «الآخرين».

تماماً في الوقت الذي يعلن عامل هايدجر وجوده كعامل بالملاءمة مع عالم ورشته، كذلك يفعل كل دازاين معلناً «ذاتيته» من عالم الآخرين والذي يكون معه بالضرورة ويتلاءم معه. يفترض الـ «أنا» تلقائيًا الـ «لست أنا»، لأن الدازاين يدرك نفسه في عالم الأشياء والأشخاص الآخرين. بهذه الطريقة يتوقع الدازان «الآخر» بطريقة فطرية ويتشابك معه. وبهذا يعلن هايدجر أن «الدازاين في جوهره هو الكينونة-مع».

على الرغم من مقاربة هايدجر تخفف من وطأة التمركز حول الأنا لدى ديكارت، فإنها تطرح مشكلات جديدة. في حين كانت «الأنا» أو «ego» لدى ديكارت وحيدة بشكل كامل، إلا أنها كانت آمنة ولا يمسها الآخرون، في حين تصبح «الآخرية» في فلسفة هايدجر مشكلة يجب التفاوض حولها. ما هو مجال تأثير الـ «آخر»؟ هل بإمكان الآخر تهديد فاعليتي، أو حتى «ذاتيتي» في حد ذاتها؟

لذا في مقاربة هيدجر هناك دائمًا خطر يهدد الدازاين من قبل قوة «الآخر» كلية الحضور. بتعبير هيدجر، يوضح «الآخر Das Man» السياق المرجعي للمعنى ( أو «المدلولية» على حد اختيار فتحي المسكيني في ترجمة لفظ Bedeutsamkeit الألماني في ترجمتة العربية لكتاب الكينونة والزمان).

مما يعني «الآخر» موجود هناك في خلفية التفكير، مثل الخلفية غير المرئية لمشهد العامل وهو يطرق بمطرقته. هذه «الآخرية» تخبرنا بطريقة صريحة أو ضمنية، ما يجب فعله وكيف. يأتي تأثير «الآخر» (أو ينكشف) حين يفعل الدازاين الفعل بالطريقة التي يفعلها الآخر، على سبيل المثال حين يطرق العامل بالمطرقة بالطريقة التي يطرق بها المرء، أو حين يشرب المرء الشاي بالطريقة التي يشرب بها الشاي، أو حين يعبر عن صدمته أو بهجته أو فزعه بالطريقة الذي يفعل بها المرء ذلك.

لكن مع ذلك فالقيام بالفعل فقط عبر التلقي من الـ«الآخر» يعرض الدازاين لخطر «الزيف» أو انعدام الأصالة بحسب تعبير هيدجر (Uneigentlich). يصبح الدازاين مزيفًا مفتقدًا للأصالة حين ينكر «ذاتيته». في موقف الزيف وانعدام الأصالة يقف الدازاين معرضاً لخطر التنازل، والحيرة النفسية، والاستيلاء من قبل الآخر، حتى يصير «كل يصير الجميع آخر، ولا أحد هو نفسه».

لا يعني هذا أن هيدجر ينظر للزيف باعتباره حالة «أدنى» من الوجود مقابل الأصالة. قد يطرق العامل بالمطرقة بنفس طريقة الآخر لأغراض نفعية، لإنجاز العمل. قد يكون من الحصافة والتحضر أن يجاري المرء العادات والتقاليد الاجتماعية – بالطريقة التي يفعل بها المرء الأشياء – على سبيل المثال في مقابلة عمل أو مقابلة أصهاره المحتملين للمرة الأولى.

الأصالة ليست إلزامية. بل تشير الأصالة والزيف إلى نمطين من أنماط الوجود مع درجات مختلفة من التأكيد على «الذاتية». يصف هيدجر نمطي الوجود هذين بمصطلحات الرؤية والضوء. ترتبط الأصالة بالطبيعة النورانية – استضاءة الكينونة – في حين يغطي الزيف ضوء الكينونة إذعانًا لبصيرة الـ «الآخر».

  • الوجود نحو الموت

لكن هناك جانبًا من كينونة الدازاين يبقى ذاتيًا (ملكًا للدازاين) بشكل كامل، رافضًا الإذعان للآخر، وهو موت الدازاين. يمثل الموت حجر الأساس للذاتية، باعتباره الجانب اللاعلائقي من الدازاين الذي يبقى بعيدًا عن متناول «الآخر». الموت هو ما يسميه هايدجر «الإمكان اللاعلائقي الأكثر خصوصية».

الموت من منظور هيدجر ليس مجرد حدث يقع في نهاية حياة الدازاين. ليس الموت للدازاين مثل المحطة بالنسبة للقطار. ليس مجرد نقطة أو مكان مستقبلي يصل إليه. بل هو مثل النضج بالنسبة للثمرة على حد وصف هايدجر. تنضج الثمرة طوال فترة وجودها – النضوج هو ما تفعله الثمرة في وجودها. على نفس النحو، الموت هو نضج الدازاين. بهذه الطريقة يتحرر الموت من اعتباره نقطة واحدة أو حدثًا نهائيًا. بدلاً من ذلك يكون الموت حاضراً دائماً بالنسبة للدازاين.

يصف هيدجر الموت بأنه «أبرز الأحداث الوشيكة». ما إن نولد حتى نكون عجائز بما يكفي لكي نموت، أو الدازاين «دائمًا عند حد نهايته». يسمي هيدجر حالة الوجود هذه التي يتسم بها الدازاين «الوجود نحو الموت». تعني الأصالة بالنسبة لهيدجر انتظار الموت بحزم؛ استدعاءه واستخدامه كمورد ضد التأثير الساحق لـ «الآخر». وفقًا لذلك، يمنح «الوجود نحو الموت» الإمكانية للدازاين ليعلن «ذاتيته» (أنانته) بشكل أصيل.

استدعاء الكينونة نحو الموت ليست مهمة سهلة بزعم هايدجر: «الكينونة نحو الموت في جوهرها هي القلق» وتتضمن «الرعاية». تشير الرعاية على القيام بشيء ما… وتسوية شيء ما .. والحصول عليها للنفس. ومع ذلك لا تتلعق الرعاية بالتصميم العنيد والحازم. بل على العكس، يحض هايدجر الدازاين على الاستماع لنداء الرعاية، تمامًا كما يدعونا الشاعر شيموس هيني للاستماع في قصيدته «موافقات»:

صوت تلك الضربة الجذابة المسترخية،
صداها المكتوم والمنتحَل،
علمتني أن أضرب، علمتني أن أسترخي،
بين المطرقة والسندان،
علمتني أن أواجه الموسيقى.
خبرني الآن كيف أستمع،
كيف أضرب بقوة خلف الخطوط السوداء.
يصف هايدجر صوت الرعاية بأنه لا مثيل له في العالم. مسحة من صمت وسكون تغشى نداء الرعاية هذا. الرعاية كما يقول هيدجر لا تستحث السؤال، بل تصل دون ملاءمة إلى هذا العالم. بهذه الطريقة تخلق الرعاية مساحة منفصلة عن شبكة الترابطات التي تربط الدازاين بالأشياء الأخرى والأشخاص الآخرين في العالم.

بناء على ذلك، يصف هايدجر الرعاية على نحو سلبي قائلاً: «لا شيء يدعى إلى الذات التي تم استدعاؤها». مع ذلك في لاشيئيتها هذه، تستخلص الرعاية مساحة للدازاين من براثن ثرثرة «الآخر» وتنقيبه، مما يمنح الدازاين حرية من العادات والممارسات. الأمر أشبه بأن يفقد العامل مطرقته ولا يبحث عنها.

نقص «الملاءمة» هذا ليس علامة على أن الرعاية غريبة عن العالم أو حتى روحية: لا يدافع هيدجر عن تسامي أو يقظة إلهية في نداء الرعاية. بدلاً من ذلك يقول هيدجر: «يأتي النداء مني ومع ذلك فوقي». وبذلك يصل نداء الرعاية أو يكشف عن مناطق وموارد غير مكتشفة من كينونة الدازاين: هي «ملكي» بطريقة لم تكنها من قبل. وهي كذلك تتكون من «ذاتيتي» نفسها.

يستخدم هايدجر مصطلح «منارة (Lichtung) أو فسحة خالية من أرض» ليصف المساحة التي تنكشف في لا شيئية نداء الرعاية. مثل مساحة فارغة في الغابة، مساحة تمكن للكينونة الأصيلة للدازاين مخلصة إياه من زيف كينونة الـ «الآخر». بهذه الطريقة ينكشف الدازاين تحت وقع ضوه منارته الخاصة. تتسم المنارة بالأصالة بما أن إمكان وجودها كان دائماً مصاحباً للدازاين. كتب هيدجر في رسالة إلى الطبيب النفسي السويسري ميدارد بوس:

تظل الفسحة موجودة في الغابة حتى في حلكة الظلام. وجود الضوء يعني وجود تلك الفسحة. لا يمكن أن يكون هناك سطوع إلا إذا أفسح شيء ما ليمنح الضوء الحرية.
في هوامش الطبعات الأخيرة من «الوجود والزمان»، يشير هيدجر إلى فعل «الإفساح» باستخدام اللفظ اليوناني Άλήθεια (أليثا -الحقيقة) ويضيف تعريفًا إضافيًا لـ «الانفتاح»: «الفسحة، الضوء، السطوع». تمامًا كما في مساحة الورشة المضيئة، يمتلك الدازاين الفسحة ليضيء كينونته وينكشف بذلك مع العالم. أن تنفسح بما يكفي، هي بالنسبة لهايدجر عملية تحرر، يصبح الدازاين فيها محررًا ومستحقًا لـ «الوجود في العالم مع الآخر».

  • أن تكون مكلومًا

لنتفكر لحظة في كلمة «نفاذ» (يستخدم هيني هذه الكلمة أيضاً في قصيدته «موافقات»، الفصل الأول). تشتق الكلمة الإنجليزي «نفاذ penetrating» من اللفظ اللاتيني «penetrare»: أن تمر من خلال، وهو ما يشير إلى دخول شيء ما من خلال المكلوم. تكمن المشكلة في أن الأمر يبدأ باكتساب شكل فاعل ومفعول، وهو ما يتخذ منه هايدجر موقفًا معارضًا حيث يتخذ المكلوم في هذه الصيغة حالة الفاعلية إذ يتم اختراقها.

لكن لو نظرنا إلى اللفظ الألماني نجد هيدجر يستخدم كلمة «eindringlicher» التي تترجم إلى نفاذ. مع ذلك، كثيرًا ما تترجم الصفة الألمانية «eindringlich» إلى «عاجل، ملح، قوي، قسري» (نشكر الدكتور مات جيفريز من جامعة مانشستر على هذا). من منظور هيدجري إذن يمكننا القول إن «الثكل» يصلنا كقوة ملحة، ليس قوة موت حبيب، بل قوة وجودنا نحو الموت أيضًا.

وفي حالة الثكل يأتينا الموت الذي كان مجرد مستقبل، بقوة مصطدمًا بالحاضر. وبهذا يقذف المكلوم خارج ما يسميه هايدجر «الزمن مزيف والمبتذل». الزمن باعتباره سلسلة من «اللحظات الراهنة» المتقطعة والمنفصلة التي يمكن تصورها من خلال زمن الساعة. بدلاً من ذلك، يقدم المستقبل والماضي والحاضر وينكشف عبر تلك اللحظة الكثيفة من الوحدة الزمنية التي تجمع الزمن وتكشف عنه باعتباره ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا متشابكين معاً.

بهذه الطريقة يُعدُّنا الثكل ويؤهلنا للأصالة، نحن مجبرون على إيلاء الرعاية بالثكل ونحن متنورون بها. يفسح الثكل الأرض لتغيرات جذرية في الكينونة. هذا الميراث الغريب للثكل، هو الحرية محسّنة وأصيلة في آن، يكون فيها الثكل منيرًا كما ينبغي. في فلسفة هيدجر يحمل الثكل في طياته عزاء هو إمكان تحقيق الدازاين للوجود أصيل والانفتاح على الذات، إمكان تسليم الكينونة «نفسها لنفسها». يلقي الثكل إذن على عاتق الدازاين مهمة لا يحسد عليها لكنها تحرره بعمق.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.