البويجي وغيفارا

 

أول عهدي بالتدخين، المرحلة الأولى (الكفاح السري) في شبابي، كنت اضطر لتدخين الباكيت بأكمله مع صديق أو إثنين قبل عودتي إلى البيت، جرت العادة في اوساط أصدقائي المدخنين أن يشتري أحدنا الباكة (علبة السجائر) الفاخرة من ماركة “روثمان” أو “دنهيل” ، و الآخر يشتري تذاكر السينما الرخيصة “ريو أو العباسية أو ليلى أو القاهرة…” ذات العرض المتواصل ( تعرض ثلاثة أفلام متواصلة في اليوم ) لتمضية وقت الدوام المفترض في المدرسة الثانوية، و الثالث يشتري لفافات الفلافل الطازجة من محل فلافل “الفيحاء” مقابل سينما “أوبرا”. أحياناً نذهب بعد ذلك الدوام الممتع – في السينما بدل المدرسة – إلى الحديقة العامة قرب ساحة سعد الله الجابري لنجهز على ما تبقى من السجائر في علبة الدخان ، ففي البيت لا نستطيع التدخين في المرحلة السرية و لا نحتفظ بالسجائر ، و بالتالي يجب إخفاء كل دلائل جريمة التدخين و آثارها ، فندخن كل السجائر و نمضغ علكة ” شيكلس ” نعناع ذات اللون الأخضر لإزالة رائحة الدخان، لكن أمي – أطال الله عمرها – تمتلك حاسة شم قوية تمكنها من كشف سري، لا أعرف كيف تميز رائحة الدخان من ثيابي و جسدي، فتغضب مني و تؤنبني لكنها لا تعاقبني ولا تشكوني لأبي..

في الحديقة العامة (المشتل) اخترت ركناً وارف الظلال كثيف الأشجار ، منعزلاً عن الأعين بعيداً عن الزحام، لا تصل إليه رائحة ” قليط ” الكريهة ، كنت أجلس فيه مع رفاقي الزعران للتدخين و البصبصة على البنات، كان ذلك الركن من أفضل الأماكن المحببة إلى قلبي حتى بعد الزواج ، كنت أهرب من أعباء الحياة و همومها إلى ذلك الركن الجميل، و أحيانا أهرب من مقهى ” المنتدى ” المطل على ساحة “سعد الله الجابري” و سور الحديقة العامة الجنوبي، أهرب من أصوات لاعبي الشطرنج (كشه ميت) المرتفعة، و ثرثرات الرفاق الناعمة ، لأتنفس بعض الهواء المنعش، و أنفّس بعض همومي المتراكمة ، في ذلك الركن الآسر حيث أغسل صدأ روحي، و أتزود ببعض الأمل و التفاؤل و السلام .

أذكر ذلك اليوم جيداً حين كنت متعباً مثقلاً بالهموم، فما وجدت نفسي و روحي إلا في ذلك الركن تحوم، كنت شارد الفكر معكر المزاج، لم انتبه كيف اقترب من مقعدي صبي مراهق يحمل صندوق “البويا” تحت إبطه، و بيده علبة حليب ” نيدو” كبيرة فارغة يستخدمها كخزانة لبعض المواد، و مقعداً للجلوس بذات الوقت ، كان يرتدي بنطال جنز أزرق عتيق متسخ، و ينتعل في قدميه “شحاطة ديرية” رغم برودة الربيع، و يلبس بلوزة قطنية (تي شيرت) خفيفة حمراء اللون، مطبوع عليها من الأمام صورة المناضل العالمي “تشي غيفارا” ، وقف أمامي و سلّم علي و سألني بلطف هل أريد بويا للحذاء (تلميعه بالورنيش الشمعي) ؟

ابتسمت في وجهه رغم فساد مزاجي ذلك النهار، قلت له نعم ، تعال. تأملت في قسمات وجهه و أنا اناوله سيجارة طلبها مني، رأيت شقاء الإنسان على مر الأزمان في وجهه الأسمر الغض، و حسبته يختصر آلام البشرية كلها في قسمات وجهه البريئ، كانت بروليتاريا ماركس و لينين تتمثل في صورة هذا الكادح الصغير، البويجي الذي يحمل صورة الرفيق غيفارا بقصد أو دونه، في ذلك الوقت كانت أجرة تنظيف الحذاء و تلميعه المتعارف عليها خمس ليرات كأقصى حد ، أخرجت من جيبي قطعة نقود ورقية من فئة الخمسين ليرة وأمسكتها بيدي لأمرٍ دُبّرَ على عجل ، ناولته إياها بعد انتهائه من عمله المتقن في تلميع الحذاء مع سيجارة إضافية و المزيد من الشكر ، قال لي هل معك أقل منها يا استاذ؟ ما معي فراطة أرجع لك كمالة الخمسين.
ابتسمت له و قلت : إذا بتعرف شو اسم صاحب الصورة المطبوعة على بلوزتك بتصير الخمسين ليرة إلك.
بسرعة و بداهة لم تخطر على بالي، فاجأني إذ قال : و لو يا استاذ، هادا الرفيق غيفارا، أبو الثورة و زعيم الفقراء .

فرحت له من كل قلبي، و بكل رضا و حبور قلت له : خذها كلها، مبروك عليك يا ابني، الله يعطيك العافية و يرزقك.


مضى على تلك الحكاية أكثر من ربع قرن، و تذكرتها في آخر زيارة لي إلى تركيا في بلدة جنوبية قرب الحدود، كنت مع أخي الأصغر مني “صلاح” في سوق المدينة الصغيرة، قبلها كنا في نزهة قصيرة في الطبيعة تركت آثارها في أحذيتنا من وسخ و طين، و لم يسمح لنا الوقت بتنظيفها بعد عودتنا إلى بيت أمي، فرحت عندما شاهدت – في السوق- رجلاً كبيراً في السن طويل القامة أسمر نحيل، جالساً على كرسي خشبي صغير و أمامه صندق “بويا” أصفر ذهبي كبير ، كان البويجي هذه المرة ينتمي إلى بروليتاريا الفلاحين الكادحين، يرتدي زي الفلاح التقليدي : الشروال الأسود و السترة القصيرة ، و ينتعل حذاء مطاطي أسود (جزمة) ذو ساق طويل، و يضع على رأسه “جمدانة” بيضاء مخططة بالأسود، مثل كوفية الكادحين العرب ، و ينقصه المنجل حتى تحسبه عائداً من الحقل…

قلت لأخي دعنا ننظف أحذيتنا عنده قبل مغادرتنا السوق، وافقني أخي و سبقني إليه ريثما أُنهي تسوقي، و سريعاً فعلت و عدت إلى البويجي الفلاح، سألت أخي كم تدفع أجرة البويا في العادة ؟ قال خمس ورقات على الأكثر.

أخرجت قطعة نقد ورقية من فئة العشرين ليرة تركية من محفظتي، امسكتها بيدي و قلت لأخي دعني أحاسبه أنا هذه المرة أرجوك. أعطيت النقود للرفيق البويجي و قلت له : تشكّر ايديريم ، قام الرجل عن كرسيه و أخرج محفظته ليرد لي بقية المبلغ الزائد عن اجرته ، امتنعت عن قبول بقية الحساب بلطف، و عن طيب خاطر و بكل سرور قلت له : خذها كلها لك يا عم، احتفظ بالبقية لنفسك لا أريدها. مدّ الرجل يده بالسلام و صافحني بحرارة وقوفاً كالعسكري الغرّ ، و جذبني نحوه يريد أخذي بالأحضان تعبيراً عن عظيم الامتنان ، جذبت نفسي للخلف ، و ابتسمت في وجهه محاولاً كتم الخجل البادي على وجهي عن الناس، و ابتعدت عنه بلطف و هو يردد خلفي : ممنون افندم، جوك تشكر ايديريم..

ضحك أخي من هذا المشهد العاطفي الحار، ثم قال : ما كان في داعي تعطيه هذا الأجر السخي، لقد أفسدتَ أخلاق الرجل، و كاد أن يقبلك في قارعة الطريق !.

ضحكت و قلت لأخي : لقد ذكرني هذا البويجي التركي بذاك البويجي السوري ، و أردت أن أجزل له العطاء تقديراً مني لعمله الشريف .


جهاد الدين رمضان

في فيينا أول أيار ٢٠١٩
*النص من وحي عيد العمال، و الصورة المرفقة لوحة تشكيلية للبويجي من أعمال الفنان السوري لؤي كيالي المشهورة .

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!