عن تمرحل ظاهرة التصوُّف وتطورِها

 

خلال معايشتي و رصدي للواقع الثقافي في السنوات القليلة الماضية، أسترعي إنتباهي وأستوقفني التركيز على ظاهرة التصوف، وقد تجلي هذا التركيز في أشكال عدة منها ما أتخذ شكلاً روائياً وقصصياً ، ومنها ما تبلور في شكل كتب تتناول السيرة الذاتية لأعلام الصوفية، ومنها ما تجلى في شكل محاضرات عامة وحفلات لما يعرف بالمولوية، والحق أقول إن التركيز علي هذه الظاهرة لم يكن الشيء الوحيد الذي استوقفني مثيراً في ذهني التساؤلات وفي نفسي الريبة، بل التناول الذي تجلي هو الآخر في النظرة الإختزالية أحادية الجانب، والتي تنطلق من موقف فكري بعينه ، يعبر حين يعبر عن وجهة نظر وحيدة لا تتسم بالعلمية فضلاً عن ما أسميه الإنصاف ( الموضوعية).

ومن جملة ما أثار انتباهي؛ كذلك هو تسليط الضوء علي شخصيات صوفية بعينها لطالما أثارت الجدل، بل الأكثر من ذلك هو تسليط الضوء علي جوانب بعينها في تاريخ هذه الشخصية أو تلك، وإغفال غيرها من الجوانب، بما يوحي بشبهة توجيه للقارئ أو المتلقي نحو وجهة بعينها.
لجملة هذه الأسباب وغيره؛ا قررت الوقوف على تاريخ ذات الظاهرة _ التصوف _ غير مدفوع بمسايرة” الموضة” بل مدفوعا بالقفز خلف سور حديقة تاريخ التصوف محاولاً تقديم مقاربة تتسم بشيء من العلمية جهد الطاقة.

وليسمح لي القاريء الكريم أن أتوقف قليلاً عند تعريف معني الظاهرة ثم التصوف وأصل التسمية، ثم أتبع ذلك بتبيان وجهات النظر حول الظاهرة موضوع البحث. مختتماً هذه المقدمة بمراحل وحقب التصوف

  • في معني الظاهرة:

الظاهرة هي حدث بارز يمكن مراقبته وتتبعه، وهي عادة ما تشير إلي حدث غير عادي، يتم تناوله بالبحث والنقد والتحليل.
والظواهر على ذلك أنواع منها ما هو ذاتي و منها ما هو علمي واجتماعي ونفسي وسياسي وفلسفي كذلك.

وفيما يخص النظرة إلي ظاهرة التصوف فإننا نجد إختلافاً كبيراً في النظرة إلي تلك الظاهرة بين المهتمين ببحثها. فهناك من ينظر إليها علي كونها ظاهرة ذاتية ميتافيزيقية محضة، وهناك من يري فيها محض ظاهرة اجتماعية لا أكثر ولا أقل، وهناك فريق ثالث ينظر إليها علي كونها نوع من أنواع المرض النفسي الذي يستوجب العلاج.

وفي الواقع أميل إلى الإعتقاد بأن ظاهرة التصوف هي ظاهرة إنسانية خالصة، وهي في هذا تبع لظاهرة الإنسان في تركيبها وبعدها عن البساطة، بمعني آخر التصوف هو ظاهرة متعددة الأوجه فلها وجهها الذاتي والاجتماعي والنفسي، فهي كظاهرة تستعصي على التبسيط والاختزال.

  • في معني التصوف وأصل التسمية:

للتصوف العديد من التعريفات التي قد لا تقع تحت حصر، لذلك اخترت منها أبسطها، وهو تعريف القوم ذاتهم _ أعني الصوفية _ فهم يرون التصوف “طريق يسلكه العبد للطريق إلي الله، وعمله فيه مقيد بالكتاب والسنة”.
أما عن أصل التسمية، فيقال إنه نسبة إلى أهل الصفة، وهم فقراء المدينة على عهد رسول الله صل الله عليه وآله وسلم.
ويقال بل نسبة إلى الصفاء، ويقال أنه نسبة إلى الصوف؛ فقد كان الصوف شعار القوم، وهو ما أرجِّحُه في أصل التسمية.

  • مراحل وأطوار ظاهرة التصوف:

فيما يخص مراحل وأطوار ظاهرة التصوف؛ فقد قسمتها _وذلك على الرغم أنني ضد التحقيب _ إلى مراحل ثلاث
الأولي: من الزهد الأخلاقي إلى الاعتزال.
الثانية: من الاعتزال إلى المعارضة السلبية.
الثالثة: من المعارضة السلبية إلى التصوف.
وهو ما سوف أتناولُه بشكل مفصل في المقال القادم والمقالات التالية إن شاء الله.
والله أعلم.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!