الاتساق في التراث البلاغي

 

  • تمهيد:

يعد الاتساق من أبرز المفاهيم التي دخلت مجال الدراسات اللسانية، وهو مفهوم دلالي، يساهم في خلق علاقات وأمشاج بين المتواليات الجملية، لتتشكل لنا وحدة نصية متماسكة.

فالاتساق والتضام والسبك والربط النحوي مصطلحات لمسمى واحد، حيث يقصد به الأدوات التي تساهم في تحقيق الاستمرارية في البنية السطحية ( ظاهر النص) .

  • أولا- في تعريف الاتساق (Cohésion ) وبيان معناه

فالمصطلحات مفاتيح العلوم، وبضبط المصطلح تتضح المسميات، ولهذا نحتاج في مستهل هذا المداخلة إلى ضبط مصطلح الاتساق كمصطلح لساني معاصر، لكن بإرجائه إلى مادته في اللغة العربية.

1- الاتساق في اللغة:

الاتساق أصل مادته “وَسَقَ” فقد جاء بمعنى الجمع والضم والاستواء والامتلاء، ومنه قوله
تعالى:  وَٱلَّيۡلِ وَمَا وَسَقَ أي جمع .. وقال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة  وَمَا وَسَقَ وماجمع،  وَٱلۡقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ  إذا اجتمع واستوى .

يمكننا التوقف هنا لإبراز دلالة الجذر ( و.س.ق) في اللغة العربية، ونجده يظهر بجلاء فيما تقدمه المعاجم العربية بصدد مادة ( سوق) .

فقد ورد في لسان العرب:

» اِتَسَقَتِ الإِبِلُ وَاسْتَوْسَقَتِ: اِجْتَمَعَتِ…، وَالْطَرِيقُ يَأْتَسِقُ وَيَتَسِقُ أَيْ يَنْظُمُ، وَاِتَسَقَ الْقَمَرُ: اِسْتَوَى، وَاِتِسَاقُ الْقَمَرِ: اِمْتِلَاؤُهُ وَاِجْتِمَاعُهُ…، وَالْوَسَقُ ضَمُ الْشَّيْءِ إِلَى الْشَّيْءِ، فَالاتِسَاقُ هُوَ الاِنْتِظَامُ« .

وجاء في المعجم الوسيط: » وَسَقَتِ الْدَّابَةُ، تَسِقُ وَسْقًا وَ وُسُوقًا: حَمَلَتِ ،وَأَغْلَقَتِ عَلَى الْمَّاءِ رَحِمَهَا. فَهِيَ وَاسِقٌ. (ج) وِسَاقٍ. اِتَّسَقَ الْشَّيْءُ: اِجْتَمَعَ وَاِنْضَّمَ وَاِنْتَظَمَ، وَالْقَمَرُ: اِسْتَوَى وَاِمْتَلأَ، اِسْتَوْسَقَ الْشَّيْءُ: اِجْتَمَعَ وَاِنْضَّمَ« .

وفي ضوء ما تقدم فإن الاتساق في التعريفين لا يخرج في مُجمله عن معاني الاجتماع والانتظام والانضمام والاستواء والامتلاء، وهذا لا يبتعد كثيرا عما ورد في كتب علم لسانيات النص.

2- الاتساق في الاصطلاح:

و كما يبدو أن المعنى الاصطلاحي لصيق بالمعنى اللغوي، فقد ظهر عند الغرب لفظ (Cohésion) كمصطلح مقابل للاتساق. فنجده في معجم ” Oxford “:

» الصاق الشيء بشيء آخر، بالشكل الذي يشكلان وحدة مثل: اتساق العائلة الموحدة، وتثبيت الذرات بعضها ببعض لتعطي كلًا واحدًا.. «.فالاتساق هو القوة على الالتصاق حتى يكون كلًا موحدًا.

وأورد ديبوغراند ودليسلر تعريفا للاتساق ( التضام) إذ يقولان : »يشتمل على الإجراءات المستعملة في توفير الترابط بين عناصر ظاهر النص كبناء العبارات والجمل واستعمال الضمائر وغيرها من الأشكال البديلة« .

فالترابط داخل العبارات أو التراكيب أكثر وضوحا من الترابط القائم بين تركيبين أو أكثر من هذه الوحدات. وكما يبدو أن المعنى الاصطلاحي لصيق بالمعنى اللغوي، فقد ظهر عند الغرب لفظ (Cohésion) كمصطلح مقابل للاتساق.

أما عند العرب، فلعل أدق تعريف له، ما أورده محـمد خطابي قائلا:» يقصد عادة بالاتساق ذلك التماسك الشديد بين الأجزاء المشكلة للنص/ خطاب ما، ويهتم فيه بالوسائل اللغوية (الشكلية) التي تصل بين العناصر المكونة لجزء من خطاب أو خطاب برمته« .

فالاتساق كأداة إجرائية، أصبح حضوره واجبًا في كل نص أدبي، فالجمل المتتالية مترابطة مع بعضها لتشكل لنا نصًا متماسكًا.

وعرض منذر عياشي في القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان إذ يقول:» ويعني أحد المفاهيم الأساسية في لسانيات النص الخاصة بالتماسك النصّي على المستوى البنائي الشكلي«. فالاتساق من أهم مباحث اللسانيات النصّية، التي تُعنى بالربط بين أجزاء النصوص على مستواها السطحي.


تاريخ الدراسة: 15 جانفي 2017
التخصص: اللسانيات واللغة العربية
قسم اللغة والأدب العربي
كلية اللغة والأدب العربي والفنون
جامعة ياتنة-1- الحاج لخضر

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!